2013/10/31

فائدة من يوم المباهلة

فائدة من يوم المباهلة



لو أردنا أن نستعرض التاريخ الإسلامي لبحث قضية خلافة النبي صلى الله عليه واله وسلم لوجدنا أنها بدأت منذ أن قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله وسلم: “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” [الشعراء:214]، حيث جمع النبي صلى الله عليه واله وسلم من بني هاشم في دار عمه أبو طالب عليه السلام وكان ما يسمى في تاريخ المسلمين بـ”يوم الدار”. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام حديث يوم الدار: “لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ - ورهطك المخلصين – دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فقال أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي ؟ فعرض عليهم ذلك رجلا رجلا كلهم يأبى ذلك حتى أتى علي فقلت أنا يا رسول الله، فقال يا بني عبد المطلب هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام“. [علل الشرائع(الشيخ الصدوق) الجزء 1: ص170].
ومن بعد ذلك اتخذ النبي صلى الله عليه واله وسلم ابن عمه علي إبن أبي طالب عليه السلام وزيرا له، وليس من المعقول أن يتخذ النبي صلى الله عليه واله وسلم شابا صغيرا خليفة له من بعده إلا إذا كان ذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى وهو القائل عن نبيه صلى الله عليه واله وسلم: “وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى” [سورة النجم: 3-4]. وقد تواتر الحديث عن “يوم الدار” في جميع كتب المسلمين بل وأجمعوا على صحة هذا الحديث وهذه الواقعة فقد رويت في [مسند أحمد ١/١١١ رقم ٨٨٥]، [سنن النسائي ٦/٢٤٨]، [مجمع الزوائد ٩ / ١١٣] من مصادر علماء العامة واتفقوا على صحتها وتحسين سندها ومتنها.
ومن هنا يتضح جليا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد أهتم كل الاهتمام بمستقبل دعوته المباركة منذ نعومة أظفارها ولم يتركها عرضة للنهب والسلب. ثم تأتي الأحداث والوقائع لتبين مدى اهتمام النبي صلى الله عليه واله وسلم بمستقبل هذه الأمة الفتية ومستقبل الدين الجديد، حيث لا يمكن أن يلي أمور المسلمين من لا يصلح لها أو من لا يعي أهمية استمرار خط الرسالة المحمدية كما هي. ومن هنا جاء تنصيب الإمام علي عليه السلام خليفة للنبي صلى الله عليه واله وسلم، كيف لا وهو ربيبه صلى الله عليه واله وسلم ومن كان يتبعه “اتباع الفصيل أثرأمه“. فهو الأجدر والأفضل في خلافة النبي صلى الله عليه واله وسلم لأنه أدرى بالدعوة وأعلم بالأمة فكما يقال “أهل مكة أدرى بشعابها” وعلي أبن أبي طالب أدرى بالإسلام من غيره وممن هو حديث عهد بالإسلام أو بمن لم يشهد مع النبي صلى الله عليه واله وسلم جميع مواقفه وشؤونه باعتراف من بعض من كان مع النبي صلى الله عليه واله وسلم في ذلك الوقت.
واستمرت تأكيدات النبي صلى الله عليه واله وسلم في تنصيب ابن عمه عليا عليه السلام خليفة على المسلمين من بعده، بل وتأكد ذلك في يوم المباهلة حينما كانت الحادثة مع نصارى نجران، وجاء النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم بفاطمة والحسن والحسين والحسين عليه السلام، وجاء بعلي ابن أبي طالب عليه السلام ممثلا نفس النبي صلى الله عليه واله وسلم الشريفة وكان نزول هذه الأية: “فمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ” [ال عمران:61] بمثابة التأكيد المطلق على أن عليا عليه السلام هو الوحيد الممثل للنبي صلى الله عليه واله وسلم في كل مشهد وموقف وهو الوحيد الذي يمثل الشخصية المتكاملة للنبي صلى الله عليه واله وسلم فيستطيع أن يحل محله وأن يقود الأمة الإسلامية إلى بر الأمان بعد وفاته صلى الله عليه واله وسلم.


رضا بن عيسى اللواتي
منشور في مدونة مدونون
30/10/2013

2013/10/19

في عيد الغدير لنا وقفات ..

في عيد الغدير لنا وقفات ..


في عيد الغدير لنا وقفات ..


