‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصفحة الدينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصفحة الدينية. إظهار كافة الرسائل

2021/09/24

ملحمة الطف الخالدة

ملحمة الطف الخالدة

ملحمة الإمام الحسين عليه السلام في سنة ٦١ للهجرة لم تكن مجرد حرب بين فئتين غير متكافئتين، أو صراعا بين قبيلتين، أو معارضة سياسية أو كما يُروج البعض بأن الإمام الحسين عليه السلام كان يريد السلطة السياسية.

كانت هذه الملحمة منذ بدايتها وأعني بذلك منذ أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عنها منذ ولادة الإمام الحسين بن علي عليه السلام في سنة ٣ للهجرة. هي حركة قيام وثورة - سمها ما شئت - حركة تغيير للأمة الإسلامية مرتبطة بالدين نفسه ولولا ذلك لما أخبر النبي صلى الله عليه وآله عنها!

فلمَ يتحدث النبي صلى الله عليه وآله منذ ولادة الإمام الحسين عليه السلام عند قضية مقتله في كربلاء ويذكر على ذلك علامات ودلالات! بل لم يفوت النبي صلى الله عليه وآله أي فرصة دون الحديث عن هذا الأمر.

حتى إذا ما شارفت سنة ٦٠ للهجرة النبوية على الانتهاء، حمل الحسين عليه السلام أهله وعياله وبعض أصحابه وأنصاره واتجه إلى مكة المكرمة وأعلنها مدوية أنه يقف في وجه الظلم ووجه تغيير الدين، في وجه كل طاغية متجبر حتى قال ليكون مثالا لكل أحرار العالم: "ومثلي لا يبايع مثله".

ولما أن خرج يوم التروية من مكة المكرمة حيث يفد الحجيج إليها، أعلن لكل العالم أجمع أنه لو استمرت تلكم الطريقة فلن يكون لحجكم أو صلاتكم أو صيامكم أي معنى بل ستكون مجرد حركات تقومون بها، وتوجه إلى بيته الأبدي كربلاء.

ولما أن صار يوم عاشوراء، كان كل شيء ينظر لهؤلاء النفر الأبيض منهم والأسود، الحر والعبد، المسلم والنصراني، الصغير والكبير، الطفل والشاب والشيخ، الرجل والمرأة، ٧٠ رجلا وعدد من النساء والأطفال يقودهم الإيمان والإسلام المحمدي كله متمثلا في الحسين بن علي عليه السلام ضد كل الشر والكفر والنفاق والإسلام المنحرف.

نعم، لقد كان خط الإسلام المحمدي العلوي في وجه الإسلام المنحرف، إسلام هوى النفس، إسلام الطغاة، ودليل ذلك أنه عليه السلام أوقف الحرب حتى يصلي هو وأنصاره في أول وقت الصلاة كما كان أبوه أمير المؤمنين عليه السلام يفعل ففي ليلة الهرير عندما قام للصلاة وسأله الناس هل هذا وقت الصلاة أجاب علام نقاتلهم؟. نعم لقد حارب الحسين عليه السلام تلك الفئة من أجل إقامة ما اعوج من الإسلام. 

لقد تجسدت في تلكم السويعات، كل أنواع الإيمان والتضحية والفداء والبذل والحهاد في سبيل الله من كل من كان في معسكر الحسين عليه السلام، ضحى الموجودون في ذلك المعسكر من أجل أن يبقى الإسلام الذي جاء به رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليبقى هذا الخط مرسوما ممتدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

كانت ملحمة العشق، والذوبان في حب الله تعالى، وتصديقا لرسوله المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإيمانا ويقينا بالقائد الحسين بن علي عليه السلام، حتى قال قائلهم: "أكلتني السباع حيا إن أنا تركتك" وقال أصحابه وفدائيوه وأهله مثل هذه المقولات العظام ما قالوا.

لقد تركت لنا كربلاء نموذجا واقعيا لكل الصفات الحميدة والخصال الحسنة، وأبقت لنا كربلاء وأبقى لنا ظهر عاشوراء خط الإسلام المحمدي الأصيل، ووصل إلينا خاليا من الشوائب ونقيا طاهرا، ولولا ذلك لكنا الآن لا نعلم من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.


2018/08/20

حج الحسين عليه السلام


سمع المسلمون بخبر مفاده أن حج هذا العام سيكون برفقة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في عام 60 للهجرة النبوية الشريفة. فأهلوا واستبشرا فرحا بأنهم سيقضون مناسكهم مع الحسين عليه السلام، ويمتثلون لأمره وينتهون لنهيه. في الجانب الآخر، كان يزيد بن معاوية يستعد للحج أيضا، ولكن بجلاوزته المدججين بالسلاح، مرتدين لباس الإحرام مختلطين بالحجيج، كان هدفهم أن يسفكوا دم الحسين بن علي عليه السلام ولو كان متعلقا بأستار الكعبة المشرفة.
جاء الناس من كل فج عميق، وصلوا لأداء مناسكهم معلنين توبتهم، زذائبون في حب الله جل في علاه، وأيضا أنهم تمسكهم بحبل الله المتيم وصراطه المستقيم. بعضهم قال اليوم نحج بحج الحسين عليه السلام، والبعض الآخر يقول دعونا ننتهل من عذب ماءه ومعين علمه. ولكنهم تفاجئوا في يوم التروية، عندما باتوا على مشارف مكة المكرمة، أن هناك قافلة تستعد للخروج منها !
يا للعجب، أي قافلة هذه التي تخرج من مكة والناس تفد إليها. واعجباه، أي القوافل تلك التي تَحرم نفسها من الحج مع ابن رسول الله صلى عليه واله وسلم. كثر الضجيج وتعالت الأصوات حين سمعوا المنادي ينادي، هلموا إلى بيت الله العتيق، فابن سيد المرسلين قد أرسل في طلبكم وهو بانتظاركم. وقف الحسين عليه السلام وأسند ظهره إلى الكعبة المشرفة ثم قال: "أيها الناس، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف". تعالت الأصوات من هاهنا وهاهناك، ماذا يقول الحسين عليه السلام ؟ ما هذه الكلمات الغريبة التي لم نعهدها منه ؟ لماذا جمعنا الحسين عليه السلام الآن ؟ .. "وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وقد خير لي مصرع أن لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواوويس وكربلاء فيملأن مني اكراشا جوفا وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلاءه، فيوفينا أجور الصابرين". أرتعب الحضور، واشرأبت الأعناق وجحظت العيون. ابن بنت رسول الله ينعى نفسه ! هل هو مفارقنا إلى غير رجعة ؟ هل هذه القافلة الخارجة من مكة هي قافلة الحسين نفسه ؟

