‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصفحة الطبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصفحة الطبية. إظهار كافة الرسائل

2020/03/12

ودخلتها بلباس آخر


ودخلتها بلباس آخر



كل ذكرياتي في أروقة المستشفى هي من صميم عملي، ما بين طبيب مناوب في أقسام الطب الباطني، أو طبيب يمر على مرضاه متأملا سرعة شفاءهم وتداويهم من المرض. وفي كل مرة هناك قصة مفرحة أو حزينة تنحفر في طيات القلب والعقل، فلا تغادره أبدا. ما أكتبه وأدونه هو جزء يسير جدا مما ينغرس في الأعماق، فلكل مريض حكاية مختلفة عن الآخر.

أن أكون بلباس المريض، فتلك حكاية أخرى، خصوصا إن كانت الحكاية في المستشفى الذي أعمل فيه. تجربة جديدة تضاف إلى قائمة تجاربي السابقة بل ربما أصعبها على نفسي، فالمريض هو أنا، والمرافقون هم أهلي، والأطباء هم زملائي وأساتذتي. والتشخيص لا يصدر مني، بل من زميل لي. هل أنا على أتم الاستعداد لخوض غمار هذه الحكاية؟ وهل أستطيع الصمود حتى نهايتها؟ فلست أنا من يحدد مسيرة العلاج، ولست بالذي يأمر وينهى وينصح ويفعل! فأنا في هذه المرة مَن عليه السمع والطاعة والإذعان لما يقوله الطبيب الذي هو بكل حال في هذه المرة الأكثر خبرة والأمهر والأفضل.

قصتي امتد صفحاتها إلى ثلاثة أو أربعة أيام، تزيد أو تنقص بضع ساعات. رأيت فيها ما يرى المريض، وأحسست لأول مرة بشعور المرض، وأيقنت بأن المريض حينما يأتي إلى قسم الطوارئ فإنه يتضور جوعا إلى العلاج الشافي، ويكون عاطشا ينتظر شربة من الدواء أو مسكنا للألم.

الساعة الآن تشير إلى الثالثة فجرا، وبعد أن أخذ طبيب الطوارئ التاريخ المرضي بشكل مختصر، وقام بعمل فحص سريري، خرجت نتائج فحص الدم مشيرة إلى ارتفاع طفيف في كريات الدم البيضاء، فأخبرني بأنه سيقوم بطلب الأشعة المقطعية على عجل فإنه يظن بأن ما بي هو الزائدة الدودية. ولكني بحكم عملي وخبرتي البسيطة في هذا المجال كنت أنكر ذلك، ولأننا تعودنا ومنذ نعومة أظفارنا في كلية الطب بأن نضع قائمة لبعض التشخيصات، فقد وضعت أسوأها كاحتمال أول لما أعانيه. ربما لأن المريض هو أنا وليس شخصا أخر.

لأول مرة أشرب الصبغة الملونة التي تستخدم في الأشعة المقطعية، وكم من المرات طلبت من المرضى الذين أعاينهم أن يشربوها دون أن أعرف لها طعما أو لونا أو رائحة. بعد مدة وجيزة ذهبت إلى قسم الأشعة. والطريف في الأمر أن الفني في قسم الأشعة كان يعرفني، فسألني مباغتا، هل جربت من قبل أن تخضع للأشعة المقطعية، فأجبته نافيا. فكانت أول مرة أجرب فيها الأشعة المقطعة واستشعر فيها شعور المريض الضعيف الذي يأتي إلى هذا القسم ملبيا توجيهات ونصائح الطبيب.
وبعد ساعة يأتي إلي طبيب الطوارئ ليسألني عن حالتي الصحية ويخبرني بنتيجة الأشعة المقطعية، "كل شي تمام دكتور، تستطيع الذهاب إلى المنزل، وسأصف لك بعضا من الأدوية التي سوف تساعدك". بالفعل، ذهبت إلى المنزل، وما لبثت فيه ردحا من الوقت، حتى باغتني ألم الأمعاء وكأن أمعائي تتقطع بالسكاكين الحادة، في ذلك الوقت أحسست بأن روحي قد بلغت التراق. وعدت من فوري إلى المستشفى لألبس ثوب المرض والمرضى في أقسام الترقيد.

لبثت هناك يومين او ثلاثة، عشت فيها ساعات من الألم والتعب، وساعات من الراحة، فقد كان الكل يعرفني، وأعرف الكل، وقد زارني الكثير من اساتذتي وزملائي وقبل ذلك أهلي وأقاربي. نمت في تلكم الليلتين على سرير المرضى، ووُضعت في يدي إبرة المغذي وإبرة مسكن الألم وغيرها من الإبر. قاموا بقياس ضغطي مرات ومرات، حتى أنني كنت اشتكي من كثرتها، وربما كان المرضى اللذين بجانبي يشتكون من نفس الأمر.

إلى أن جاء اليوم الموعود، أو اليوم الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر، فقد أعلن الطبيب المختص عن الإفراج الفوري عني من المستشفى، فخرجت رافعا رأسي منتصرا على مرضي، لأعود إليه بعد أيام طبيبا أعالج مرضاي، ولكن هذه المرة وأنا أعرف شعورهم وإحساسهم وآلامهم.


د. رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
يوم الخميس الموافق 12/مارس/2020


2016/06/19

"زيكا" الذي أرعب العالم

"زيكا" الذي أرعب العالم



قبل مدة بسيطة ظهر في البرازيل فايروس قد يبدو للبعض جديدا كونه لم يسمع به من قبل. وهذا الفايروس يسمى Zika. ينتقل الفايروس زيكا عن طريق بعض أنواع البعوض، والذي يتواجد في المناطق المدارية بشكل عام. تحدث الكثيرون عن هذا الفايروس والمرض المعدي الذي يتسبب فيه، من طبيب، وعالِم في الفايروسات، وعالِم في بيولوجيا البعوض، بل واحتلت أخباره العناوين الرئيسة في نشرات الأخبار والبرامج الصحية، وأصبح حديث الساعة في المجالس والمنتديات العامة والخاصة. وبالفعل أعلنت حالة الطوارئ من قبل المؤسسات الصحية العالمية بغية محاصرة الفايروس والمرض الذي يسببه لأن إنتشاره في أنحاء أخرى من العالم قد يسبب مشكلة عالمية، كما كان الحال من قبله مع فايروس انفلونزا الطيور والخنازير ومن قبلهم فايروس سارس وغيرها الكثير.

في هذا المقال سألقي الضوء على فايروس Zika الذي أصبح حديث الساعة هذه الأيام في جميع المجالس والبرامج كما أسلفنا، مركزا على أهم ما يجب معرفته عنه.