عيد الله الأكبر، بل خير أيام الأمة الإسلامية هو يوم عيد الغدير، فيه أكمل الله تعالى دينه، وأتمم الله تعالى نعمته على عباده، ورضي لهم بهذا الدين الإسلامي شريعة ومنهاجا إلى يوم القيامة. كيف لا يحدث ذلك، وفيه نصَب الرسول صلى الله عليه واله وسلم وزيره علي ابن أبي طالب خليفة للمسلمين من بعده. إن هذا اليوم، هو يوم تجديد البيعة لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، وهو يوم إعلان والولاء التام المطلق له صلوات الله وسلامه عليه ولأبناءه الأئمة الهداة من بعده.
إن لعيد الغدير خصائص كبيرة في التاريخ الإسلامي، فأولى الخصوصيات هي وقت هذه الواقعة، فقد كانت في آخر أيام حياة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهذا الأمر يحمل دلالة كبيرة، حيث أنها أعلنت للناس أن الإمام علي ابن أبي طالب هو الخليفة بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم لا محالة، فقد نعى النبي عليه واله الصلاة والسلام نفسه إلى الناس، كما أن الله سبحانه وتعالى قد أعلن عن ختم الدين الإسلامي بعد حادثة الغدير، ويتبين أن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام كانت خاتمة الرسالة المحمدية.
الخصوصية الثانية التي كانت ليوم الغدير الأغر هي الحضور الكبير لهذه المناسبة، حيث لم يشهد التاريخ في زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم حضور أكثر من 120 الفا من المسلمين في محفل واحد، إلا في يوم الغدير، حيث شهد الحادثة هذا العدد الجم كما ورد في بعض الروايات. وهنا يأتي دور الحاضرين في نشر هذه الواقعة بين أقوامهم وفي بلادهم، وهذا الذي حدث بعد رجوع كل أبناء عشيرة إلى عشيرتهم.
الخصوصية الثالثة والأهم لهذه الواقعة هي تجلي معنى الولاء لدى الأمة الإسلامية، فقد قرن النبي صلى الله عليه واله وسلم طاعته بطاعة الإمام علي عليه السلام، وقرن إمامته بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، حين سأل الحاضرين: “ألست أولى بكم من أنفسكم” وحين أجابوه بالتلبية قال لهم – بأبي هو وأمي: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”. ثم دعا بدعاءه المشهور “اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله”.
وهذا الأمر لهو صُلب العقيدة بل أسها وأساسها لأن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه قُبيل إعلان الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ” [المائدة: 67]. ولما أن بلغ النبي صلى الله عليه واله وسلم ذلك جاءت الآية الكريمة معلنة إتمام الدين وذلك بولادية أمير المؤمنين عليه السلام حين قال الله تعالى:“الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا” [المائدة:3].
إن مثل هذه الخصوصيات العظيمة التي كانت في يوم إعلان الإمامة للإمام علي عليه السلام، في أكبر محفل عرفه المسلمون في حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يتسحق منا أن نقف عليه بعض الوقفات لنربي أنفسنا وبالتالي أبناءنا والأجيال اللاحقة ونتعلم من هذه الحادثة التاريخية العظيمة دروسا وعبراً تكون منهاجا لنا في حياتنا، ولتكون لنا نورا نهتدي به في طريقنا نحو الله سبحانه وتعالى.
الوقفة الأولى والأهم هي اقتران رضى الله سبحانه وتعالى برضى أهل البيت عليهم السلام، وطاعة الله سبحانه وتعالى لا تكون إلا بطاعة أهل البيت عليهم السلام، فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ” [النساء:59]. والنبي صلى الله عليه واله وسلم يقول في حديث الغدير: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه” [ابن المغازلي : المناقب - ص 29 - إلى ص 36]. وبذلك يكون أمير المؤمنين عليه السلام ولي أمرنا المفروض علينا طاعته، والسير خلف نهجه، وهنا استحضر كلاما للنبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم مع عمار بن ياسر حين يقول له: “يا عمار إذا رأيت عليا سلك واديا وسلك الناس واديا غيره فاسلك مع علي ودع الناس ، إنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من الهدى” [بحار الأنوار:39].
التعبئة الفكرية والعقائدية والثقافية هي الوقفة الثانية لنا حين الحديث عن واقعة غدير خم، فإن الملاحظ في سيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم هو أنه قام بتعبئة المسلمين فكريا وعقائديا وثقافيا عن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وعن حقوقه وعن منزلته الرفيعة بين المسلمين وله في ذلك أحاديث جمة، فمنها حديث الدار والذي ورد ذكره في عديد من مصادر المسلمين [السنن الكبرى للنسائي - ج5 ص125 ( 8451 ) 83]، أو حديث المنزلة [صحيح البخاري 5 : 89 / 202]، أو حديث الطائر المشوي[صحيح الترمذي ج 5 ص 595 ح 3721] وغيرها من الأحاديث الدالة على ما ذكرناه سابقا، وقد أشرنا في هذه العجالة إلى بعض من مصادر أخواننا من أهل السنة ولم نذكر مصادرنا لأنها زاخرة بها وبأمثالها.
كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يستغل كل موقف أو حادثة لكي يبين للناس فضائل الإمام علي عليه السلام، وقد أُخر إعلان خلافته حتى يكون المسلمون مستعدون نفسيا وعقائديا وفكريا لمثل هذا الأمر العظيم الذي به تمام الدين. ولذلك علينا نحن أيضا أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن نتعبأ فكريا وعقائديا وثقافيا وأن نكون أهلا لحمل راية أهل البيت عليهم السلام ونشرها بين الناس، وأن نكون من أهل العلوم كلها، فقد كان أصحاب الصادقين عليهما السلام هم أصحاب العلوم كلها، وقد أسس الإمام جعفر بن محمد الصادق مدرسة علمية جامعة حتى كان يقول جميعهم “حدثني جعفر بن محمد”.
الوقفة الثالثة والأخيرة في حديثنا عن واقعة الغدير هي أن طريق الحق صعب ووعر، ولسلوكه والبقاء عليه يجب علينا أن نكافح ونتعامل مع المعطيات بكل جدية، فهذا رسول الله صلى الله عليه قد تخوف من الفكر المضاد – أي الفكر المناوئ للإمام علي عليه السلام -، فتردد عن إعلان خلافة أمير المؤمنين حتى لا يُقال حابى ابن عمه كما وردت في بعض المصادر، ويمكن القول “إنَّ التخوُّف من خطر الفكر المضادِّ هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن ينسجم مع قوله تعالى في الآية: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِيْ الْقَوْمَ الْكَافِرِيْنَ)؛ إنَّ الآية مدنيَّة ومن أواخر ما نزل من القُرآن، ولم يكن المنافقون واليهود في تلك الفترة الزمانيَّة يُمثِّلون أيَّ تهديد من قبيل القمع الجسديِّ حتَّى يصحَّ افتراضُ كون النبيِّ يخشاهم على نفسه. بينما لا مانع من افتراض كون النبيِّ كان يخشى سمومهم الفكرية الَّتي كان بالإمكان أن يبثُّوها بين المسلمين لعدم المانع من القول ببقاء قدرتهم على النفوذ الفكريِّ حتَّى بعد انحلالهم كقوَّة يُمكنها ممارسةُ الإرهاب الجسديِّ”. (1)
ومن هنا، فإن على الإنسان الذي يريد سلوك طريق الحق أن يواجه جميع الصعوبات التي تأتي أمامه، بل يقف أمامها كالجبل الراسخ في سبيل إرساء نور الحق وإظهاره للجميع. ولنا في رشيد الهجري وميثم التمار خير أمثلة على صبرهم أمام قول كلمة الحق، وكلنا نعرف ما الذي فعلته عصابة بني أمية فيهما وكيف نكلت بهم، كما لنا في صبر السيدة زينب عليهم السلام مثال واضح حتى قال الشاعر: “بأبي التي ورثت مصائب أمها ** فغدت تقابلها بصبر أبيها”.
وفي الختام، أتوجه بخالص التهنئة إلى صاحب العصر والزمان في عيد الولاية، ونعلن فيه تجديد بيعتنا لأمير المؤمنين عليه السلام ولحفيده صاحب العصر والزمان، كما أتوجه بالتهنئة إلى مراجعنا العظام وعلماءنا الأعلام، وجميع المؤمنين والمؤمنات بهذه المناسبة العطرة وهذا العيد الأعظم، أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية باليمن والخير والبركات إنه سميع مجيب.