"أيها الناس، ألا ومن كان باذلا فينا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحا إن شاء الله". تحادرت الدموع، وغطيت الأعين، نعم، الحسين ينعى نفسه ويطلب الناصر والمعين. يبدو أن سيد شباب أهل الجنة قد عزم على أمر عظيم، يقيم به الحق ويدحض به الباطل. كأن أبن رسول الله وريحانته وسبطه قد عزم على الخروج بالسيف على المنكر. وهاهو الآن يطلب من أتباع جده والمؤمنين به أن ينصروه ولا يدعوه وحده.
نزل الحسين عليه السلام فيما تعالت الأصوات "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك". في مقابل ذلك كانت تلبية الحسين مختلفة جدا عن تلبية بقية الحجيج، فكان لسان حاله يقول "لبيك بذبح رجالي لبيك .. لبيك بسبي نسائي لبيك .. لبيك بذبح طفلي الرضيع لبيك .. لبيك بعطشي لبيك .. لبيك بحرق خيامي لبيك .. لبيك بمقتلي لبيك".

2015/07/08

حتى لا نكتوي بناره !!!!

حتى لا نكتوي بناره !!!!


لم تكد تمضِ أسابيع قليلة على الإنفجارات التي هزت بعض المساجد في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وأراقت دماء زكية بريئة لنفوس لم يكن ذنبها سوى أنها لبت نداء “حي على الصلاة”، حتى تكرر المشهد نفسه في دولة شقيقة أخرى وهي دولة الكويت، زهقت فيها نفوس مؤمنة. لم يحترم من خطط ونفذ لإخراج هذا المشهد حبل التواصل الممدود بين الضحايا وبين خالقهم وهم سجود في صلاتهم ليوم الجمعة وفي شهر الله، فتناثرت دماؤهم وأشلاؤهم وارتفعت أرواحهم إلى بارئها متسائلة بأي ذنب قتلت. ونحن أيضا نتسائل بأي ذنب أزهقت هذه النفوس.
ما حدث قبل أيام كان متوقعا حدوثه ليس في الكويت فحسب بل في أي مكان في العالم. ففي ظل الجو الملوث بكافة أنواع الشحن المذهبي والطائفي البغيض العابر للقارات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والسكوت المريب إن لم يكن مساهمة بعض الحكومات والمؤسسات في خلق هذا الجو الملوث، كان لابد لبعض العقول المتحجرة وبعض الأفكار السوداء أن تجد حاضنة مناسبة لتفرخ فيها وتنمو وتترعرع وتتجرد من أدنى مظاهر الإنسانية، فتتحول إلى غول طائفي ومذهبي شرس يقتات على أشلاء البشر وينهل من دمائهم، بحيث لا يفرق بين مذهب ومذهب أو دين ودين أو قبيلة وقبيلة أو مسجد وكنيسة ورقص، والكارثة المفجعة أن الغول المتمثل بهيئة البشر، والبشر منه براء، يزداد ضخامة وتوحشا وفتكا رافعا راية الإسلام الذي لم يدخل قلوب الناس إلا بالحكمة والموعظة الحسنة.
لو تمعنا قليلا في الأحداث الأخيرة، لوجدنا أن معظمها وقعت في أيام الجمعة، أي في يوم عبادة المسلمين وفي وقت واحد تقريبا وهو وقت صلاة الجمعة، وهو اليوم الوحيد من أيام الأسبوع الذي خصه الله سبحانه وتعالى بسورة في القرآن الكريم واختصه بصلاة خاصة به، في حين أن مجزرة مسجد الكويت وقعت في شهر رمضان المبارك. لذا وفي سياق هذه الحيثيات، من الغبن الشديد بل ومن الطامة الكبرى أن يصدق المرء بأن من قام بهذه الجرائم مسلم أو موحد أو حتى إنسان، لأنه حتى الحيوان في الغابة لا يقتل إلا إذا لم يجد ما يسد به جوعه، فكيف لمسلم أن يتجرأ لقتل مسلم في مكان مقدس وفي يوم مقدس وفي شهر مقدس وفي ضيافة الواحد الأحد. ليس هذا فحسب بل يحدث هذا باسم الإسلام وتحت راية الإسلام وبتكبيرة الإسلام. أي منطق هذا الذي يدعون وأي إسلام يعتنقون.
من الصعوبة بمكان، أن تُقدم فئة ما على عمل كهذا من دون أن يكون لها فكر نظري يؤسس لمثل هذه الأعمال، ويُنظر لها. وعندما أتحدث عن الأساس النظري والتنظير لهذا الفكر، لا أعني فئة دون أخرى، ولو رجعنا إلى تُراثنا الإسلامي لوجدناه لا يخلو من مشاهدَ العنف والقتل والدمار التي حدثت بين فترة وأخرى، ووجد من يدعو إليها بل وينظر لها. بل إن البعض منهم إدعى ولا زال أن الإسلام انتشر بالذبح، وهذا ما نسمعه في خطاباتهم ونقرأه في بياناتهم كقولهم “والصلاة والسلام على رسول الله الذي بعث “بالسيف” رحمة للعالمين”. لعمري كيف يكون القتل والذبح رحمة للعالمين. إلا أن هذه الجماعات المحسوبة على الإسلام وللأسف، تأبى إلا أن تعتنق القتل والذبح والتنكيل لنشر دعواهم زورا وبهتانا باسم راية إسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي بُعث رحمة للعالمين. فنراهم يتفننون في ابتكار وسائل وأساليب مرعبة للقتل والذبح والتنكيل لنشر الرعب والخوف بين البشر لا بل وحتى الشجر والحجر. وللأسف فقد وجد هؤلاء في بعض كتب التراث وفي فتاوى بعض علماء الفتنة مصادر للتنظير لأفكارهم التكفيرية وزودتهم بمبررات ففقهية مضلله لنشرها بتلك الأساليب التي أقل ما يقال عنها أنها لا إنسانية. وبالتالي فإن منابع هذا الإجرام وأهدافه المختلفة لا تمت إلى الإسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد، وإنما يتم استغلال الإنفعال الطائفي والمذهبي المنتشر في المنطقة مثل النار في الهشيم.