ما هو فايروس زيكا ؟
يرتبط  فايروس زيكا بالعديد من الأمراض المكتشفة سابقا من قبيل حمى الضنك، والحمى الصفراء، والتهاب الدماغ الياباني وفايروس غرب النيل. ويقول الدكتور عبدالله بالخير استشاري أول في الأمراض المعدية في حوار أجراه معه "ملحق أنوار" التابع لدائرة العلاقات العامة والإعلام في جامعة السلطان قابوس382: "أنه تم اكتشافه لأول مرة في عام 1947م في قرود من فصيلة الريصو من خلال شبكة رصد الحمى الصفراء وتم اكتشافه لاحقا في البشر عام 1952م في أوغندا وجمهورية تنزانيا المتحدة".

كيف ينتقل الفايروس ؟
ينتقل فايروس زيكا عن طريق لدغة بعوضة تُسمى "Aedes Aegypti"المصابة بالفايروس والتي تتواجد في معظم المناطق الإستوائية. وتحتاج هذه البعوضة إلى سائل كالدم لكي تضع فيه بيوضها، علما بأن نشاط هذه البعوضة يكثر في النهار، ولكن بالطبع لا يمنع ذلك من أن تمارس نشاطها بالليل أيضا. ولا شك أن معظم الخبراء يعتقدون أن انتقال هذا الفايروس يتم عن طريق هذه البعوضة، إلا أن بعضهم لا يستبعد انتقال الفايروس أثناء الحمل من الأم المصابة بالفايروس إلى الجنين، خصوصا أنه لوحظ أن الطفل المولود لأم مصابة بالفايروس عادة ما يكون رأسه صغيرا. علما أن بعض التقارير الطبية ذكرت أن الأتصال الجنسي ليس وسيلة لانتقال الفايروس حيث لم تسجل إلا حالات نادرة بهذا الخصوص. كذلك لم تسجل حالات انتقال للمرض عن طريق نقل الدم، ولا زالت الدراسات والأبحاث قائمة في هذا المجال.

ما هي الأعراض ؟
وبالانتقال إلى أعراض الإصابة بفايروس زيكا، فهي أعراض عامة لكنها ليست بالضرورة دلالة جازمة على إصابة المريض بالفايروس. وهذه الأعراض هي من قبيل الحمى، التهاب العين، الطفح الجلدي، التعب والخمول، الام المفاصل والعضلات، وصداع، وقد تستمر هذه الأعراض بين 2-7 أيام تقريبا. كذلك فقد لوحظ أن بعض المرضى قد يُصابون بأعراض عصبية ونقص في المناعة إذا ما تعرضوا للفايروس. إلا أن أكثر ما أثار إهتمام الناس حول هذا المرض هي تلك التي انتشرت على وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي كانتشار النار في الهشيم والتي تربط بين أمهات حملن هذا الفايروس أو المرض وولادة أجنة ذوو رؤوس صغيرة. ولكن مع ذلك لم يثبت حتى الآن وبشكل قاطع أن الإصابة بفايروس زيكا قد تؤدي إلى ولادة أجنة برؤوس صغيرة (Microcephaly)، وهذا الأمر بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث.

كيف يتم التشخيص ؟
يتم تشخيص الإصابة بفايروس زيكا عن طريق وجود الأعراض العامة المذكورة آنفا، بمعية جنبا إلى جنب مع التاريخ المرضي للمصاب المفترض إذا ما كان قد سافر إلى مناطق انتشار هذا الفايروس قبل إصابته بالمرض بفترة قليلة. بالإضافة إلى ذلك فهناك بعض فحوصات الدم التي يتم إجراؤها للمريض الذي يُتوقع أنه أصيب بالمرض عن طريق عزل الفايروس من دم المريض أو لعابه أو بوله.

ما هو العلاج ؟
أما عن العلاج، فقد ذكرت مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن الأعراض عادة ما تكون خفيفة ولا تتطلب علاجا معينا، ولكن يجب على المريض أن يأخذ قسطا من الراحة بالإضافة إلى شرب السوائل بكميات أكبر من السابق، وأن يأخذ بعض مسكنات الآلام ومخفضات الحرارة. أما إذا زادت الحالة سوءا وزادت واستمرت الأعراض فعلى المريض أن يراجع أقرب مؤسسة صحية.

كيفية الوقاية ؟
في الوقت الحالي لا يوجد لقاح أو مصل ضد هذا الفايروس، ولكن يمكن الوقاية منه عن طريق إتخاذ الإجراءات الآتية:
-         السيطرة على مناطق انتشار البعوض.
-         ارتداء الملابس الساترة والتي تغطي أغلب أجزاء الجسم خاصة في الأجزاء المكشوفة.
-         البقاء في المناطق المكيفة أو داخل الأماكن المغلقة.
-         تغطية أماكن النوم بشبكات طاردة للبعوض.
-         من المهم جدا أن يتم تغيير الماء والسوائل في الدلو أو الأوعية أو البراميل، حتى لا تشكل مناطق لتجمع البعوض.
-         إذا كنت تريد التوجه إلى مناطق ينتشر فيها الفايروس، فعليك أولا باستشارة طبيبك الخاص قبل الذهاب إلى تلك المناطق.

فايروس زيكا والمرأة الحامل:
أشارت بعض التقارير الواردة من البرازيل إلى أنه يمكن لفايروس زيكا أن ينتقل من المرأة الحامل إلى جنينها مما يسبب خللا في تكون الدماغ وينتج عنه صغر حجم الدماغ والرأس، إلا أن هذه الإحتمالية كما ذكرنا سابقا لا تزال في طور البحث والدراسة. ولذلك فإن مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ينصح المرأة الحامل باتخاذ الحيطة والحذر قبل السفر إلى المناطق التي ينتشر فيها هذا الفايروس، كما يطالبها بمراجعة طبيبها قبل الذهاب إلى تلك الأماكن. أما إذا كانت المرأة قد سافرت بالفعل إلى تلك المناطق، فعليها زيارة طبيبها الخاص في أسرع وقت ممكن للتأكد من سلامتها وسلامة الجنين، بالإضافة إلى إجراء بعض الفحوصات الضرورية الخاصة بالفايروس والمرض إن لزم الأمر. وحسب مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها فإن التقارير الطبية حول هذا الفايروس والمرض لم تثبت حتى الآن تأثير فايروس زيكا على الحمل مستقبلا بعد الإصابة بالفايروس، حيث أن الفايروس لا يبقى في الدم لأكثر من أسبوع فقط.