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان

2013/10/18

ويبقى الحسين .. جمرة مشتعلة

ويبقى الحسين .. جمرة مشتعلة




لم يتبق على بداية شهر الحزن والأسى إلا أيام معدودة، فها هو شهر محرم الحرام قد أقبل، حاملا معه نداءً عاشوريا صادحا "ومثلي لا يبايع مثله". هذا النداء كان قُبيل انطلاق الثورة الحسينية، أعلنها الحسين عليه السلام إعلانا مدويا أمام الجميع، أن يزيد بن معاوية لا يمثل قيم الإسلام، ولا يرقى إليها أصلا، وأنه - بأبي هو وأمي - أشرف وأجل من أن يبايع يزيد ذلك الفاجر الفاسق. نداء آخر كان للحسين عليه السلام أيضا ولكنه كان في أحلك الظروف وأشدها على الحسين بن علي سلام الله عليه، كان هذا النداء في يوم عاشوراء حينما أحاطت جيوش بني أمية بأهل بيت النبوة والطهارة، أي حينما لم يتبق على أسر زينب وأخواتها إلا القليل، أطلق قائد الجيش العلوي نداءه الصارخ "هيهات منا الذلة".

إن صدى هذه الصيحات لا يزال مستمرا، ففي كل أرض هناك كربلاء ثانية، وفي كل يوم هناك عاشوراء أخرى تتحدى جيوش بني أمية، بصلابة علوية، ملبين دعوة الإمام الشهيد عليه السلام في نصرة الحق، وقد صدق من قال "كل أرض كربلاء، كل يوم عاشوراء".

الثورة الحسينية المجيدة، وطريقة استشهاد هذا الإمام الغريب، بل وقبل كل ذلك هدفه النبيل الذي خرج من أجله سلام الله عليه، وهو إعادة الإسلام إلى مساره الصريح، وإعادة الأمة الإسلامية إلى سيرتها الأولى كما كانت على عهد جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. الإمام الحسين عليه السلام، لم يخرج من أجل مال أو دنيا يريدها، ولم يخرج "أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً" ولكنه خرج "لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ". فكان من الصعب على البعض أن يتقبل فكرة خروج الإمام الحسين على الظلم، فالفترة التي سبقت حكم يزيد كانت من أشد الفترات على المسلمين ولكن لم يخرج أحد على ملك معاوية عدا الإمام الحسن عليه السلام ومن بعدها صالح معاوية على شروط وضعها معاوية بعد ذلك تحت رجليه. ولذلك عقب الإمام عليه السلام كلامه بقوله: "فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين". كل ذلك جعل من الحسين بن علي عليه السلام منارا وعلما ونورا يهتدي به كل من يريد الحرية، وكل من يريد تحقيق العدالة على ظهر هذا الكوكب.