لذا نرى أن معالجة هذا البلاء يتم عن طريق حلول تُعطي الوقاية وتُقدم العلاج. من أهم الحلول لمواجهة هذه الأفكار والمعتقدات الضالة هو تنقية التراث الإسلامي من الإسرائيليات الإرهابية الدخيلة على دين الرحمة والتسامح. فوجود هذا الكم الهائل من الروايات والنصوص والأقوال والأحداث في التراث الإسلامي التي تدعو إلى العنف وإلغاء الغير وتكفيره بأي وسيلة كانت، كفيل بأن يشكل رافدا قويا لفئة فنها القتل، وهوايتها الذبح، وهويتها حز الرقاب.
وما أحوجنا اليوم إلى اجتماع الأمة وتوحيد جهودها من مشرقها إلى مغربها، لتنقية هذا التراث الجم من الشوائب التي  دخلت عليه سواء عن قصد أو غير قصد، عن طريق غربلة وتنقيح هذا التراث من الموضوعات. لا سيما وأن العقود القليلة الماضية شهدت موجات عنيفة من التكفير والتفسيق ابتداء من فتاوى الدم التي احترف على إصدارها علماء لا ينتمون إلى أمة إقرأ بل لا شك ولا ريب ينتسبون إلى أمة إذبح، وانتهاءً بالتراشق والتلاسن والسب على قنوات الفتنة بين من يدعون العلم وهم ليسوا إلا أباليس لفظتهم جهنم لشدة مرارة لحومهم.
إن الفتاوى التكفيرية والطائفية والمذهبية التي يصدرها علماء أعمتهم العصبية الجاهلية وشكلت الإسرائيليات الإرهابية الدخيلة على الدين الحنيف منهلا لمعتقداتهم أو غررت بهم الدولارات المشبعة برائحة البترول، مزقت حتى الآن أوصال أكثر من تسع دول عربية وإسلامية والحبل على الجرار. ولا أدري أية صعقة كهربائية أشد من تلك التي نكتوي بها الآن لكي نصحو وننقذ ما يمكن إنقاذه من البشر والحجر والشجر، والحمد لله فإن جهود بعض العقلاء في الأمة من حكام وساسة وعلماءدين ومثقفين، تشكل حتى الآن عنصر وقاية من الانحدار التام نحو العنف المذهبي المتبادل وإن كانت بوادر هذا الانزلاق تلوح في الأفق. وبالفعل فقد تنبه بعض المثقفين إلى هذه الحقيقة المرة، وبدأوا يرسلون رسائل تحذير من خلال كتاباتهم ومؤلفاتهم ولا بأس أن أشير هنا إلى رواية “فئران أمي حصة” للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، والتي أنهيت قراءتها تزامنا مع تفجير مسجد الإمام الصادق في حي الصوابر بالكويت.
والسؤال المطروح والذي يفرض نفسه على من تبقى من عقلاء هذه الأمة حكاما ومحكومين، علماء دين ومثقفين وأثرياء ومعدومين، هل ننتظر جريان أنهار الدماء في شوارع عواصم ما تبقى من دولنا؟ هل ننتظر تجزئة ما تبقى من المجزء من دولنا؟ هل ننتظر تحويل ما تبقى من شعوبنا إلى سكان مخيمات اللاجئين في أوطانهم؟ ألا يكفي ما أنتجته أيدينا في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن من دمار وخراب؟ هل نريد أن نرى كل ما أنجزناه في العقود الماضية من تطور في العمران والبنية التحتية وشتى مجالات الحياة، هل نريد أن نرى كل ذلك ينهار أما أعيننا قاعا صفصفا؟ متى سنفهم أن الدمار إن حل في مكان فلن يفرق بين أبيض وأسود، بين قبيلة وأخرى، بين غني وفقير، إنه سوف يجرف الجميع بلا استثناء. إلى متى سنقف مكتوفي الأيدي ونحن نشاهد سونامي الإرهاب الجارف يقتلع بلدانا بأكملها على طريق طنجة جاكرتا.
حقا يحز علينا نحن في دول الخليج خاصة، أن نقف متفرجين ونحن نشاهد بأم أعيننا بلداننا، واحات الأمن والأمان، تتعرض لموجة إرهاب يقف أمامه الصهاينة والمغول والتتار خجلا لأنهم على فظاعة ما ارتكبوه لم يصلوا إلى مستوى إرهاب تتار ومغول عصرنا الذين صنعناهم وغذيناهم وللأسف بأيدينا ورميناهم في أحضان الصهيونية، فماذا نحن فاعلون إذاً لوقف هذا الزحف، وما دورنا لحماية دولنا من الخراب والدمار، والمحافظة على منجزاتنا من الضياع.
إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرت وتمر بها الأمة أوجدت في نفس كل واحد منا إرهابيا صغيرا ينتظر الأرضية الخصبة لينمو ويكبر. وليس شرطا أن تسلم لهذا الإرهابي سكينا أو بندقية ليفرغ بها شحنات الكبت والمعاناة  ضد الأبرياء، بل يكفي أن تلعب بعقله ليصبح صاحب فكر إقصائي تكفيري، صاحب فكر يُنظر للإرهاب ويقتات عليه. لذا فإن الدول والحكومات مطالبة بتصحيح الأوضاع، الأمر الذي سوف يساعد كل واحد منا لأن يتخلص من هذا الإرهابي الصغير الذي يقيم في نفسه أو على الأقل يوقف نموه الذي يعمل على إذكائه دون كلل بعض علماء الفتنة وعبيد المال ونافخوا الكير وبعض القنوات الفضائية.