هل يتواجد فايروس زيكا في عمان ؟
يستبعد الدكتور عبدالله بالخير في حواره مع "ملحق الأنوار" التابع لجامعة السلطان قابوس تفشي وانتشار فايروس زيكا في السلطنة، لندرة وجود وانتشار البعوضة المسؤولة عن انتقال هذا الفايروس، ولكن لا يستبعد أمكانية إنتقال المرض عن طريق السُياح أو المسافرين القادمين من المناطق التي ينتشر فيها المرض.

ختاما، فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق داء إلا أوجد له دواء ، ولكن كما قيل "الوقاية خير من العلاج". فيجب أولا أخذ الحيطة والحذر وإتخاذ جميع الإحنياطات اللازمة للوقاية ليس من هذا المرض بل من جميع الأمراض. وأن نلتزم بالتحذيرات العامة التي تصدر بين الحين والآخر من الجهات المعنية  والمتعلقة بهذا المرض وانتشاره. كما أن علينا مراجعة المؤسسات الطبية في أقرب فرصة إن ظهرت هذه الأعراض على أي منا.

نشر في مجلة شرق غرب العدد العاشر يونيو يوليو 2016م.

2016/03/02

أعط دما وأنقذ حياة

أعط دما وأنقذ حياة

نشر في مجلة شرق غرب في العدد التاسع - فبراير 2016



تتجدد بين الحين والآخر نداءات بنوك الدم في السلطنة باحثة عن قطرات من دم قد تساعد في إنقاذ حياة مصاب في حادث مروري أو مريض بالثلاسيميا، أو آخر أجريت له عملية جراحية استنزف أثناءها الكثير من دمه. ولتحقيق هذا الهدف النبيل، تقوم بنوك الدم في السلطنة بالعديد من الحملات في مختلف أنحاء البلاد تهدف إلى توعية المجتمع بأهمية وضرورة التبرع بالدم. وعلى الرغم من أن معظم هذه الحملات تلقى إقبالا ملحوظا وتجاوبا لا بأس به من المواطنين والمقيمين، ولكن يبدو أنها لا تحقق الهدف المنشود، إذ لا تزال هذه البنوك تعاني من نقص في مخزونها من كميات الدم، وبحاجة ماسة إلى المزيد من الدم لتلبية الإحتياجات المتزايدة لاسيما في الحالات الناتجة عن حوادث المركبات التي تتسبب في إصابة عدد كبير من الأشخاص.

ولاشك أن وزارة الصحة بالتعاون مع مستشفى جامعة السلطان قابوس وغيرها من المؤسسات الصحية التابعة لمختلف القطاعات في الدولة تبذل جهودا مشكورة من أجل ضمان توفير الكميات المطلوبة من الدم ووضع آليات سلسة للتبرع والفحص والتخزين والتوزيع من خلال إنشاء بنوك دم متعددة في جميع أنحاء السلطنة، حتى تسهل عملية إيصال الدم إلى المستشفيات في مختلف ولايات ومحافظات السلطنة. وقد خلصت دراسة نُشرت في العام 2010م في المجلة الأسيوية لعلوم نقل الدم، أن السلطنة كونت نظاما ممتازا يعد الأفضل في المنطقة من حيث نقل الدم الآمن بعد إجراء الفحوصات عليه والتأكد من خلوه من الأمراض المعدية، ومن ثم نقله إلى المريض، وكل ذلك عن طريق التبرع بالدم التطوعي من قبل المواطن أو المقيم. ولا يخفي أن بدايات عملية التبرع بالدم كانت تتم بمقابل مادي أو هدايا عينية لتشجيع المجتمع على التبرع بالدم.

قد يتساءل البعض، لماذا هذا التركيز المستمر على التبرع بالدم، ولماذا هذه الحملات الكثيرة والتطوعية من أجل حث الناس على التبرع بالدم، وما هي فوائد التبرع بالدم؟. وكذلك تساؤل عن أسباب محدودية الدم الموجود في بنوك الدم والنقص المستمر في الدم على الرغم من هذه الحملات؟. وفي هذه المقالة سوف أحاول الرد على بعض هذه الأسئلة، والحديث عن هذا الموضوع بإسهاب.

قبل الشروع في الحديث عن التبرع بالدم، لا بأس من أن نعرف ما هي مكونات الدم وسيكون ذلك مدخلا مهما لموضوع هذه المقالة. الدم عبارة عن سائل أصفر اللون يسمى البلازما (Plasma)، ويحتوي هذا السائل على بروتينات، هرمونات، أجسام مضادة، بالإضافة إلى كريات الدم الحمراء التي تحتوي على الأكسجين وكريات الدم البيضاء والصفائح الدموية. ومصدر كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية هو نخاع العظم.

بعد أن تعرفنا على مكونات الدم، نأتي للسؤال الأهم، وهو لماذا نتبرع بالدم؟. وللإجابة على هذا السؤال، استعنت بموقع منظمة الصحة العالمية (WHO)، فوجدت فيه جوابا أرى أنه هو الأنسب والأكثر دقة. تقسم منظمة الصحة العالمية المحتاجين إلى الدم إلى عدة أقسام، أولا: ضحايا الحوادث سواء أكانت حوادث السيارات أو ضحايا الحروب والدمار والكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى اللذين تجرى لهم عمليات جراحية يكون فيها نزيف الدم كثيرا، وكذلك النساء الحوامل اللواتي يواجهن مضاعفات خطيرة في حملهن، وتشترك هذه الشريحة من الحالات بوجود نزيف شديد للدم يستدعي تبرعا بالدم. ثانيا: مرضى الثلاسيميا وأنيميا الخلايا المنجلية وهم من أكثر المرضى المحتاجين إلى عمليات نقل الدم، بسبب حاجتهم المستمرة لها، بسبب الخلل الحاصل في جيناتهم الوراثية المسؤولة عن انتاج الهيموجلوبين. وكما هو معلوم فإنه لا يمكن تخزين الدم لفترات طويلة، فيلزم التبرع المستمر حتى تتم تغطية النقص الحاصل فيه.