بخروج سيد الشهداء على حكم الطاغية يزيد بن معاوية، فإنه قد أعطى لكل الشرفاء في العالم طريقة وأسلوبا إسلاميا بحتا للثورة ولنيل الشرف والعزة، ولم يكن قوله لبني هاشم: "من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يبلغ الفتح" ]كامل الزيارات: 75 باب 24 حديث رقم 15] إلا دليلا على أن الحرية والشرف والكرامة لا تكون إلا بالشهادة، والفتح المبين لا يكون إلا بالتضحية بالغالي والنفيس تطبيقا لقول الله تبارك وتعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"]آل عمران:92].

لقد ربى أئمة أهل البيت عليهم السلام شيعتهم على استذكار مصائب الطف وما جرى على أهل بيت النبوة والرسالة، في مجالس يتعلمون فيها أمور الدين والدنيا، ويبكون فيها على الحسين بن علي وعلى أهل بيته. إن هذه المجالس الحسينية ما هي إلا مجالس تنزل عليها الرحمة، مجالس يزداد فيها شيعة محمد وآل محمد إيمانا ويقينا، مجالس هدفها أن يستمد الحاضرون من الحسين عليه السلام إيمانه، صبره، عزيمته وإصراره، يستلهمون من زينب عليها السلام معنى الصبر وتحمل الأذى، ومن العباس بن علي معنى الإيثار ومعنى الأخوة ومعنى طاعة أولي الأمر. ويتعرفون على معنى الانصياع لأمر القائد من حبيب بن مظاهر وزهير بن القين وغيرهم من أصحاب الحسين عليه السلام.

إن شعائر الحسين عليه السلام من أبرز مصاديق شعائر الله جل جلاله، لأن هدف الحسين عليه السلام من كل ما جرى كان رضى الله تعالى وإعلاء كلمته، ومن يجعل رضى الله نصب عينيه، فإن الله سبحانه وتعالى يعظمه، ويخلد ذكره إلى يوم القيامة، ولهذا فإن الحسين عليه السلام سيبقى كالجمرة المشتعلة في قلوب شيعته ومحبيه كما قال جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا" [جامع احاديث الشيعة، ج 12، ص556]. 



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان

2013/09/16

فأولئك شيعة جعفر

فأولئك شيعة جعفر

فأولئك شيعة جعفر

تمر الأيام والليالي، ويستمر حزن الشيعة على أئمتهم، فهم بين مسموم ومقتول، وفي كل شهر لنا نائحة عُظمى بذكرى شهادة أطهر خلق الله تعالى بعد جدهم رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه واله وسلم. وفي شهر شوال هناك فاجعتان، الأولى ذكرى هدم قبور أهل البقيع الغرقد وعلى رأسهم قبور أربعة من أئمة أهل البيت النجباء عليهم السلام، وثانيها هو ذكرى شهادة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، مؤسس المذهب الجعفري فقهيا وباني أركانه وأساسه.

في كل ذكرى تقام المآتم وتُعقد مجالس العزاء لإحياء هذه المناسبات، وقد أحببنا في هذه المقالة أن نتحدث عن شيء أخر بعيدا عن المصاب والعزاء من باب “أحيوا أمرنا” كما روي عن عدد من أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأبرزهم الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.

لقد ركز مؤسس المذهب الإثناعشري وباني أركانه على صفات الشيعي التابع لأهل البيت عليهم السلام، حيث ذكر الإمام الصادق عليه السلام في غير مناسبة متحدثا عن صفات الشيعي حيث يقول في إحدى جلساته مع شيعته وأصحابه ما ذُكره العلامة المجلسي في بحار الأنوار [65/167]: “قال الإمام الصادق (عليه السلام): “شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، ويحجّون البيت، ويجتنبون كلّ محرّم“. وفي هذه الرواية الشريفة ما يدل بوضوح على صفات الشيعة، فقد ذكرها صادق أهل البيت عليه السلام بأسلوب بسيط يفهمه العامة والخاصة، العلماء من الشيعة وعوام الناس أيضا.

ومما ورد أيضا عن صفات الشيعة أنهم العابدون والمتهجدون في الليل كما ذُكر في الكافي للعلامة الكليني [2/233]: “قال الإمام الصادق (عليه السلام): شيعتنا هم الشاحبون الذابلون الناحلون، الذين إذا جنّهم الليل استقبلوه بحُزن“. ويتبين لنا من خلال هذه الرواية تطابقها تماما مع صفات المؤمنين في قول الله تعالى:” كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” [سورة الذاريات: 17-18]. فنجد أن شيعة محمد وآل محمد هم عينهم المؤمنون كما يتضح. وقد بين أبو عبدالله الصادق عليه السلام صفاتا أخرى لشيعة محمد وال محمد فقال: “امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها، وعند أسرارنا كيف حفظهم لها عند عدوّنا، والى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها“. [الخصال 103/ح62].

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه قال واصفا الشيعة كما ورد في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام: “إنّ شيعتنا مَن شيّعنا، واتّبع آثارنا واقتدى بأعمالنا“. وكما ورد عن الإمام محمد الباقر سلام الله عليه في الكافي أنه قال: “يا معشر الشيعة، شيعة آل محمّد، كونوا النمرقة الوسطى، يرجع اليكم الغالي، ويلحق بكم التالي“، وفي هذا قال الله تعالى في الكتاب المجيد:”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً”.