وهنا يبرز دور العلماء الربانيين الأجلاء لتوجيه وتثقيف المجتمعات وتنقية أفكارهم وتقويمها بما يتفق مع تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ولا ننسى دور الأسرة في هذا السياق وما يمكن أن تشكله من سد منيع يحول دون إنحراف الأجيال نحو طريق الفتنة والمذهبية والطائفية وإقصاء الآخر.
لقد كان حضرة صاحب الجلالة حفظه الله كعادته سباقا إلى الدعوة لتجنيب البلاد والأمة ويلات ما تمر به حاليا، فقد حذر صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في إحدى كلماته السامية عندما قال: “إن التزمت في الفهم الديني لا يؤدي إلا إلى تخلف المسلمين، وشيوع العنف وعدم التسامح في مجتمعاتهم. وهو في حقيقة الأمر بعيد عن فكر الإسلام الذي يرفض الغلو، وينهى عن التشدد، لأنه دين يسر، ويحب اليسر في كل الأمور. وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام إذ يقول: ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) وليس بعد حديث الرسول من مقال”.
النقطة الأخرى التي يجب التركيز عليها هو حب الوطن والمواطنة. فها هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يربط حب الوطن بالإيمان فيقول: “حب الوطن من الإيمان”، فلنتخذ هذا الحديث الشريف عنوانا لحياتنا، وطريقا نتبعه في كل وقت وآن. وحق لي أن استشهد بمقولة لصاحب الجلالة السلطان قابوس – أيده الله – في هذا المضمار إذ يقول في إحدى خطبه السامية: “ومن ثم فإن على كل مواطن أن يكون حارسا أمينا على مكتسبات الوطن ومنجزاته التي لم تتحقق كما نعلم جميعا إلا بدماء الشهداء، وجهد العاملين الأوفياء، وألا يسمح للأفكار الدخيلة التي تتستر تحت شعارات براقة عديدة، أن تهدد أمن بلده واستقراره، وأن يحذر ويحذر من هذه الأفكار التي تهدف إلى زعزعة كيان الأمة، وأن يتمسك بلب مبادئ دينه الحنيف وشريعته السمحة التي تحثه على الالتزام بروح التسامح والألفة والمحبة”.
فإن أي مشكلة ستصيب الوطن، سأكون أنا أول المصابين بهذه المصيبة، أما الذين يعيشون معي في هذا الوطن، أتفقنا أم اختلفنا فهم إخواني وأقاربي وجيراني، عرضهم عرضي، وما يؤذيهم يجب أن يؤذيني. هذه هي المواطنة، أن نكون يداً واحدا في مواجهة كل تطرف وغلو، وأن لا نسمح للأفكار المنحرفة بأن تدخل بيوتنا ومجالسنا ومجتمعاتنا.
وفي الحقيقة فإن مواقف حضرة صاحب الجلالة حفظه الله وسياسات حكومته الرشيدة ومنذ فجر النهضة المباركة رسمت لعماننا الحبيبة لوحة فسيفساء رائعة لم توفر أية مساحة للتعصب والطائفية والمذهبية وإنما تزينت بأجمل ألوان المواطنة والحب والأخوة والتعايش واحترام الآخر. ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية النزيهة تتسابق في تقديم شهادات التقدير والاحترام لما تتمتع به السلطنة من بيئة يحسدنا عليها الكثيرون والتي ما كانت لتتوفر لولا حكمة عاهل البلاد المفدى والتلاحم المخلص بين الوطن والمواطن.
لا شك أن الإرهاب الذي هز دولة الكويت الشقيقة والضحايا الأبرياء الذين سقطوا، أدمعت عيوننا وأدمت قلوبنا، ولكن المواساة كانت في التلاحم الذي ظهر بين الحكومة ومختلف فئات الشعب الكويتي. وما موقف سمو أمير الكويت الذي وصل إلى موقع الحدث والدموع في عينيه وهو يردد “هذول عيالي”، إلا دليلا على عمق العلاقة والمحبة بين أمير البلاد وشعبه. لقد تعاضد أبناء الشعب الكويتي، وأنصهر الجميع بمختلف طوائفهم وقبائلهم ومناطقهم تحت راية الكويت وفي بوتقتها. ورأينا كيف كان التشييع والدفن مهيبا. كل ذلك سدد ضربة مميتة للإرهاب ووقف حائلا دون تحقيق أهداف الفكر التكفيري التي كانت متوقعة من هذا العمل الإرهابي ألا وهو خلق الفتنة بين مكونات الشعب الكويتي، الأمر الذي نزل بردا وسلاما واطمئنانا ليس على قلب الشعب الكويتي بل أبناء الخليج كلهم.
هذا هو المطلوب منا جميعا، الوحدة الوطنية، والتعاضد والتكافل بين أبناء الوطن الواحد. إنه كفيل بتحقيق الوحدة بين الأمة جميعها، ويجب أن يكون هذا التلاحم والتعاضد في جميع الظروف والأوقات والأزمنة، في الحرب والسلم، في السراء والضراء، في حالة الخوف أو في حالة الأمن، فكلنا معرضون لمثل هذه الأفعال الإجرامية، وكلنا في مرمى الخطر دون استثناء، فالإرهاب أيا كان مصدره ولونه، فإنه لا دين له ولا إنسانية ولا مذهب ولا أخلاق ولا ضمير.
وللأسف إنما يجري على أرضنا العربية والإسلامية، يقرح القلوب، ويدمع العيون، فالمآسي كثيرة، والشهداء والجرحى أكثر، والمعاناة شديدة. ترى ماذا يُراد لنا من كل ما حصل ويحصل، وإلى أين سنصل؟ ولكن كلي يقين بأن الوحدة الوطنية هي الحل، فإن كنا متحدين كالجسد الواحد فسنصمد كالبنيان المرصوص، وإن تفرقنا لا قدر الله فالسقوط مآلنا. نسأل الله أن يكشف هذه الغمة عن هذه الأمة إنه سميع مجيب.

