‏إظهار الرسائل ذات التسميات عمان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عمان. إظهار كافة الرسائل

2016/06/19

"زيكا" الذي أرعب العالم

"زيكا" الذي أرعب العالم



قبل مدة بسيطة ظهر في البرازيل فايروس قد يبدو للبعض جديدا كونه لم يسمع به من قبل. وهذا الفايروس يسمى Zika. ينتقل الفايروس زيكا عن طريق بعض أنواع البعوض، والذي يتواجد في المناطق المدارية بشكل عام. تحدث الكثيرون عن هذا الفايروس والمرض المعدي الذي يتسبب فيه، من طبيب، وعالِم في الفايروسات، وعالِم في بيولوجيا البعوض، بل واحتلت أخباره العناوين الرئيسة في نشرات الأخبار والبرامج الصحية، وأصبح حديث الساعة في المجالس والمنتديات العامة والخاصة. وبالفعل أعلنت حالة الطوارئ من قبل المؤسسات الصحية العالمية بغية محاصرة الفايروس والمرض الذي يسببه لأن إنتشاره في أنحاء أخرى من العالم قد يسبب مشكلة عالمية، كما كان الحال من قبله مع فايروس انفلونزا الطيور والخنازير ومن قبلهم فايروس سارس وغيرها الكثير.

في هذا المقال سألقي الضوء على فايروس Zika الذي أصبح حديث الساعة هذه الأيام في جميع المجالس والبرامج كما أسلفنا، مركزا على أهم ما يجب معرفته عنه.

ما هو فايروس زيكا ؟
يرتبط  فايروس زيكا بالعديد من الأمراض المكتشفة سابقا من قبيل حمى الضنك، والحمى الصفراء، والتهاب الدماغ الياباني وفايروس غرب النيل. ويقول الدكتور عبدالله بالخير استشاري أول في الأمراض المعدية في حوار أجراه معه "ملحق أنوار" التابع لدائرة العلاقات العامة والإعلام في جامعة السلطان قابوس382: "أنه تم اكتشافه لأول مرة في عام 1947م في قرود من فصيلة الريصو من خلال شبكة رصد الحمى الصفراء وتم اكتشافه لاحقا في البشر عام 1952م في أوغندا وجمهورية تنزانيا المتحدة".

كيف ينتقل الفايروس ؟
ينتقل فايروس زيكا عن طريق لدغة بعوضة تُسمى "Aedes Aegypti"المصابة بالفايروس والتي تتواجد في معظم المناطق الإستوائية. وتحتاج هذه البعوضة إلى سائل كالدم لكي تضع فيه بيوضها، علما بأن نشاط هذه البعوضة يكثر في النهار، ولكن بالطبع لا يمنع ذلك من أن تمارس نشاطها بالليل أيضا. ولا شك أن معظم الخبراء يعتقدون أن انتقال هذا الفايروس يتم عن طريق هذه البعوضة، إلا أن بعضهم لا يستبعد انتقال الفايروس أثناء الحمل من الأم المصابة بالفايروس إلى الجنين، خصوصا أنه لوحظ أن الطفل المولود لأم مصابة بالفايروس عادة ما يكون رأسه صغيرا. علما أن بعض التقارير الطبية ذكرت أن الأتصال الجنسي ليس وسيلة لانتقال الفايروس حيث لم تسجل إلا حالات نادرة بهذا الخصوص. كذلك لم تسجل حالات انتقال للمرض عن طريق نقل الدم، ولا زالت الدراسات والأبحاث قائمة في هذا المجال.