إن جميع هذه الروايات المروية عن أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم، تتحدث عن صفات الشيعة، شيعة محمد وآل محمد، وتصفهم وصفا دقيقا، فهم أصحاب الصلاة والصيام، وهم العابدون في الليل والصائمون في النهار، التالون لكتاب الله العزيز، وهم عينهم المحافظون على أسرار النبوة والإمامة. والشيعة هم أيضا: “من قدّم ما استحسن، وأمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالأمر الجليل، رغبة الى رحمة الجليل“، وهنا يُعقب الإمام الصادق عليه السلام بقوله: “فذاك منّا وإلينا ومعنا حيثما كنّا“. فمن كان شيعيا مواليا لأهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم فهو معهم ومنهم وإليهم.

وهنا تحضرني قصة أحد الموالين الذين أمسكت بهم الزمرة الحاكمة آنذاك وحين سأله الوالي عن تشيعه، بكى ذلك الشيعي فلما سُئل عن سبب بكاءه، كان مُقتضى جوابه: “لقد وصفتني بأمر عظيم، وأخشى أن لا أكون من الشيعة فأعمالي لا تؤهلني لذلك”. وأختتم حديثي برواية جميلة عن الإمام الصادق عليه السلام حين قال: “يا معشر الشيعة، إنّكم قد نُسبتم إلينا، كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شينا“. [ مشكاة الأنوار: 134]، وقال عليه السلام أيضا: “فإنّما شيعة عليّ مَن عفّ بطنه وفرجه، واشتدّ جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر“.[الكافي 2/233]. نسأل الله العلي القدير أن نُكتب من شيعة أهل البيت عليهم السلام “يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم”. [سورة الشعراء 88-89].

في الختام عظم الله أجورنا وأجوركم في استشهاد سيدنا ومولانا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.



نشرت في مدونة "مدونون" بتاريخ 1/9/2013 ..

2013/08/16

البقيع الغرقد .. أنة وأهة عظمى

البقيع الغرقد .. أنة وأهة عظمى

البقيع الغرقد، هو أحد المقابر التاريخية الواقعة في مدينة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، والذي دفن فيه أربعة من أئمة أهل البيت عليهم السلام وهم الإمام الحسن بن علي عليه السلام، والإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام، والإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام، والإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. كما دفنت فيه السيدة فاطمة بنت حزام الكلابية أم البنين، والدة العباس بن أمير المؤمنين وأخوته الأربعة عليهم السلام. كما تقول بعض المصادر التاريخية أن عددا كبيرا من الصحابة والتابعين، وبعضا من أزواج النبي وبني عمومته صلى الله عليه واله وسلم قد دُفنوا في مقبرة البقيع، وتشير مصادر أخرى إلى أن 10 الاف صحابي قد دُفنوا في مقبرة البقيع.

إن دفن هذا العدد الهائل من صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم في مقبرة البقيع، علاوة على وجود مقابر لأربعة من أطهر الخلق بعد جدهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في هذه المقبرة أضفى عليها قدسية هائلة حملت الناس على زيارتها والتبرك بمقابر هؤلاء العظام، والتوسل بهم إلى الله سبحانه وتعالى لقضاء حوائجهم. وقد كانت زيارة البقيع الغرقد سنة نبوية، فقد ورد أن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم كان يزورها في كل ليلة وكان يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".

إن هذه القدسية الكبيرة للبقيع الغرقد وأهتمام سيد الخلق صلى الله عليه واله وسلما بها لم تُثني الفرق التكفيرية على ارتكاب جريمة شنعاء في الثامن من شوال سنة 1344 للهجرة النبوية، بهدم مقامات وأضرحة المدفونين في هذه المقبرة الشريفة وفيهم من فيهم وهدموا جميع الآثار التاريخية الموجودة منذ عصر النبوة وما بعدها وساووها بالأرض. وفي هذا يقول عبدالله بن حسن باشا في كتابه صدق الخبر ما نصه: "إن الفرقة أجبروا كثيرا من الناس على مساعدتهم ومعهم الرفوش والفؤوس، فهدموا جميع ما في المعلى من آثار الصالحين وكانت كثيرة، ثم هدموا قبة مولد النبي (ص) ثم مولد أبى بكر، والمشهور بمولد سيدنا علي (ع) وقبة السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، وتتبعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين، وهم أثناء هدمهم يضربون الطبول ويرتجزون مبالغين في شتم القبور التي هدموها، ولم تمضي ثلاثة أيام إلا وقد محوا عموم تلك الآثار المباركة، وقد نهبت الفرقة كل ما في الحجرة النبوية من التحف والأموال والمجوهرات، وطردوا قاضي مكة وقاضي المدينة ومنعوا الناس من زيارة النبي(ص)".

ولو تتبعنا تاريخ الأمم والحضارات فإننا نجد كل حضارة وأمة قد اهتمت اهتماما بالغا بتراثها ومعالمها، وأبرز دليل على ذلك في تاريخنا الحالي هم اليهود الذين استوطنوا فلسطين، هؤلاء يزعمون أن هيكل النبي سليمان عليه السلام تحت المسجد الأقصى، وهم يحاولون بكل ما يمكنهم من قوة إعلامية وعسكرية وعلمية بأن يبحثوا تحت المسجد الأقصى ويحفروا تحته. فاهتمامهم بماضيهم وتراثهم جعلهم يسعون سعيا حثيثا إلى بناء مستقبل لهم والتأكيد عليه وبثه لأجيالهم اللاحقة.