2014/03/23

بأبي التي ..!!

بأبي التي ..!!
0e33424f60f200
ما أقسى الم الفراق ..!!
وما أشد الحزن والمصاب !!
ألم فراق الجد ..!!
جداه .. يا رسول الله .. أنا زينب !!
رسول الله على فراش المنية !! ينظر إلى بضعته، خليفته، وسبيطه ..!!
ونظرة خاصة لزينب ..!! عينا رسول الله على زينب ..!!
ويبكي هذا الرجل الأوحد في العالم ..!!
جداه .. هل سوف تفارقنا ..!!
جداه .. وا محمدا ..!!
زينب بنية .. تذكري هذا النداء .. فسوف تنادين مثله بعد حين ..!!
جداه .. إن عمري لم يتجاوز العاشرة !!
لم يجبها جدها !! فارق الدنيا ورأسه عند علي !!
ولم تمضِ الأيام والليالي حتى جاءت مصيبة أخرى ..!!
الآن زينب ترى أمها الزهراء بين الباب والجدار !! أي مصيبة هذه !!
دماء سالت على الأعتاب ..!! أماه ما هذه الدماء !! فاطمة .. لا تجيب ..!!
فاطمة تسقط على الأرض !! وزينب تنادي .. أمااه .. !! وفاطمة لا تجيب !!
أماه .. فاطمة .. إن أبي علياً قادوه إلى المسجد !! فاطمة .. تعجز الحروف عن وصف حالها !!
وفي ليلة الإحتضار !! زينب .. بنيتي .. حان وقت الوداع !!
زينب يا حبيبة القلب .. ما حصل لي .. سوف يتكرر عليك ..!!
زينب .. إسمعي مني !!
زينب .. زينب .. زينب ..!!
سكتت الزهراء .. أماه .. ما الذي سيحصل بعدها !!
لم تتمالك فاطمة نفسها من البكاء !!
زينب .. حبيبتي زينب .. في تلك الصحراء !! سيفنى كل من مع الحسين !!
يا زهراء .. هل سيبقى أخي الحسين وحيدا !!
زينب .. بُنية .. ودِّعيه !! قبلي نحره وصدره !! وانفجرت فاطمة باكية ..!!
أماه .. يا زهراء .. وماذا بعد !! لم تجب الزهراء !! فارقت الدنيا !!
رحلت فاطمة الزهراء وهي في ريعان شبابها ..!!
ما أقسى ألم الفراق ..!!
الجد .. يفارق الدنيا .. ثم الأم تلحق بأبيها ..!!
حان الوقت لأن تقوم زينب الطفلة المدللة مقام أمها الزهراء ..!!
على زينب أن تتعود على المشقة منذ الآن ..!!
فاطمة الزهراء مسجاة أمامها ..!!
وزينب تبكي بكل حرقة وألم وهي تودع هذا القلب الرؤوف ..!!
لا أدري ما حال زينب الآن ..!!
ولكنها بالتأكيد باكية العين .. حزينة القلب ..!!
على زينب الآن أن تكون أماً لأبيها علي، وأماً للحسن والحسين !!
كما كانت فاطمة .. أماً لمحمد ..!!
عذابات السنين .. كلها تُصب على قلب زينب الصغير ..!!
واستعدت زينب .. لرحلة الأسر والسبي !!
فقال الشاعر: بأبي التي ورثت مصائب أمها ..!!


نشرت في مدونون

2014/03/09

لو أن فاطمة بنت محمد

لو أن فاطمة بنت محمد


إن لفاطمة الزهراء الحوراء الأنسية سلام الله عليها مقاما عاليا جدا، فقد ظهرت مناقبها وفضائلها وكراماتها منذ ولادتها عليها السلام، إضافة إلى أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يألوا جهدا في الحديث عن بضعته وحبيبته فاطمة الزهراء سلام الله عليها. وقد نعجز الآن عن إدراك مناقبها الجمة وفضائلها الكثيرة وكراماتها الباهرة، ولكن أن لا يستطيع من عاصرها وعاش في زمانها إدراك كنه حقيقتها فإن ذلك شيء عجيب، على الرغم من تواتر الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن كرامات هذه المرأة الجليلة القدر الرفيعة المنزلة.
وهذا واحد من أهم كتبهم يروي حديثا عن النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم يوضح الحقيقة العالية لابنته الزهراء عليها السلام وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم: “فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني” [صحيح البخاري 3/1144]. وليس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يعطي الامتيازات لمن شاء، بل هو يعطيها لمن يستحقها. وقد رووا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأن: “أول من يدخل الجنة فاطمة” [كنز العمال ١٢:١١٠ / ٣٤٢٣٤] ولا أجد حديثا أفضل من هذا لبيان منزلتها وخصوصيتها، وما ذكرته هنا هو غيض من فيض، ولا سبيل إلا للاختصار.
لعمري، كيف لم يستطع القوم معرفة الحقيقة الجلية الواضحة لفاطمة الزهراء عليها السلام، وكيف غابت عنهم أنوار هذه الشمس الساطعة في وضح النهار، وكيف قام هؤلاء بظلم الزهراء عليها السلام. حيث أن مظلوميتها سلام الله عليها لم تكن وليدة الحقبة الزمنية التي تلت استشهاد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى حين استشهادها هي سلام الله عليها فحسب، بل ولم تكن مظلوميتها في غصبها فدكا أو إسقاط جنينها المحسن سلام الله عليه فقط، ولكن مظلومية بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كانت ابتداءً من عدم معرفة القوم بحقها وقدسيتها عليها السلام.
عودا على بدء، فإن هؤلاء القوم لم يكتفوا بما فعلوه بها فقط، بل قاموا بقتل وتشريد وذبح كل من ينتمي إلى فاطمة الزهراء سلام الله عليها نسباً أو ولاءً لها ولأهل بيت النبي صلى الله عليهم وسلم، ثم قاموا بسبي بناتها وقتل أطفالهم. ثم تنحية العترة الطاهرة من نسل فاطمة الزهراء عليها السلام عن كل أمور الدين والدنيا، وتغييب الحقائق عن أعين الناس بعد ذلك، ومن ثم إنكار مناقبها عليها السلام.
أما ما يُجري الدمعة ويُؤلم النفس، فإن المسلمين قد أصبحوا – ونحن في العصر الرابع عشر للهجرة النبوية الشريفة – لا يعرفون غير حديث واحد يتحدث عن فاطمة الزهراء عليها السلام، ولو سألتهم عن فاطمة الزهراء عليها السلام لأجابوك بحديث واحد: “وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” [صحيح البخاري: رقم الحديث 6788]. ولست هنا في صدد البحث في هذا الحديث الذي لم تروه كتب الشيعة قط، فقد كتب فيه بعض علماءنا وتحدث عنه آخرون.
لم يعرف المسلمون عن فاطمة الزهراء عليها السلام غير هذا الحديث، ولم تهتم الجهات المعنية بتعليم أطفالهم وشبابهم عن الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام أبدا، ولم يتحدثوا في خطبهم ومن على منابرهم عن حياتها وعلمها. ولنا في خطبتها الفدكية دليلا بالغا على غزارة علمها وفقهها، وهنا أقول ليس من المهم أن يخبروا الناس بكامل خطبتها، فإن فيها ما يكشف الكثير من الخفايا والأسرار التي ما فتئوا يخفونها عن أعين العامة من الناس، ولكن يحدثونهم عن كلامها في التوحيد، وهم كما يسمون أنفسهم دعاة للتوحيد، ففي خطبتها الفدكية أسرار التوحيد وعلومه، ولو أخذوا بها لاستغنوا عن غيرها.
كما أنهم لم يتحدثوا عن عبادتها سلام الله عليها، ولم يتحدثوا عن حب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لها، وأخفوا من الأمور الكثيرة جدا، ما لو عرفها الناس لوضعوا فاطمة الزهراء عليها السلام في منزلتها التي اختارها الله لها، ولم يهملوا جانبا مهما جوانب العقيدة الحقة.
فأي مظلومية أعظم من إخفاء حقيقة فاطمة الزهراء عليها السلام عن الناس، وعدم اخبارهم بالحقائق وإخراجها للعلن، ولماذا لا يتحدث مشايخ القوم عن فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام ولا يخبرون عامتهم بحقيقتها؟ رغم امتلاء صحاحهم ومسانيدهم بفضائلها عليها السلام. ولكن “وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” [التوبة:32].