ولا نغالي إذا قلنا أن كل قطرة دم قد تنقذ حياة إنسان، إلا أن المتبرع بالدم أيضا ينال ثواب كرمه في الدنيا قبل الآخرة. إن أول فائدة وأهم فائدة يجنيها المتبرع بالدم هو حصوله على فحص اكلينيكي مجاني، أي فحص الضغط ودقات القلب وغيرها، ثم يطمئن على أن نسبة الهيموجلوبين في دمه طبيعية من خلال فحص عينة من الدم المتبرع به، بالإضافة إلى فحص العينة للتأكد من خلوها من الأمراض المعدية. كما أن عملية التبرع بالدم تفيد في تنشيط الدورة الدموية حيث يقوم نخاع العظم بالعمل على إعادة ما فقده الإنسان بعد عملية التبرع بالدم. كما يتم إعادة التوازن إلى كمية الحديد الموجودة في الجسم بعد عملية التبرع، وهذا الأمر مفيد جدا لصحة الإنسان.
قد يتسائل البعض، متى يُعوض الدم المفقود؟، كما أسلفنا سابقا بأن الدم ينقسم إلى عدة أقسام، فالسائل البلازمي يتم تعويضه مباشرة خلال 12-72 ساعة، بينما يتم تعويض البروتينات الموجودة في الدم خلال 3-4 أيام، أما كريات الدم الحمراء فإنها تأخذ 120 يوما أي 4 شهور تقريبا لأجل تعويضها، ولذلك لا يُنصح بالتبرع بالدم إلا كل 4 شهور.

وفي السلطنة، تنظم الجهات المعنية سلسلة من الحملات التطوعية التي تقام بين فترة وأخرى من أجل نشر ثقافة التبرع بالدم. وما عنوان المقالة إلا شعارا لإحدى هذه الحملات التي قامت في هذا المجال والتي ساهمت بشكل أو بأخر بزيادة عدد المتبرعين بالدم ولو جزئيا. ووفق إحصائية نشرتها وزارة الصحة العمانية في كُتيب إحصائياتها السنوي لعام 2014م تفيد بأنه قد زاد عدد المتبرعين بالدم بين عامي 2012 و2014م، ولكن على الرغم من ذلك فإن العدد لا يزال قليلا إذا ما قورن بالوحدات التي يتم رفضها بسبب الأمراض المعدية أو بسبب نقص في الهيموجلوبين لدى المتبرع المفترض.

فالرقم ]57.750[ وهو عدد المتبرعين خلال الفترة المذكورة هو رقم متدني بالمقارنة بعدد سكان السلطنة والذي كان يقارب الـ 4 ملايين نسمة وفق إحصائية عام 2014م، والمأمول هو بذل المزيد من الجهد لزيادة عدد المتبرعين في كل عام، لنصل إلى النتيجة المرجوة والعدد الكافي من وحدات الدم القادرة على سد النقص الحاصل في مختلف محافظات السلطنة.

ومن أجل تحليل هذا الوضع، ومعرفة أسباب عزوف البعض عن تلبية هذا النداء الإنساني في السلطنة سواء المواطن أو المقيم، قمت بالبحث عن ما إذا ما كانت قد أجريت دراسات لتقييم الوضع، ولماذا لا يقوم الناس بالتبرع بالدم بشكل منتظم، إلا أنني وللأسف الشديد لم أجد إجابة شافية لتساؤلاتي. لكني وجدت دراسة أجريت في المملكة العربية السعودية، والتي من الممكن أن تقدم بعض الإجابات على هذا السؤال.

ذكرت هذه الدراسة السعودية والتي أجريت تحت عنوان "وعي مجتمع المناطق الوسطى من السعودية بالتبرع بالدم" والتي نُشرت في المجلة الدولية للطب الباطني في عام 2014م، حيث أجريت فيها مقابلات مع قرابة 470 شخصا من كلا الجنسين. وحسب الدراسة فإن حوالي 50% من هؤلاء قد سبق لهم التبرع بالدم، بينما أجاب الباقي بأنهم لم يتبرعوا، وذلك أما بسبب ضيق الوقت أو بسبب الخوف من مضاعفات التبرع بالدم. وأرجعت الدراسة التعذر بسبب ضيق الوقت والذي كان رد غالبية الذكور الذين شملتهم الدراسة، أرجعته إلى طبيعة المجتمع السعودي واستحواذ الوظيفة والعائلة على معظم وقت الرجل، مما لا يترك المجال للذهاب إلى مراكز التبرع. أما بالنسبة للإناث فقد ذكرت الدراسة سببين أساسيين لعزوفهن عن التبرع بالدم، الأول هو عدم قدرتهن على قيادة السيارات لمسافة طويلة وذلك بسبب القوانين المعمول بها في المملكة، والسبب الثاني هو خوفهن من إصابتهم بنقص في الدم.

وإذا إستحضرنا الأسباب المذكورة، وحاولنا إسقاطها على الحالة في السلطنة، نجد بأن معظمها ينطبق عليها أيضا، عدا عدم القدرة على قيادة السيارة بالنسبة إلى النساء. فالخوف من عملية التبرع بالدم نفسه أو الخوف من الآثار الجانبية للتبرع يبدو لي من خلال طبيعة عملي واحتكاكي بالمرضى وأهاليهم ومعارفهم أنه أحد الأسباب الرئيسية لعزوف الناس عن التبرع بالدم في عمان. كذلك فإن التعذر بضيق الوقت بالنسبة للرجال بالفعل يشكل عائقا أمام سلاسة حركة التبرع بالدم في السلطنة. ويمكن أن نضيف إلى تلكم الأسباب سببا آخر ألا وهو إنتشار أمراض الدم الوراثية ومرض ضغط الدم والسكري عند الكثير من المواطنين والمقيمين والتي لا تسمح لهم بالتبرع بالدم.

وأستخلصت الدراسة المذكورة أعلاه إلى وجوب العمل على إقامة ندوات تعريفية وحملات دعائية حول التبرع بالدم، لجذب أكبر عدد من المتبرعين بالدم وسد النقص الحاصل. وهذا الأمر الذي نشاهده في سلطنة عمان كثيرا، من خلال الحملات التوعوية التي تنظمها الجهات المعنية في مختلف محافظات وولايات السلطنة بهدف إجتذاب أكبر عدد من المتبرعين  ومن ثم الحصول على أكبر كمية ممكنة من الدم. كذلك فإن وحدات التبرع بالدم المتنقلة التي تزور المتبرع في مكان عمله لم تدع لعامل ضيق الوقت مبررا مقبولا لتلبية هذا النداء النبيل.

من هذا المنبر، أوجه دعوة عامة لجميع أبناء الوطن والمقيمين على أراضيه بضرورة التبرع بالدم بين فترة وأخرى، حتى نكون عونا للمرضى والمحتاجين لنقل الدم في كل وقت وآن. كما أتمنى من المختصين إجراء بعض الدراسات لاستكشاف المزيد من أسباب ضعف الإقبال على التبرع بالدم في السلطنة، حتى تقدم على أساس نتائجها الحلول والمقترحات المناسبة لضمان إستمرارية الحياة للمحتاجين لهذا السائل الثمين.