أما فرق التكفير فقد محت كل أثار النبوة والرسالة وما زالت تدعو إلى محوها وتدميرها وعلى هذا الدرب هم سائرون وهذا ما نشاهده في هذه الأيام من حوادث يندى لها الجبين، فإنهم يزيلون ويدمرون كل ما يمت إلى الرسالة النبوية والدعوة المحمدية بصلة بدعوى أن إقامة القبور "بدعة" قد ابتدعها أعداء الدين، ولست أدري أين هم عن الأية المباركة حينما يتحدث الله تعالى عن أهل الكهف: "إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا" [الكهف:21]، ولو كان إقامة القبور والبناء عليها واتخاذها مساجد يذكر فيها اسم الله تعالى بدعة كما يدعون لنهى عنها القرآن الكريم وصرح ببدعتها نبي الإسلام صلى الله عليه واله وسلم، ولكن كل ذلك لم يحدث، وهذا يدل على أن إقامة المقامات والأضرحة على القبور ليست بدعة. كما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد دفن عمه الحمزة الذي استشهد في معركة أحد ووضع حجرا على قبره، إشارة إلى إقامة القبور.

إن هدم القبور والأضرحة الموجودة في البقيع الغرقد لهي فاجعة عظمى حلت بأمة الإسلام، ولا تزال تلك الفاجعة تلقي بظلالها علي الأمة الإسلامية وسوف تزال تسري في جسدها وتنخره نخرا إلى حين إعادة حق محمد وآل محمد عليهم السلام المغتصب ببناء الأضرحة في البقيع، فإن مظلومية أهل القبور في البقيع ولا سيما أئمة أهل البيت الأربعة عليهم السلام لا تزال سارية ومن ظلمهم هي تلك الفرق التكفيرية التي لا تريد إلا الشر والسوء بالإسلام وأهله، والتي لا تزال تكيد بالإسلام والمسلمين وتقتلهم عند كل حجر ومدر بدعوى التوحيد ونشر لوائه.

إنها لمصيبة عُظمى وفاجعة كبيرة هدم مقابر الأئمة الأربعة عليهم السلام في البقيع وهدم أثار الرسالة المحمدية في تلك البقعة الشريفة، وواجبنا كمسلمين هو الذود والدفاع عن هذه الأثار والمطالبة بإرجاعها إلى سابق عهدها بل إلى أفضل مما كانت عليه، فكما يقال: "من لا يفتخر بتاريخه وماضيه، فليس له مستقبل أبدا"، وهذه الأثار هي التي تدلنا وترشدنا إلى رسولنا الكريم صلى الله عليه واله وسلم، وهي التي تزيد من قوة عقيدتنا وتعلقنا به صلى الله عليه واله، وهؤلاء المدفونون بهذه الأرض الطيبة هم من خيرة البشر على وجه الأرض، وهم من ضحوا بأنفسهم وأموالهم وكل غالٍ ونفيس مما يملكون من أجل استمرار هذا الدين العظيم وضمان وصوله إلى الأجيال اللاحقة.

وما ذكرى "يوم البقيع العالمي" إلا رد جزء بسيط من الدين الذي علينا لهؤلاء العظام، ولكي يتذكر المسلمون ما حل بأثار النبوة والرسالة، وما حصل في تلك البقعة الطاهرة التي كانت في زمن سابق مكانا يزوره النبي صلى الله عليه واله وسلم، ويزوره المسلمون من كل حدب وصوب. فحري بنا أن نتعاهد جميعا باستذكار هذا المصاب الجلل وبيانه للعام والخاص وعدم نسيانه وتمريره للأجيال القادمة، وأن نتعاهد جميعا ونعاهد الله سبحانه وتعالى وصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بأن نكون من الذين يعيدون بناء قبور أئمة البقيع عليهم السلام ويعيدون بناء أثار النبوة والرسالة المحمدية. حقا إن في الثامن من شوال آهة وأنة عظمى.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نشرت في مدونة مدونون بتاريخ 16/8/2013

2013/08/14

لمحة نظام من المانيا

لمحة نظام من المانيا

أصبح لي في جمهورية ألمانيا ما يناهز الشهر، وقد رأيت فيها ما لم أره بل ما لم أتخيله في بلادي سلطنة عمان أو أيٍ من الدول العربية التي زرتها. هنا في المانيا، التطور سريع جدا، كل شيء يتطور، البشر، العمران، المستشفيات، والطرقات وكل شيء، وتطورهم سريع جدا. كل شيء عندهم دقيق ومنظم، وكأنما كل شيء يتم عن طريق الآلات، فمثلا ما إن تدق الساعة التاسعة مساءً من كل يوم حتى تجد جميع المحلات التجارية والمطاعم قد أُغلقت جميعها إلا ما ندر. كما أن التنقل عندهم سهل يسير ولا يحتاج لأن نقف في زحمة روي أو الخوض أو الخوير.