نشرت في مدونون

2013/11/16

ولزينب رب يحميها

ولزينب رب يحميها


تلك الليلة، كانت أصعب الليالي على قلب مولاتي العقيلة زينب عليها السلام، ليت شعري ما كان شعورها وما الذي كانت تعانيه، فحين يفقد المرء شخصاً واحداً من أحب الناس إلى قلبه فإنه يعاني كثيرا، ولنا في قصة يعقوب النبي عليه السلام حينما فقد ولده العزيز يوسف عليه السلام وهو يعلم أنه حي يرزق لعبرة لأولي الألباب. فكيف بقلب إمرأة فقدت في ساعة واحدة 17 رجلاً من أهل بيتها وأعز قرابتها، نجوم الأرض من آل عبدالمطلب، هذه المرأة هي زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام، وحق للشاعر أن يقول "بأبي التي ورثت مصائب أمها ** فغدت تقابلها بصبر أبيها".

هي ليلة الحادي عشر من المحرم، التي أصبحت فيها مولاتنا العقيلة زينب الحامي والكفيل لليتامى والأرامل، من بعد أخيها سيد الشهداء عليه السلام حيث أنها كانت تنظم شؤونهم وترعاهم. ورغم كل ذلك، ورغم كل المصائب التي مرت عليها، لم تفقد صبرها وتجلدها، لكنها صلت ذلك اليوم صلاة الليل من جلوس. وفي اليوم الحادي عشر من المحرم كانت الرحلة الشاقة والعسيرة على قلب مولاتنا العقيلة زينب عليها السلام، حادي الظعن في تلك المسيرة هو الشمر عليه لعنة الله ويحوط موكب السبايا جيوش بني أمية. قلوبهم قاسية، وأيما صوت تصدره الهاشميات فالضرب المبرح هو ردة فعل أبناء الطلقاء.

أما رأس الحسين عليه السلام الذي نصبه أعداء الدين والإنسانية أمام موكب سبايا آل محمد عليهم السلام، وأمام عيني مولاتنا العقيلة زينب عليها السلام، كان ذلك تعذيبا نفسيا للأسرة الهاشمية العلوية، وحين كانت النساء يبكين لمنظر الرأس المنصوب على رمح طويل، تجلدت وصبرت بنت أمير المؤمنين ونفذت وصية أخيها الحسين عليه السلام حين أمرها بالصبر وعدم اظهار الأسى والحزن، بل وإكمال مسيرته عليه السلام.

وتجلى صبرها وعزيمتها في ثلاثة مواطن، في الكوفة، أمام ذلك الجمع الهائل من الناس، وبين يدي طاغية الكوفة والبصرة عبيدالله بن زياد، وعند ابن آكلة الأكباد في دمشق الشام. هناك ألقت الحراء زينب عليها السلام خطباً عظيمة من دون خوف أو انكسار، فاقشعرت لها أبدان الحاضرين وسقطت قطرات الدموع من أعينهم، وهم ممن امتلأت قلوبهم حقدا على آل بيت النبوة والرسالة، حتى قيل أنها قد أفرغت عن لسان أبيها أمير المؤمنين عليه السلام. لعمري، إن المصائب التي رأتها زينب عليها السلام كانت كفيلة بأن تهد الجبال الرواسي، ولكن لزينب رب يحميها.

وتخرج زينب عليها السلام من الشام مرفوعة الرأس منتصرة على أبناء الطلقاء، فتشاء القدرة الإلهية أن تعود مولاتنا زينب عليه السلام إلى هذه الأرض الظالم أهلها، بعد عامين مريضة ناحلة الجسم فيوارى بدنها في دمشق الشام. وهناك في أرض بني أمية ترتفع قبة مولاتنا العقيلة زينب الزاهرة لتناطح السحاب، ويزورها أفواج البشر في كل عام، وفي كل آن، يتوسلون عند ضريحها الطاهر، فكان ذلك عربونا لوفاءها وهدية من رب السماء لهذه المرأة الطاهرة التي ضحت بكل ما تملك من أجل إعلاء راية الحق وراية جدها رسول الله صلى الله عليه واله، ونصرة لأخيها الحسين عليه السلام.

