‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرسول الأعظم (ص). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرسول الأعظم (ص). إظهار كافة الرسائل

2014/06/29

نافذ البصيرة .. صلب الإيمان



على امتداد التاريخ الإسلامي، ومنذ أن بدأت دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم، لم تكن هنالك امتيازات لبعض الفئات أو الأشخاص على البعض الآخر، لا سيما وأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد قال يوما: "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى". أي أن خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعلى آله الصلاة والسلام وضع التقوى حدا ومعيارا بين بني البشر المنتمين للدين الإسلامي الحنيف.

ومن هذا المنطلق، عمل بعض الأشخاص في عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم، وبعد ذلك في زمن الائمة عليهم السلام بجد واجتهاد من أجل الوصول إلى الغاية العظمى ونيل الدرجات العليا واللحاق بركب محمد وال محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام. وقد كان أول الواصلين لهذه الغاية هو أبو ذر الغفاري حينما قال له النبي صلى الله عليه واله وسلم: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر". وكم هو عظيم هذا الوصف من النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم لأبي ذر الغفاري، بل وأي عظمة وصلها أبو ذر الغفاري حتى ينال هذه المرتبة وهذا الوسام من صاحب الشفاعة صلى الله عليه واله وسلم.

ولحق بأبي ذر الغفاري، رفيقه في الجهاد وصاحبه في الإسلام سلمان الفارسي والذي قال في حقه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "سلمان منا أهل البيت"، فكان هو الشخص الثاني الذي مُنح امتيازا رفيع المستوى من النبي صلى الله عليه واله وسلم. وأي فضل أن ينتسب سلمان الفارسي أو كما سُمي لاحقا بسلمان المحمدي أن ينتسب لأهل بيت النبوة بعمله وتقواه وجهاده لا بنسبه.

هذه المنازل الرفيعة والأوسمة العالية لم تنلها إلا القلة القليلة من الشخصيات من لدن النبي صلى الله عليه واله، أو من أمير المؤمنين عليه السلام أو الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام. حتى جاء صادق آل محمد عليهم السلام وقال قولته المعروفة في حق عمه العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام: "كان عمّي العبّاس بن علي عليه السلام نافذ البصيرة، صُلب الاِيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً". فما أعظمها من كلمات خرجت من لسان إمام معصوم لا يخرج من فمه إلا الحق.

فما الذي عمله أبو الفضل العباس عليه السلام حتى ينال هذا الوسام الرفيع المستوى، وما الذي صنعه قمر بني هاشم عليه السلام لكي يُثني عليه الإمام الصادق عليه السلام هذا الثناء الكبير؟ في الحقيقة، إن جهاد العباس عليه السلام لا يقتصر على يوم عاشوراء وواقعة كربلاء فحسب، فالعباس عليه السلام جاهد الجهاد الأكبر أي جاهد نفسه وروضها وأدبها قبل أن يجاهد في كربلاء. نعم، لقد وصل أبو الفضل العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام إلى مرحلة عالية من التقوى واليقين، حتى أنه كان لا يقترب من الأمر المكروه فضلا عن الحرام الذي هو أبعد عنه بكل تأكيد، فهو ربيب أمير المؤمنين عليه السلام، وربيب فاطمة بنت حزام الكلابية أم البنين عليها السلام والذي تزوجها أمير المؤمنين وهي من خيرة نساء زمانها، وقبيلتها من أفضل قبائل العرب وأشجعهم ولنا في حديث أمير المؤمنين لأخيه عقيلا "يا عقيل أبغي لي إمرأة ولدتها الفحول من العرب لتلد لي غلاما يكون ناصراً لولدي الحسين". فمن تربى في حجر علي ابن أبي طالب وأم البنين فسوف يكون رجلا صالحا مؤمنا شجاعا تقيا.