وسوف أتحدث عن أكثر ما أعجبني في هذه الدولة بل ومعظم الدول الأوروبية، ألا وهو نظام النقل. في أوروبا لا وجود للسيارات الخاصة للنقل إلا نادرا على عكس ما يحدث في أغلب دولنا العربية، بل نجد الحافلات العامة، نظام الترامات، نظام الميترو ونظام القطارات البطيئة والسريعة، كما لا أنسى سيارات الأجرة وهي الوحيدة المتواجدة في سلطنة عمان. عند الحديث عن هذه الأنظمة والمسارات لا بد من ذكر كل منها على حدة حتى يأخذ كل نظام حقه من البيان.

في بداية الأمر يشتري الراكب بطاقة نقل يومية أو اسبوعية أو شهرية بمبالغ رمزية جدا، ويستطيع استخدامها في جميع وسائل النقل التي سوف يتم ذكرها.

بدايةً بنظام الحافلات، فإنها تتواجد بشكل مكثف عند كل محطة، وما بين كل محطة وأخرى مسافة 5 كيلومترات تقريبا، ولكن الأجمل من ذلك أن كل شيء يتم وفق نظام زمني دقيق، فعندما تصل إلى محطة الحافلات تجد لوحة الكترونية مكتوب عليها، بعد 5 دقائق ستصل الحافلة الذاهبة إلى المحطة (أ)، وبعد 7 دقائق ستصل الحافلة التي سوف تقل الراكبين إلى المحطة (ب) وهكذا، والمفاجأة أن بعد 5 دقائق تصل الحافلة الذاهبة إلى المحطة. تستقل الحافلة المتجهة إلى المحطة (أ)، وللعلم فهي المحطة النهائية التي سوف تقف عندها الحافلة، لتذهب بك إلى جميع المحطات في مسارها. وتجدر الإشارة إلى وجود شاشة صغيرة في الحافلة تخبر الركاب باسم المحطة التي تقف عندها لتكون على بينة ومعرفة من طريقة واتجاهك.

النظام الثاني هو نظام الترامات، نظام يشابه نظام الحافلات ولكنه يأخذ عددا أكبر من الركاب وله خط سير محدد، ويقف أيضا في محطات تبعد عن بعضها ما يقارب 1.5 كيلومترا، وعند كل محطة سوف تجد لوحة مكتوب عليها مواعيد وصول كل الترامات. في كل محطة سوف تجد ثلاثة أو أربعة مسارات للترامات وكل منها يذهب في اتجاه غير الآخر. في الترام يوجد نظام صوتي يخبرك بالمحطة التالية التي سوف يقف فيها الترام. الإيجابية في نظام الترامات هو عدم تأثره بالازدحام المروري في معظم الأحيان، وله اشارات ضوئية تحدد مساره في حال تقاطع مساره مع مسار السيارات والحافلات، كما أن هذا النظام لا يستخدم الوقود للعمل أبدا، بل يعتمد على الطاقة الكهربائية في حركته.

بالانتقال إلى النظام الثالث وهو نظام الميترو، نظام القطارات التي تسير تحت الأرض، فقد بُنيت لها أنفاق لتصل مختلف مواقع المدينة بعضها بالبعض الآخر، هي أسرع من الحافلات والترامات، ولكن ربما لا يمكن أن نستخدم هذا النظام في بلادنا لعدم وجود البنية التحتية الكافية لعمل مثل هذه الأنظمة، ولكن يمكننا أن ننشئ نظام ميترو فوق الأرض كما فعلت إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، مع توفير مواقف للسيارات بجانب كل محطة للترامات.

أما النظام الأخير فهو نظام القطارات، وهو النظام الذي يربط مدناً ببعضها البعض، وفيه مختلف أنواع القطارات، من حيث جودتها وسرعتها، فمنها ما هو بطئ وذلك للتنقل ما بين المناطق البعيدة في نفس المدينة أو مدن قريبة، ومنها ما هو سريع وذلك لإيصال الراكب إلى مدن بعيدة عن بعضها. وهنا لا يمكن اسخدام نفس التذكرة، فلابد من شراء تذكرة أخرى بمبالغ مختلفة، تختلف بحسب المسافة التي سوف تقطعها ونوع القطار المستخدم.

وهنا يُطرح سؤال مهم جدا للقائمين على مثل هذه المشاريع، وهو لماذا لا يتم توفير أنظمة النقل هذه والبداية بها في السلطنة، فإن وجود مثل هذه الأنظمة سوف يوفر فرص عمل للشباب من مختلف الفئات والقضاء على البطالة في بلادنا، سواء كان ذلك في وقت إنشاء هذه الأنظمة وأيضا بعد وجودها. الأمر الآخر الذي سوف يفيدنا وهو تقوية السياحة في السلطنة، حيث سيصل السائح إلى المناطق السياحية في السلطنة بوسائل نقل سريعة مع استخدام بطاقات النقل ذات أسعار رمزية، من دون الحاجة إلى المرور في الازدحام أو استئجار سيارة خاصة له.

كما أن هذه الأنظمة سوف تقلل من الازدحام المروري الذي يؤرق مضاجع الكثيرين ويؤخرهم عن أداء مهامهم، وهذا الأمر لا يحدث فقط في محافظة مسقط التي هي عاصمة السلطنة بل في مختلف محافظات السلطنة. مضافا إلى ذلك، فإن استخدام وسائل نقل مختلفة غير السيارات، فإنها تقلل من عدد حوادث المرور والتي تحصل بشكل يومي تقريبا في السلطنة، وتحصد مئات الأرواح البريئة كل يوم.