2015/06/20

مستقبل الطب بين تحدي المرض وتقدم العلم

مستقبل الطب بين تحدي المرض وتقدم العلم




"دراسة علمية تبشر بعلاج لمرض السكري"، هكذا عنونت إحدى المواقع الالكترونية صفحتها الرئيسية بخط عريض. كان هذا الخبر الأكثر انتشاراً وقراءة في ذلك اليوم. اكتشاف لا شك أنه مهم جدا في عالم الطب، فعلاج مرض السكري الذي كان صعبا بل مستحيلا قبل عدة سنوات، أصبح اليوم قريب المنال. العلم يتطور في كل يوم، بل وفي كل ساعة حيث يكتشف العلماء شيئا جديدا لم يخطر على بال أحد من قبل، وما كان مستحيلا بالأمس، أصبح اليوم واقعا. والحقيقة إن تطور العلم ليس مقتصرا على الطب فحسب، بل يشمل مختلف مجالات الحياة، من علوم الأرض إلى علوم الفضاء مرورا بعلم النبات والحيوان والفيزياء والكيمياء وغيرها.

إلا أن العلوم الصحية والطبية كان لها النصيب الأوفرمن الاهتمام من قبل القائمين عليها والباحثين في أغوارها. فقد شهد حقل العلوم الصحية والطبية خلال السنوات القليلة الماضية تطورات وإنجازات على قدر كبير من الأهمية، حيث توالت اكتشافات وإستنتاجات تُبشر بمستقبل مشرق وواعد في مواجهة الأمراض المستعصية، ورفع كفاءة الحياة (quality of life) للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، بالإضافة إلى الوقاية من الأمراض. وقد تحقق كل ذلك على الرغم من التحديات الطارئة التي يواجهها العلماء مع ظهور أمراض جديدة لم تكن متواجدة سابقا من قبيل مرض إيبولا (Ebola)، أو انتكاسات في علاجات تم إكتشافها سابقا.

ولو أردنا الإسهاب في الحديث عن هذه الإنجازات والاكتشافات فهي كثيرة ومتنوعة. فبعضها سلطت مزيدا من الضوء على تشخيص بعض الأمراض وأخرى على التوصل إلى علاجات لأمراض كانت حتى الأمس القريب ميؤوس من علاجها. والجدير بالذكر أن بعض هذه الاكتشافات لا زالت في طور التجربة ولم يتم تطبيقها على أرض الواقع. وفي هذا المقال سوف أسلط الضوء على عدد من هذه الاكتشافات والإنجازات الطبية، وسوف أتناول بشيء من التفصيل إثنتين من هذه الاكتشافات الطبية والتي أراها مهمة نظرا لأنها تتعلق بأمراض يعاني منها المجتمع العماني وسوف تكون في حال تطبيقها بشرى خير للمرضى ومصدر عون للعاملين في قطاع الصحة في السلطنة.

نستهل المقال بالموضوع الأبرز، ألا وهو علاج مرض السكري، حديث الساعة في الأوساط العلمية والطبية. مرض السكري الموصوف بالقاتل الصامت يزداد إنتشارا. حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن ما يقرب من 350 مليون شخص في العالم مصابون بمرض السكري، منهم 34 مليون شخص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية فإن نسبة الإصابة بمرض السكري في سلطنة عمان بلغت 8% من مجمل السكان بنهاية العام 2013 أي ما يقارب 150 الف حالة.

ولا شك أن هذه الأرقام المهولة والمفزعة، دفعت العلماء والباحثين للإستماتة في سبيل إيجاد حلول وعلاج لمرض السكري. فارتفاع نسبة السكر في الدم يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة بصورة غير مباشرة. ولهذا السبب عمل الباحثون في جامعة هارفارد على مدى 15 عاما متواصلة حتى استطاعوا تحويل الخلايا الجذعية لخلايا مشابهة للبنكرياس لتقوم بوظيفة البنكرياس في حالة فشله ألا وهو إفراز الانسولين. وبموجب هذا الإكتشاف يتم حقن هذه الخلايا في البنكرياس فتقوم باستشعار كمية السكر في الدم، وبناءً عليه تقوم بإفراز الكمية المناسبة من الانسولين. وقد أختبرت هذه الخلايا على حيوانات التجارب وأثبتت نجاحها، ولكنها بحاجة إلى بعض الوقت ليتم تطبيقها على الإنسان. الجدير بالذكر أن المرضى المتوقع إستفادتهم من هذا العلاج في حالة نجاح تجربته على الإنسان هم مرضى السكري بنوعه الأول.

إن نجاح هذا العلاج على الإنسان في ما لو تحقق، سوف يؤدي إلى شفاء الملايين من البشر من مرض السكري وبالتالي إنقاذهم من الموت البطيء الذي يسببه إرتفاع نسبة السكر في دم الإنسان وفي الوقت نفسه تخلصهم من شبح إبرة الأنسولين اليومية. وغني عن القول بأن البشرية سوف توفر مبالغ طائلة تنفقها الآن على علاج المرضى المصابين بالسكري من دواء واختبارات ناهيك عن المبالغ والجهد الذي يصرف على علاج المضاعفات التي يسببها هذا المرض للمبتلين به.

الأورام الخبيثة، من منا يجهلها أو يجهل المصائب التي يعاني منها ضحاياها من البشر، ففي كل يوم نسمع عن إكتشاف ورم خبيث من نوع جديد. وفي الحقيقة فإن هذه الأورام السرطانية تشكل معضلة حقيقية للأطباء والباحثين نظرا لكونها متنوعة ونسبة الشفاء منها قليلة على عكس بقية الأمراض المزمنة، وأثارها تبقى لفترة طويلة قد تمتد لنهاية عمره. كذلك فإن علاج الأورام السرطانية يشكل عبئا إجتماعيا واقتصاديا كبيرا على الدولة والمجتمع نظرا لإرتفاع تكلفة علاجه وطولها.

أحد أنواع هذه الأورام هو الورم النقوي المتعدد (Multiple myeloma) الذي يصيب الخلايا البلاسمية في الدم، وهي الخلايا المسؤولة عن الدفاع عن الجسم في حالة مهاجمة الفايروسات له. وبحسب الإحصائيات الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية فإن كل 6 اشخاص من 100 الف شخص يصابون بهذا المرض سنويا، وتبلغ حالات الوفاة نصف هذا العدد، في حين أن معدل بقاء المصابين بهذا المرض على قيد الحياة لـ5 سنوات قادمة بعد الإصابة بالمرض تبلغ 45% فقط.