ما هي الأعراض ؟
وبالانتقال إلى أعراض الإصابة بفايروس زيكا، فهي أعراض عامة لكنها ليست بالضرورة دلالة جازمة على إصابة المريض بالفايروس. وهذه الأعراض هي من قبيل الحمى، التهاب العين، الطفح الجلدي، التعب والخمول، الام المفاصل والعضلات، وصداع، وقد تستمر هذه الأعراض بين 2-7 أيام تقريبا. كذلك فقد لوحظ أن بعض المرضى قد يُصابون بأعراض عصبية ونقص في المناعة إذا ما تعرضوا للفايروس. إلا أن أكثر ما أثار إهتمام الناس حول هذا المرض هي تلك التي انتشرت على وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي كانتشار النار في الهشيم والتي تربط بين أمهات حملن هذا الفايروس أو المرض وولادة أجنة ذوو رؤوس صغيرة. ولكن مع ذلك لم يثبت حتى الآن وبشكل قاطع أن الإصابة بفايروس زيكا قد تؤدي إلى ولادة أجنة برؤوس صغيرة (Microcephaly)، وهذا الأمر بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث.

كيف يتم التشخيص ؟
يتم تشخيص الإصابة بفايروس زيكا عن طريق وجود الأعراض العامة المذكورة آنفا، بمعية جنبا إلى جنب مع التاريخ المرضي للمصاب المفترض إذا ما كان قد سافر إلى مناطق انتشار هذا الفايروس قبل إصابته بالمرض بفترة قليلة. بالإضافة إلى ذلك فهناك بعض فحوصات الدم التي يتم إجراؤها للمريض الذي يُتوقع أنه أصيب بالمرض عن طريق عزل الفايروس من دم المريض أو لعابه أو بوله.

ما هو العلاج ؟
أما عن العلاج، فقد ذكرت مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن الأعراض عادة ما تكون خفيفة ولا تتطلب علاجا معينا، ولكن يجب على المريض أن يأخذ قسطا من الراحة بالإضافة إلى شرب السوائل بكميات أكبر من السابق، وأن يأخذ بعض مسكنات الآلام ومخفضات الحرارة. أما إذا زادت الحالة سوءا وزادت واستمرت الأعراض فعلى المريض أن يراجع أقرب مؤسسة صحية.

كيفية الوقاية ؟
في الوقت الحالي لا يوجد لقاح أو مصل ضد هذا الفايروس، ولكن يمكن الوقاية منه عن طريق إتخاذ الإجراءات الآتية:
-         السيطرة على مناطق انتشار البعوض.
-         ارتداء الملابس الساترة والتي تغطي أغلب أجزاء الجسم خاصة في الأجزاء المكشوفة.
-         البقاء في المناطق المكيفة أو داخل الأماكن المغلقة.
-         تغطية أماكن النوم بشبكات طاردة للبعوض.
-         من المهم جدا أن يتم تغيير الماء والسوائل في الدلو أو الأوعية أو البراميل، حتى لا تشكل مناطق لتجمع البعوض.
-         إذا كنت تريد التوجه إلى مناطق ينتشر فيها الفايروس، فعليك أولا باستشارة طبيبك الخاص قبل الذهاب إلى تلك المناطق.

فايروس زيكا والمرأة الحامل:
أشارت بعض التقارير الواردة من البرازيل إلى أنه يمكن لفايروس زيكا أن ينتقل من المرأة الحامل إلى جنينها مما يسبب خللا في تكون الدماغ وينتج عنه صغر حجم الدماغ والرأس، إلا أن هذه الإحتمالية كما ذكرنا سابقا لا تزال في طور البحث والدراسة. ولذلك فإن مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ينصح المرأة الحامل باتخاذ الحيطة والحذر قبل السفر إلى المناطق التي ينتشر فيها هذا الفايروس، كما يطالبها بمراجعة طبيبها قبل الذهاب إلى تلك الأماكن. أما إذا كانت المرأة قد سافرت بالفعل إلى تلك المناطق، فعليها زيارة طبيبها الخاص في أسرع وقت ممكن للتأكد من سلامتها وسلامة الجنين، بالإضافة إلى إجراء بعض الفحوصات الضرورية الخاصة بالفايروس والمرض إن لزم الأمر. وحسب مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها فإن التقارير الطبية حول هذا الفايروس والمرض لم تثبت حتى الآن تأثير فايروس زيكا على الحمل مستقبلا بعد الإصابة بالفايروس، حيث أن الفايروس لا يبقى في الدم لأكثر من أسبوع فقط.