من جانب آخر، فإن مثل أنظمة النقل التي نتحدث عنها تحد من التلوث الناتج من عوادم السيارات والحافلات التي تستخدم الوقود، وذلك لأنها تستخدم الطاقة الكهربائية بدلا من الطاقة الناتجة عن احتراق الوقود، وتقليل التلوث لهو أمر مهم للبيئة والإنسان، وكم تحدثت الأقلام وتكلم المختصون عن مضار التلوث الناتج من احتراق الوقود والبنزين.

استمرارا بالحديث عن الوقود، فإن البترول لا بد له من النفاد عاجلا أم آجلا، وإذا ما نفد في بلادنا فما هي البدائل المتوفرة عندنا من أجل النقل، ولهذا لا بد من التفكير مليا في أنظمة نقل أخرى لا تعتمد على الوقود بشكل تام وإنما تعتمد على بدائل له من قبيل الطاقة الكهربائية أو الطاقة الشمسية في المستقبل، لأن هاتين الطاقتين من الطاقات التي لا تنضب وذلك لتحل محل أنظمة النقل التي تستخدم الوقود والبنزين من أجل عملها.

في الأخير، أتمنى من المسؤولين التفكير مليا في هذا الأمر، فإن له من الفوائد الكثير جدا، أكثر مما تم ذكره آنفا. والشكر للمسؤولين على عملهم الدؤوب في سبيل توفير سبل الراحة والتطور للمواطنين.



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشرت في جريدة الرؤية بتاريخ 14/8/2013.
نشرت في صحيفة البلد الالكترونية

2013/08/13

الإمامة الدينية .. ضرورة ملحة

الإمامة الدينية .. ضرورة ملحة

الإمامة الدينية .. ضرورة ملحة

منذ أن نشأت البشرية وعلى مر العصور والأجيال فإنها لا تخلو من قائد يسير بها وإمام تحتذي به. وكانت الأمم إما أن تُنصب قائدا لها حسب معطيات زمانها وإمكانيات ذلك القائد وحسب مصالحها الشخصية أو يُنصب ذلك القائد نفسه على أمته فتكون هاتين القيادتين من وضع البشرية. وإذا ما ارتقينا إلى مستوىً أعلى فقد كانت الإرادة الإلهية تتدخل لتنصيب قائد على أمة ما، فنجد تدخل القدرة الإلهية في كثير من الأحيان لتنصيب ذلك الفائد حفاظا على البشرية، كملك النبي سليمان عليه السلام مثلا، فقد كان له من الملك ما لم يكن لأحد قبله، كذلك عندما أمر الله بني إسرائيل بإطاعة طالوت ملكا عليهم رغم كون مستواه المادي متدنيا مقارنة بغيره من بني إسرائيل إلا أن الله زاده بسطة في العلم، على الرغم من أنه لم يكن نبيا. كما تدخلت الإرادة الإلهية فجعلت النبي الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه واله وسلم إماماً وهاديا للناس يسير بهم نحو الطريق القويم.
ولأن الإسلام خاتم الرسالات السماوية والنبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم هو خاتم الرسل فإن وجود إمام أو قائد إلهي بعده صلى الله عليه واله وسلم، يسير بالناس نحو الصراط المستقيم لهو أمر مهم للغاية، لأن كمال البشر في وجود قائد بعد الرسول يدل الناس على ما يخفى عليهم ويوجههم نحو السمو والرفعة، ودلالة ذلك قوله تعالى:“إنما انت منذر ولكل قوم هاد” [الرعد:7]. والفرق في الأية بين النبي والإمام واضح جلي لكل ذي عقل فالنبي مبشر ومنذر ومخبر للناس بعواقب الأمور ومحدثهم عن الحلال والحرام من الأشياء، ويدلهم على الطريق الذي يجب أن يسلكوه، أما الإمام فهو من يأخذ بيد الناس نحو الطريق الذي دلهم عليه النبي من قبل ويرجعهم إلى الجادة إن إنحرفوا عنها كما بينها الله تبارك وتعالى في قوله: “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون”[السجدة:24].
ومن هنا، يتضح بأن خلو الأرض من هادٍ وحجةٍ لله بعد نبيه صلى الله عليه واله وسلم يتنافى مع قاعدة اللطف الإلهي عندما يقول تعالى:“الله لطيف بعباده” [الشورى:19]، فوجود الإمام هو تكلمة لوجود النبي صلى الله عليه واله، وكما كان وجود النبي صلى الله عليه واله لطفاً إلهيا لهداية البشر، فوجود الإمام هو أيضا للسير على ما خطه النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، لذا كانت الإمامة جعلا إلهيا وتنصيبا إلهيا وليس للبشر أي تدخل في هذا الشأن، قال الله تبارك وتعالى: “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين”[الأنبياء:73].
وأختم حديثي برواية عن الإمام الصادق عليه السلام كما وردت في تفسير البرهان“ ألا تحمدون الله؟ أنّه إذا كان يوم القيامة يدعى كُلّ قوم إلى من يتولونه، وفزعنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وفزعتم أنتم إلينا”.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نشرت في مدونة مدونون بتاريخ 12/8/2013