ويأبى الطلقاء وأبناء الطلقاء إلا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فيأتون من كل حدب وناحية، لإسقاط راية العقيلة زينب، وهدم تلك القبة الشامخة، وإيقاف الأفواج البشرية الوافدة إلى تلك البقعة من الأرض التي تشرفت بالسيدة زينب عليها السلام في كل عام. ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والمنافقون، فهاهي قبة زينب عليها السلام تعلو يوما بعد يوم، ورجال الله أقسموا "أن لن تسبى زينب مرتين"، وحقا لزينب رب يحميها.




رضا بن عيسى اللواتي

مسقط – سلطنة عمان

2013/11/12

#ويبقى_الحسين (3) | كذب الموت فالحسين مخلد

#ويبقى_الحسين (3) | كذب الموت فالحسين مخلد
#ويبقى_الحسين (3) | كذب الموت فالحسين مخلد (1)

كذب الموت فالحسين مخلد ** كلما أخلق الزمان تجدد


هكذا صدح أحد الشعراء الذين عرفوا وفهموا خلود ثورة وملحمة سيد الشهداء مولانا أبو عبدالله الحسين عليه السلام، وبهذا البيت كانت بداية قصيدته. نعم، كذب الموت، فالحسين عليه السلام لم يمت، ولم يفارق الدنيا، بل بعروج روحه المقدسة إلى خالقها عاش الحسين عليه السلام، وبصعود روحه الشريفة إلى جوار روح جده وأمه وأبيه وأخيه صلوات والله وسلامه عليهم أمتد ذكر الحسين عليه السلام وأصبح بهذا خالدا أبد الدهر. ولما رمى الحسين عليه السلام بدمه الشريف يوم العاشر من المحرم كان البقاء السرمدي والخلود الأبدي لهذا الإنسان المقدس الذي قال يوم العاشر من المحرم: "يا رب إن كان هذا يرضيك، فخذ حتى ترضى".

إن هذا الخلود والبقاء لثورة الحسين (ع) قد حير الكتاب والمفكرين واصحاب الثورات الكبيرة، فلو عدنا إلى الوراء لرأينا أن الثورة الوحيدة التي لا يزال العالم كله يتذكرها في كل عام هي ثورة الإمام الحسين (ع)، على الرغم من أن عددا كبيرا من الثورات قد قامت وانتهت بعد فترة وجيزة. فنرى ثورة المختار الثقفي للثأر من قتلة سيد الشهداء علبه السلام، وثورة زيد الشهيد، وثورة الحسين بن علي صاحب فخ، وثورة العباسيين ضد الحكم الأموي والتي رفعت شعار "الرضا من آل محمد". أما في العصر الحديث فنرى ثورة نابليون بونابرت، ثورة غاندي في الهند ضد الحكم البريطاني، ثورة مصر في عام 1953، والثورة الإسلامية في إيران وغيرها. كل هذه الثورات، بل وأكثر مما ذكرته، أفل نجمها، وأنطفأ وهجها بعد سنوات قليلة من انتهاءها، إلا ثورة الحسين عليه السلام فأن نجمها يزداد سطوعا كل عام، ويزداد بل ويتضاعف عدد الملتحقين بركبها كل عام.

فما السر اذا؟، ولماذا هذا الخلود والبقاء وقد مر على هذا الواقعة زهاء 1400 عام؟ ولماذا يتوقف الناس عن اتباع الثورات ويتوقفون عن التفاعل معها إلا ثورة الحسين عليه السلام، فإن إسمه رغم كل الحروب التي جرت لتهميشه وكل الأفكار المضادة التي نشأت لمحاربة فكره، فإن اسمه وفكره ومنهجه لا يزداد إلا علوا وشموخا. إن لهذا الشموخ والرفعة والمكانة الخاصة لثورة سيد الشهداء عليه السلام أسباب وعوامل عديدة ويمكن أن نختصرها في ثلاثة عوامل رئيسية سوف نتحدث عنها تباعا.

العامل الأول الذي ساهم في إبقاء النهضة الحسينية إلى يومنا هذا، هو الهدف من هذه النهضة، حيث يظهر لنا جليا أن خروج الإمام الحسين عليه السلام ضد حكم بني أمية الظالم لم يكن من أجل المنافسة على حكم البلاد الإسلامية أو من أجل الحصول على المال أو الجاه أو غيرها من فضول العيش، بل كان من أجل إعادة النظام إلى حياة الأمة الإسلامية وإعادة الشريعة الإسلامية إلى ما كانت عليه في أيام جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأبيه أمير المؤمنين عليه السلام. وفي هذا يقول الإمام الحسين عليه السلام: "ألّلهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك" ] بحار الأنوار ج 97 ص 80[.

وبتنا نرى أن نظام بني أمية قد غير الكثير من معالم الإسلام وضربت بأحكامه عرض الحائط، فقد جعلوا الحكم والخلافة ملكا عضوضا يتناقلونها كسروية هرقلية، وساهمت في قتل العديد من المسلمين، واختلقت العديد من الروايات على لسان النبي صلى الله عليه واله وسلم، وأعطت سياستها هالة من القدسية وربطتها بالشريعة المقدسة، فحرمت الخروج على الحاكم الظالم حيث رووا عن النبي صلى الله عليه واله وسلم :"يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس؛ قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع". ]صحيح مسلم: ج 3 ص 1481 ح 1854 و ص 1476 ح 1847[. وغيرها من الروايات والاحاديث التي أعطت لحكم بني أمية هالة من القداسة.

ولهذا السبب كان خروج الإمام الحسين عليه السلام في تلك الثلة المؤمنة لكي يعي الجميع أن حكم بني أمية ما هو إلا حكم ظالم لا يمت إلى الإسلام بصلة، وأن على جميع الأمة الإسلامية أن تسعى سعيا حثيثا لمحاربة هذه الطغمة الظالمة التي أرادت نسف قيم ومعالم الإسلام المحمدي الأصيل.

العنصر والعامل الثاني من عناصر وعوامل خلود النهضة الحسينية المقدسة، هو الطبيعة المأساوية لثورة الإمام الحسين عليه السلام. فقد كان مقتل الإمام الحسين عليه السلام عبارة عن فاجعة كبيرة بحدث ذاتها، في جميع فصولها، منذ انطلاق الإمام الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكة، وثم انطلاقه من مكة إلى كربلاء. وكانت الفاجعة العظمى يوم العاشر من المحرم، بل واستمرت تلك الفجائع والمصائب إلى يوم الأربعين وعودة سبايا آل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى أرض كربلاء.