أما في كربلاء، فإن العباس قد تكفل بأخته زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام، تكفل بها في الطريق وفي كربلاء أيضا، ولعل البعض يعتقد أنها مهمة سهلة، ولكن أن تكفل امرأةً تمثل الخدر والعفة كلها لهو أمر صعب للغاية. ولعلنا نصل بعد ذلك إلى رفضه أمان ابن زياد والشمر بن ذي الجوشن عليهما لعنة الله، حين قالوا له بأنه إن رضخ لهم واتبعهم فإنه سيكون أميراً لجيشهم فقال قولته المشهورة والتي زلزلت كيان ذلك الجيش الجرار: "لَعَنَك الله، ولعن أمانك، أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمان له ؟!". وهنا نجد أن هذا البطل الهمام ربيب أمير المؤمنين عليه السلام، وصل إلى مقام عالٍ جدا، حيث لم يرفض العرض لأن الحسين عليه السلام يكون أخاً له، ولكن لأنه إمام معصوم مفترض الطاعة، وابن رسول الله وعلي وفاطمة عليهم السلام.

حتى جاء يوم العاشر من المحرم، وبرز أبو الفضل العباس لجلب الماء، فلما أن أحس ببرد الماء رماه من يده، لأن سيده الحسين عليه السلام لم يشرب الماء بعد، وارتجز قائلا:
"يا نفس من بعد الحسين هوني .. وبعده لا كنت أن تكوني 

هذا حسين وارد المنون .. وتشربين بارد المعين 

تالله ما هذا فعال ديني"

إن هذا هو الإيثار بعينه، والإيثار هو تقديم من آثرته على نفسك وإن أضر بك ذلك وسبب لك أذىً كبيرا، فيا لهذه العقيدة الراسخة من أبي الفضل العباس عليه السلام، ومعرفته ويقينه بإمام زمانه وسيده ومولاه الحسين عليه السلام. فقد كان يعلم علم اليقين أنه إن فعل ذلك، نال الدرجات العالية والمقامات الرفيعة، فهو آثر إمام زمانه الحسين عليه السلام على نفسه. وحتى قيل فيه شعرا كثيرا ولعل أجملها ما قاله السيد محسن العاملي:
"لا تنسى للعباس حسن بلائه .... بالطف عند الغارة الشعواء  
واسى أخاه بها وجاد بنفسه .... في سقي أطفال له ونساء
رد الألوف على الألوف معارضا .... حد السيوف بجبهة غراء"

فهل بعد إيثار العباس عليه السلام إيثار آخر، وهل بعد قول الإمام الصادق عليه السلام عن عمه العباس قول في توضيح منزلته الرفيعة.