وفي هذا الصدد، أجرت عيادة مايو كلينيك (Mayo clinic) الشهيرة تجربة على شخصين مصابين بالورم النقوي المتعدد، وذلك من خلال حقنهما بفايروس الحصبة الذي يستخدم للتطعيم ضد الحصبة، وتم حَقن المريضين بكمية مركزة جدا تكفي لتطعيم 100 مليون شخص. وقد استجاب المريضان لهذا العلاج، واختفت الخلايا السرطانية، وشفي أحد المريضين من هذا المرض وبقي جسمه خاليا من الخلايا السرطانية لمدة 6 أشهر. أما المريض الآخر فلم يستجب للعلاج تماما مثلما حدث للأول، ولكن تدمرت أجزاء كبيرة من الخلايا السرطانية في جسده. ويُذكر أن المريضان لم يستجيبا لأي علاج آخر يعطى في مثل هذه الحالات، مما أضطر بفريق البحث أن يجري هذه التجربة عليهما.

ولا يزال البحث مستمرا لمعرفة المزيد عن علاقة فايروس الحصبة بالأورام السرطانية، وكيف أثر فايروس الحصبة على الخلايا السرطانية في الجسم. علما أن الاستنتاج الأولي من خلال هذه التجربة هو أن فايروس الحصبة قد نبه خلايا المناعة في الجسم على وجود أجسام سرطانية يجب مهاجتمها وتدميرها. وإلى الآن لا يمكن الجزم بأن الورم النقوي المتعدد يمكن معالجته والقضاء عليه عن طريق الحقن بفايروس الحصبة، ولكن منطلق  القول أن بداية الغيث قطرة، فقد يتمكن العلماء بعد هذه التجربة من اكتشاف علاقة بعض الأورام الأخرى بفايروس الحصبة أو فايروسات أخرى.

وجدت مجموعة من العلماء في كلية الطب بجامعة هارفارد أنه بزيادة مادة NED في فئران التجارب التي تقدمت بها السن، عاد عمل عضلاتها وهيكلتها الداخلية إلى ما كانت عليه سابقا. وبهذه التجربة يريد العلماء معرفة مدى إمكانية  تجديد عمر عضلات شخص في الـ60 من العمر وإعادتها إلى عمر الـ20 عاما بتطبيق الأسلوب نفسه. نتائج هذه الدراسة إن نجح تطبيقها على الإنسان فلربما تساهم في زيادة العمر الافتراضي له.

جاء في دراسة نُشرت في صحيفة الجارديان البريطانية، أن علماء من الولايات المتحدة الأمريكية تمكنوا من انتاج خلايا شبيهة بالخلايا المسؤولة عن الذاكرة في الدماغ وذلك عن طريق تحويل الخلايا الجذعية بإضافة بعض المواد الكيميائية عليها. والمعروف أن الخلايا المسؤولة عن الذاكرة والموجودة في الدماغ تموت أولا مع بداية مرض الزهايمر. كان الهدف من هذه الدراسة هو معرفة مدى إمكانية زراعة هذه الخلايا في دماغ مريض بالزهايمر، بالتالي التوصل إلى إيجاد علاج مناسب لمرض الزهايمر. وفيما يبدو أن الفريق القائم بهذا البحث قد استنسخ عددا كبيرا من الخلايا، ولكن لا تزال إمكانية زراعة هذه الخلايا في دماغ مريض بالزهايمر مستحيلة في الوقت الراهن وتحتاج إلى مزيد من البحث والتجارب.

هل يمكن وضع حد لمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)؟ طُرح هذا السؤال المهم جدا في مؤتمر حول مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) والذي أقيم في اتالانتا العام الماضي. وقد كان الجواب مؤثرا عندما قالت الدكتورة ديبورا من جامعة جونس هوبكنس الأمريكية بأن الإحتمال قائم بشكل كبير لوضع حدٍ لهذا المرض الخطير الذي قضى حتى الان على الملايين من البشر. حيث ذكرت أن مستشفى جامعة جونس هوبكنس الإمريكي استطاع أن يقضي على مرض الإيدز في طفل حديث الولادة كان المرض قد انتقل له عن طريق والدته المصابة بالمرض ونتيجة عدم حصولها على الرعاية اللازمة أثناء فترة الحمل، لم يتمكن الفريق الطبي من اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقاية الطفل من المرض أثناء الحمل. وبعد ولادة الطفل قام الأطباء بحقنه بثلاثة أدوية مستخدمة في علاج مرض الإيدز خلال الـ30 ساعة الأولى بعد الولادة، ولاحظ الأطباء بعد شهر من ولادة الطفل بأن عدد نسخ الفايروس في جسم هذا الطفل وصلت إلى نسبة غير مقروءة بالجهاز. واستمر الأطباء في علاج هذا الطفل لمدة سنتين ونصف السنة، حتى لاحظوا أختفاء جميع علامات المرض من جسم الطفل.

هذه الاكتشافات والتجارب التي ذكرتها أعلاه هي غيض من فيض، ولا يتسع المجال هنا لذكر كل ما توصل إليه العلم الحديث، ولكن يبدو أننا مقبلون على ثورة كبيرة في المجال الطبي في السنوات القليلة القادمة خصوصا مع تطور التكنولوجيا وتطور أساليب البحوث وزيادة نسبة نشر البحث العلمي في العالم.


نشرت في مجلة #شرق_غرب الثقافية العمانية في عددها السادس (يونيو-يوليو 2015).

2014/11/12

الهندسة الوراثية .. صناعة المستقبل

الهندسة الوراثية .. صناعة المستقبل


لقد أمر الله سبحانه وتعالى الإنسان بأن يتفكر في هذا الكون وفي خلقته، وأن يطلق العنان لعقله بالتأمل والبحث والاستقصاء حتى يصل إلى كنه عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته في خلق هذا الكون اللامتناهي، فقال سبحانه وتعالى: "وفي الأرض أيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون" ]سورة الذاريات – الأية 20،21[. وقد حث القرآن الكريم الإنسان لأن يبحث في نفسه ويتفكر في خلقته التي تتجلى فيها قدرة الخالق وعظمته فقال الله سبحانه وتعالى: "فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، إنه على رجعه لقادر" ]سورة الطارق – الآيات 5-8[. وقد عمل المسلمون الأوائل بهذه الأوامر القرآنية المباركة، فجدوا واجتهدوا في البحث والتفكر وطلب العلم وعملوا بوصايا النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم حيث روي عنه أنه قال: "أطلبوا العلم ولو في الصين".