وقد أشار سماحة الشيخ الدكتور عبدالله اليوسف في إحدى محاضراته إلى هذا المعنى فيقول: "قد كانت الثورة من بدايتها حتى نهايتها فاجعة مدوية تثير الألم والأسى والحزن العميق في القلوب والنفوس. فعندما نقرأ ما حدث للإمام الحسين  عليه السلام، وأهل بيته، وأنصاره وأصحابه من مآسٍ محزنة، ونهايات مؤلمة جعلها ذات جاذبية خارقة على المستوى الإنساني العام فضلاً عن بعدها الديني. فكل من يطلع على أحداث كربلاء -وإن لم يكن مسلماً- يتفاعل ويتضامن إنسانياً مع مظلومية الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه الذين استشهدوا بين يديه، ويستنكر ما تعرضت له النساء والأطفال من التشريد والأسر والأذى النفسي والجسدي بما يدمي القلوب ويثير الأسى والألم العميق". (1)

ولهذا فإننا نرى النبي صلى الله عليه واله وسلم يؤكد على مأساوية ثورة الإمام الحسين عليه السلام فيقول صلى الله عليه واله وسلم: "إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً". ]مستدرك الوسائل ج 10 ص 312[. وروري عن الإمام زين العابدين عليه السلام تأكيدا على هذا المعنى وهو قوله عليه السلام: "ولا يوم كيوم الحسين عليه السلام ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنّهم من هذه الأمّة كلّ يتقرّب إلى الله عزَّ وجلّ بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً". ] أمالي الصدوق, 547[.
          العامل الثالث والأخير هو إعلام أهل البيت عليهم السلام، بداية من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتأكيداته على مصاب الإمام الحسين عليه السلام، وانتهاء بصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.

حيث أقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم العزاء على حفيده الحسين عليه السلام قبل استشهاده بنصف قرن، وقد تحدثت الروايات الكثيرة عن هذا الأمر. وسوف نستعرض واحدة من هذه الروايات التي ذُكرت في كتب بعض فرق المسلمين حيث ورد عن عائشة أنّها قالت: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أصحابه، والتربة في يده، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، وحذيفة، وعمار، وأبو ذر، وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله ؟! فقال: "أخبرني جبرائيل، أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، فأخبرني أنّ فيها مضجعه". ]مجمع الزوائد 9 / 188 ، المعجم الكبير 3 / 107[.

ثم جاء أمير المؤمنين عليه السلام وتحدث عن مصاب الإمام الحسين عليه السلام عند مروره بأرض كربلاء في طريقه إلى صفين حين قال: ".. ومصارع عشّاق شهداء، لا يسبقهم من كان قبلهم, ولا يلحقهم من بعدهم".] بحار الأنوار ج 41 ص 295[. ولا أنسى سيدتي ومولاتي زينب عليها السلام حينما تحدثت أمام أهل الكوفة عن خذلانهم وتقصيرهم في نصرة أبي عبدالله الحسين عليه السلام، وتجلدت ونطقت بلسان أمير المؤمنين عليه السلام في مجلس عبيدالله بن زياد ومجلس يزيد بن معاوية في الشام. ثم جاء الدور على أئمة أهل البيت عليه السلام، فهاهو الإمام زين العابدين عليه السلام يتحدث عن أهل بيت النبوة والرسالة أمام جمهور المسلمين في أرض الشام، وعند عودته إلى المدينة لا يأكل ولا يشرب حتى يخلط ذلك الطعام والشراب بدموع عينه.

وهكذا تحدث الأئمة عليهم السلام وأصدروا البيانات والأوامر والتشريعات لإقامة مواكب العزاء ومجالس العزاء على الإمام الحسين عليه السلام، وكتابة الشعر عن واقعة الطف، وفي الأخير زيارة الإمام الحسين عليه السلام ولنا في ذلك روايات كثيرة دلت على ذلك، وأبرزها قول الإمام الصادق عليه السلام: "من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتاً في الجنة". ]وسائل الشيعة 467:10[. وقول الإمام الرضا عليه السلام لدعبل الخزاعي: "يا دعبل، إرثِ الحسين عليه السلام فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً فلا تقصّر عن نصرنا ما استطعت". ]جامع أحاديث الشيعة 567:12[.

وأما في الحث على البكاء فقد قال الإمام الرضا عليه السلام للريان بن شبيب: "يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْ‏ءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ( عليه السَّلام )، فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ". ]وسائل الشيعة: 14 / 502[. وقول الإمام الصادق عليه السلام: "من ذَكَرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه دمعٌ مثل جناح بعوضة ، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر". ]تفسير القمي ص616[. أما زيارة الإمام الحسين عليه السلام، فلها من الثواب الجزيل، وقد حث عليها أهل البيت عليهم السلام كثيرا، فيقول الإمام الصادق عليه السلام: "من أتى قبر الحسين عليه السلام تشوقاً إليه كتبه الله من الآمنين يوم القيامة، وأعطى كتابه بيمينه، وكان تحت لواء الحسين ابن علي –ع– حتى يدخل الجنة فيسكنه في درجته إن الله سميع عليم". ]وسائل الشيعة ج ١٤ ص ٤٩٧[.

ولذلك فإن العناصر الثلاثة أعلاه قد ساهمت كثيرا في إبقاء الثورة الحسينية المقدسة باقية خفاقة إلى يومنا هذا على عكس بقية الثورات على مر التاريخ، ولا تزال هذه الجموع الغفيرة من الموالين لأهل البيت عليهم السلام تُقيم مآتم العزاء والنياحة على مصاب أبي عبدالله الحسين عليه السلام، ولا تزال الملايين تزحف إلى أرض كربلاء لزيارة سيد الشهداء عليه السلام، وستبقى كذلك إلى انقضاء الساعة.



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشرت في مدونة مدونون جـ1 و مدونون جـ2
نشرت ضمن حملة #ويبقى_الحسين