رضا بن عيسى اللواتي

مسقط – سلطنة عمان

2014/03/09

لو أن فاطمة بنت محمد

لو أن فاطمة بنت محمد


إن لفاطمة الزهراء الحوراء الأنسية سلام الله عليها مقاما عاليا جدا، فقد ظهرت مناقبها وفضائلها وكراماتها منذ ولادتها عليها السلام، إضافة إلى أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يألوا جهدا في الحديث عن بضعته وحبيبته فاطمة الزهراء سلام الله عليها. وقد نعجز الآن عن إدراك مناقبها الجمة وفضائلها الكثيرة وكراماتها الباهرة، ولكن أن لا يستطيع من عاصرها وعاش في زمانها إدراك كنه حقيقتها فإن ذلك شيء عجيب، على الرغم من تواتر الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن كرامات هذه المرأة الجليلة القدر الرفيعة المنزلة.
وهذا واحد من أهم كتبهم يروي حديثا عن النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم يوضح الحقيقة العالية لابنته الزهراء عليها السلام وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم: “فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني” [صحيح البخاري 3/1144]. وليس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يعطي الامتيازات لمن شاء، بل هو يعطيها لمن يستحقها. وقد رووا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأن: “أول من يدخل الجنة فاطمة” [كنز العمال ١٢:١١٠ / ٣٤٢٣٤] ولا أجد حديثا أفضل من هذا لبيان منزلتها وخصوصيتها، وما ذكرته هنا هو غيض من فيض، ولا سبيل إلا للاختصار.
لعمري، كيف لم يستطع القوم معرفة الحقيقة الجلية الواضحة لفاطمة الزهراء عليها السلام، وكيف غابت عنهم أنوار هذه الشمس الساطعة في وضح النهار، وكيف قام هؤلاء بظلم الزهراء عليها السلام. حيث أن مظلوميتها سلام الله عليها لم تكن وليدة الحقبة الزمنية التي تلت استشهاد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى حين استشهادها هي سلام الله عليها فحسب، بل ولم تكن مظلوميتها في غصبها فدكا أو إسقاط جنينها المحسن سلام الله عليه فقط، ولكن مظلومية بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كانت ابتداءً من عدم معرفة القوم بحقها وقدسيتها عليها السلام.
عودا على بدء، فإن هؤلاء القوم لم يكتفوا بما فعلوه بها فقط، بل قاموا بقتل وتشريد وذبح كل من ينتمي إلى فاطمة الزهراء سلام الله عليها نسباً أو ولاءً لها ولأهل بيت النبي صلى الله عليهم وسلم، ثم قاموا بسبي بناتها وقتل أطفالهم. ثم تنحية العترة الطاهرة من نسل فاطمة الزهراء عليها السلام عن كل أمور الدين والدنيا، وتغييب الحقائق عن أعين الناس بعد ذلك، ومن ثم إنكار مناقبها عليها السلام.
أما ما يُجري الدمعة ويُؤلم النفس، فإن المسلمين قد أصبحوا – ونحن في العصر الرابع عشر للهجرة النبوية الشريفة – لا يعرفون غير حديث واحد يتحدث عن فاطمة الزهراء عليها السلام، ولو سألتهم عن فاطمة الزهراء عليها السلام لأجابوك بحديث واحد: “وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” [صحيح البخاري: رقم الحديث 6788]. ولست هنا في صدد البحث في هذا الحديث الذي لم تروه كتب الشيعة قط، فقد كتب فيه بعض علماءنا وتحدث عنه آخرون.
لم يعرف المسلمون عن فاطمة الزهراء عليها السلام غير هذا الحديث، ولم تهتم الجهات المعنية بتعليم أطفالهم وشبابهم عن الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام أبدا، ولم يتحدثوا في خطبهم ومن على منابرهم عن حياتها وعلمها. ولنا في خطبتها الفدكية دليلا بالغا على غزارة علمها وفقهها، وهنا أقول ليس من المهم أن يخبروا الناس بكامل خطبتها، فإن فيها ما يكشف الكثير من الخفايا والأسرار التي ما فتئوا يخفونها عن أعين العامة من الناس، ولكن يحدثونهم عن كلامها في التوحيد، وهم كما يسمون أنفسهم دعاة للتوحيد، ففي خطبتها الفدكية أسرار التوحيد وعلومه، ولو أخذوا بها لاستغنوا عن غيرها.
كما أنهم لم يتحدثوا عن عبادتها سلام الله عليها، ولم يتحدثوا عن حب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لها، وأخفوا من الأمور الكثيرة جدا، ما لو عرفها الناس لوضعوا فاطمة الزهراء عليها السلام في منزلتها التي اختارها الله لها، ولم يهملوا جانبا مهما جوانب العقيدة الحقة.
فأي مظلومية أعظم من إخفاء حقيقة فاطمة الزهراء عليها السلام عن الناس، وعدم اخبارهم بالحقائق وإخراجها للعلن، ولماذا لا يتحدث مشايخ القوم عن فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام ولا يخبرون عامتهم بحقيقتها؟ رغم امتلاء صحاحهم ومسانيدهم بفضائلها عليها السلام. ولكن “وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” [التوبة:32].


نشرت في مدونون