واستمرت في هذه البيئة مسيرة العلم في التطور والنمو منذ ذلك الوقت، فكانت مذكرات العلماء الأوائل وملاحظاتهم وما خطوه بأقلامهم هي البداية، ثم جاءت الأبحاث العلمية لتكمل مسيرة تطور العلم، وقد تبنى عدد من العلماء بعض النظريات العلمية الدقيقة والتي ساهمت في تطور الأرض والإنسان. حيث أننا نسمع كل يوم عن إنجاز علمي جديد في مجال أو آخر من مجالات العلوم المختلفة، ونقرأ عن تطور جديد شهدته الساحة العلمية، ولمسنا الكثير من هذه الإنجازات خاصة في العقود القليلة الماضية. ومما لا شك فيه أن التطور في المجالين الهندسي والطبي ساهم كثيرا في زيادة رصيد هذه الإنجازات العلمية، فهذين المجالين الواسعين قد انتجا معاً ما يُسمى بـ "الهندسة الوراثية" أو "هندسة الجينات" والتي يُتوقع أن تكون لها مساهمة كبيرة على صعيد العلوم النظرية والتطبيقية.


ما هي الهندسة الوراثية؟
يُعرف العلماء الهندسة الوراثية بأنها "العلم الذي يهتم بدراسة التركيب الوراثي الجيني DNA للمخلوقات بشتى أنواعها، لمعرفة كيفية تناقل الصفات الوراثية من جيل إلى آخر، بهدف التدخل في تلك الصفات في مرحلة لاحقة وتعديلها لإصلاح الخلل الذي قد يطرأ عليها". ويُعرفها اتحاد العلماء المهتمين بالعلوم الوراثية في موقعهم على الأنترنت بأن "الهندسة الوراثية هي التقنيات التي تُستخدم لتطوير المواد الوراثية (الجينات) الموجودة في الخلايا من خلال نقل هذه الجينات إلى كائنات حية من نفس النوع أو نقلها إلى كائنات حية أخرى لتطوير وتحسين هذه الكائنات. وتعتبر هذه الوسائل من التقنيات المعقدة المستخدمة لمعالجة المواد الوراثية والحيوية والكيميائية في الخلايا". (1)

لقد كانت البكتيريا هي أول الكائنات التي تم التعديل على موادها الوراثية هندسيا وكان ذلك في العام 1973 للميلاد، ومن خلال ذلك تم انتاج هرمون الإنسولين من هذه البكتريا وتم لاحقا الإستفادة منه في عملية تسويقية لعلاج مرض السكري، وكانت الفئران هي ثاني الكائنات الحية التي يتم تعديل جيناتها هندسيا وكان ذلك في العام 1975 للميلاد. وقد تبع ذلك أبحاثا كثيرة في الهندسة الوراثية جرت على الحيوانات البرية وخاصة الخنازير.


ما هي خطوات الهندسة الوراثية؟
من المهم جدا معرفة الخطوات التي تمر بها الهندسة الوراثية قبل الدخول في تطبيقاتها واستخداماتها، لأن ذلك سوف يساعد على الفهم الصحيح لهذه التطبيقات والاستخدامات، ولا أريد الدخول هنا في التفاصيل العلمية الدقيقة لعملية الهندسة الوراثية، ولكن سوف اتحدث في هذا المقال عن الخطوات الأساسية والمهمة جدا وبشكل مبسط وسهل للغاية وهي أربعة خطوات رئيسية:
الخطوة الأولى: يتم خلالها عزل الجين المطلوب استنساخه عن طريق تحديد الجين أو العامل الوراثي الذي نرغب بإدخاله إلى الخلايا المستهدفة، ويمكن معرفة العامل الوراثي المطلوب استنساخه عن طريق معلومات سابقة عن المورثات، ومن ثم يتم استنساخه عن طريق عمل نسخ للـ DNA بتفاعلات معينة.

الخطوة الثانية: يتم خلالها إدخال الجين المستنسخ إلى حامل مناسب مثل الحوامل الفيروسية أو البلازميدية، وهي كائنات صغيرة لا تُرى بالعين المجردة.

الخطوة الثالثة: إدخال ما نتج من الخطوة الثانية إلى الخلايا التي يُراد تعديلها.

الخطوة الرابعة: يتم عزل وفصل هذه الخلايا التي تم تعديلها وراثيا عن الخلايا الطبيعية، ومن ثم تنشيطها وإجراء عمليات التكاثر عليها.

وبعد الانتهاء من هذه الخطوات يتم دراسة الخلايا التي تم تعديلها وراثيا بنجاح، ومقارنتها بالخلايا الطبيعية ومعرفة الفروقات بينهما.


تطبيقات الهندسة الوراثية:
الحديث عن تطبيقات الهندسة الوراثية حديث متشعب وطويل جدا، إلا أنه يمكن تلخيص مجالات استخداماتها كالآتي:

المجال الزراعي: سابقا كان من الصعب جدا حماية النباتات من الأمراض الفيروسية، فكانت المحاصيل الزراعية تموت بسرعة كبيرة خصوصا في مواسم انتشار هذه الفيروسات، وكان المزارعون والعلماء المختصون بالهندسة الزراعية وتطوير المحاصيل الزراعية يقتصرون في تحصين هذه النباتات من الفيروسات على التخلص من بقايا المحاصيل السابقة التي قد تكون عائلا للفيروسات، أو استعمال المبيدات الحشرية القاتلة للحشرات التي تقوم بنقل هذه الفيروسات، وقد كان لهذه الإجراءات نتائج محدودة جدا. ولكن مع نشأة علوم الهندسة الوراثية وتطورها أصبحت مقاومة النباتات للأمراض الفيروسية أقوى من ذي قبل وأفضل بكثير، بحيث يتم أخذ عينة من الفيروسات التي تقتل النباتات ويتم تضعيفها بعد ذلك باستخدام تطبيقات الهندسة الوراثية ومن ثم حقنها في النباتات – كما هو حاصل في التحصين عند الإنسان – وبالتالي تتمكن النباتات من مواجهة هذه الفيروسات والدفاع عن نفسها.

إنتاج نباتات مقاومة للحشرات كان الإنجاز الثاني لتطبيقات الهندسة الوراثية في المجال الزراعي، حيث يتم بموجبه أخذ بروتينات تنتجها نوع من البكتيريا النباتية، ومن ثم عزلها وتطويرها ثم وضعها في المبيدات الحشرية، وتساهم هذه المبيدات المحتوية على هذا النوع من البروتينات في قتل بعض أنواع الحشرات، وقد أثبتت الدراسات أنه لا يوجد أي تأثير سلبي لهذه المبيدات الحشرية الخاصة على الثديات عند تناولها لهذه النباتات.

المجال الحيواني: إن أول تطبيقات الهندسة الوراثية في المجال الحيواني كانت انتاج هرمونات تساعد على زيادة سرعة النمو في الحيوانات، لأهمية ذلك من الناحية التجارية، خاصة وأنه تم استخدام هرمونات النمو المعدلة في الفئران منذ فترة طويلة وقد أثبتت جدواها وكفاءتها، ولكن التجارب التي أجريت على الحيوانات الأخرى وبالخصوص الخنزير لم تعطي نتائج جيدة، فكانت نتائج الأبحاث متضاربة من منطقة لأخرى. ونظرا لما لنجاح هذا التطبيق من أهمية كبيرة تجاريا فلا زالت المحاولات والأبحاث والتجارب مستمرة إلى يومنا هذا.

أما التطبيق الثاني في مجال الإنتاج الحيواني فقد تركز على محاولات لإنتاج حليب بقري شبيه بالحليب البشري وذلك لتحسين خواص الحليب المقدم لتغذية الأطفال، ولا زالت الدراسات والأبحاث قائمة في هذا المجال، إلا أنه لم يتوصل العلماء حتى الآن إلى تحضير حليب بقري مشابه في خواصه للحليب البشري تماما.

المجال الطبي: لقد استطاع العلماء من خلال الهندسة الوراثية إنتاج هرمون الانسولين وهرمونات النمو البشري (Growth hormone)، كما استطاع العلماء من خلال هذه التقنيات الحديثة من صناعة اللقاحات وغيرها من الأدوية. كما استطاع العلماء من تعديل بعض الجينات المعطوبة من خلال تغيير هذه الجينات بجينات أخرى معدلة وراثيا، وربما تكون الأمراض المناعية هي أهم الأمراض التي تم فيها الاستفادة من الهندسة الوراثية لمعالجة المرضى المصابين بها، ومع ذلك فإن هذه العلاجات تتم في مراكز متخصصة جدا حتى يتم تفادي أي أثر سلبي لهذه العمليات.

كما أن تطبيقات الهندسة الوراثية تستخدم في تشخيص مختلف الأمراض الوراثية التي تصيب الإنسان، ومعرفة مدى تأثيرها على مستقبل الفرد من خلالها. كذلك قد يكون باستطاعة الفرد أن يستخدم الخريطة الوراثية لاختيار زوجة مناسبة أو زوج مناسب لانجاب أطفال أصحاء في ضوء معلومات مخزنة في بطاقة الكترونية صغيرة.


سلبيات استخدام الهندسة الوراثية:
من الوهلة الأولى، يبدو الحديث عن الهندسة الوراثية والتطور الكبير الذي أحدثته رائعا جدا، وأن هذه التطبيقات سوف تجلب السعادة للبشرية، ولكن وُجد من خلال الأبحاث المستفيضة في هذا المجال والملاحظات المقدمة من العلماء أن للهندسة الوراثية عددا من المخاطر والسلبيات فيما لو تمت إساءة استخدام هذه التقنيات الحديثة. فأول هذه المخاطر هي أن التجارب التي تجري حاليا في مجال الهندسة الوراثية على الرغم من أنها تجارب مبسطة وغير معقدة، فقد شكلت هذه النقلة النوعية، ولكن ما الذي سوف يحدث إذا ما أجريت التجارب الأكثر تعقيدا والتي قد تغير الخريطة الوراثية أو التركيب الوراثي للإنسان، وحيث أنه لا توجد أي دراسات حديثة في هذا المجال فلا يمكن الجزم بنتائج التجارب المعقدة، والتي قد يكون لها تأثيرات سلبية على الإنسان.

ثانيا، يقول بعض العلماء أن أي خطأ قد يحدث في إجراء تجارب الهندسة الوراثية فإنه خطأ غير معكوس أي لا يمكن العودة إلى نقطة البداية، وبالتالي فإن هذه الأخطاء قد تُنتج سلالات جديدة من المخلوقات الحية نتيجة دمج المواد الوراثية لكائنات مختلفة وهذا الأمر قد يشكل خطرا على التوازن البيئي للكرة الأرضية.

وقد أجرت جامعة القاهرة دراسة نشرت نتائجها في جريدة "المصري اليوم" بعددها الصادر في يوم الأحد بتاريخ 12/8/2012 للميلاد ملخصها أن فئران التجارب التي تناولت الأطعمة المعدلة وراثيا قد أصابتها أمراض مناعية ومشاكل في الجهاز الهضمي بالإضافة إلى فقدان قدرتها على الإنجاب وسرعة شيخوختها مقارنة بفئران التجارب التي تناولت الأطعمة الغير معدلة وراثيا، وهذه النتائج جاءت مطابقة لبعض الدراسات التي أجريت على فئران التجارب في مختلف دول العالم (2).


الرؤية الشرعية حول الهندسة الوراثية:
وبسبب وجود هذه المشاكل والعواقب والأخطار المتوقعة والتي ذكرناها سابقا، كان لابد من معرفة وجهة النظر الشرعية حول عمليات الهندسة الوراثية لأجل معرفة رأي الشرع في مثل هذه المواضيع المهمة في ضوء فوائدها العديدة وفي الوقت نفسه سلبياتها الكثيرة. وقد وجدنا أن علماء الفقه والأصول قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام، فبعضهم يؤيد استخدام تطبيقات الهندسة الوراثية بجميع أشكالها مهما كانت، باعتبارها وسيلة مهمة لتطوير المجتمع البشري ومجالا رحبا لطلب العلم خاصة وأنه يمكن الاستفادة منها في علاج الأمراض المستعصية، وقسم آخر يحرم استخدام تقنيات الهندسة الوراثية باعتبارها تدخلا غير مرغوب فيما خلقه الله تعالى الذي خلق فسوى، واستنادا لما ورد في القرآن الكريم على لسان ابليس: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله" ]سورة النساء – الأية 119[، والقسم الثالث من العلماء يجيز استخدامها في مجالات الخدمة الإنسانية ويحرمها إذا كان فيها تغييرا لخلقة الإنسان أو الحيوان.


ختاما، ومن خلال ما استعرضنا حول تطبيقات الهندسة الوراثية وبعض مخاطرها والرؤية الشرعية بخصوصها، فإن عمليات وتقنيات الهندسة الوراثية قد تؤدي إلى تطور كبير في العلم الحديث كما هو حاصل الآن، وقد تُحدث نقلات نوعية كبيرة في المجالات المختلفة التي تم تطبيقها عليها، وما قد يتم تطبيقه مستقبلا، إلا أن الحذر الشديد مطلوب عند استخدام هذه التطبيقات والذي يجب أن يتم بعد إجراء أبحاث دقيقة ومتأنية حتى تكون في صالح المجتمع الإنساني والكون بأسره.






نشرت في العدد الثاني من مجلة #شرق_غرب الثقافية العمانية