هل يتواجد فايروس زيكا في عمان ؟
يستبعد الدكتور عبدالله بالخير في حواره مع "ملحق الأنوار" التابع لجامعة السلطان قابوس تفشي وانتشار فايروس زيكا في السلطنة، لندرة وجود وانتشار البعوضة المسؤولة عن انتقال هذا الفايروس، ولكن لا يستبعد أمكانية إنتقال المرض عن طريق السُياح أو المسافرين القادمين من المناطق التي ينتشر فيها المرض.

ختاما، فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق داء إلا أوجد له دواء ، ولكن كما قيل "الوقاية خير من العلاج". فيجب أولا أخذ الحيطة والحذر وإتخاذ جميع الإحنياطات اللازمة للوقاية ليس من هذا المرض بل من جميع الأمراض. وأن نلتزم بالتحذيرات العامة التي تصدر بين الحين والآخر من الجهات المعنية  والمتعلقة بهذا المرض وانتشاره. كما أن علينا مراجعة المؤسسات الطبية في أقرب فرصة إن ظهرت هذه الأعراض على أي منا.

نشر في مجلة شرق غرب العدد العاشر يونيو يوليو 2016م.

2016/03/12

عمان وإيران .. خطوة نحو الازدهار - لم تُنشر

عمان وإيران .. خطوة نحو الازدهار

كتبت هذه المقالة قبل عامين لكن لم أرسلها للنشر .. أنشرها في المدونة بعد مرور فترة زمينة على كتابتها


ربما كانت علاقات سلطنة عمان بالجمهورية الإسلامية في إيران هي أبرز محاور النقاش في المجالس والمحاورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خصوصا بعد الزيارة الأخيرة لفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الشيخ حسن روحاني ولقاءه بصاحب الجلالة السلطان قابوس حفظه الله ورعاه وبعض المسؤولين في السلطنة. هذه الزيارة ربما تعد الحدث الأبرز في منطقة الخليج العربي وربما الشرق الأوسط في الربع الأول من العام الجاري.

هذه الزيارة على الرغم من قصر مدتها التي لم تتجاوز اليومين، تم التباحث فيها حول شتى المجالات والقضايا التي تحضى باهتمام مشترك يين البلدين كما وقعت بعض الاتفاقيات التي من شأنها أن تنهض بالبلدين الشقيقين من النواحي الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والثقافية بل حتى النواحي السياحية. زيارة رفيعة المستوى كهذه تدل على أن الحكومتين يريدان إقامة علاقات ثنائية تفيد البلدين معا، خصوصا بعد زيارة صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه لإيران في اواخر العام الماضي.

لست أدري لماذا يتوجس البعض خيفة من زيادة العلاقات بين مسقط وطهران، على الرغم من أن هذه العلاقات ليست وليدة اللحظة، بل هي علاقات وطيدة منذ بداية النهضة المباركة للسلطنة، بل ربما هي من قبل هذا التاريخ بكثير. ولقد أكدت سياسة صاحب الجلالة في التعامل مع المحيط الاقليمي كفاءتها من حيث فائدتها على الشعب العماني، كما أنها ساهمت كثيرا في حل بعض التوترات في المنطقة.                                     

ما يهمنا الآن هو كيف نستغل هذا التطور في العلاقات بين البلدين بأحسن استغلال، فإيران دولة لها ثقلها ووزنها في المنطقة، كما أنها تطورت كثيرا من الناحية التكنولوجية والعلمية والثقافية في الآونة الأخيرة تطورا شهد به العدو قبل الصديق. فعلى سبيل المثال، ما ينشر الآن من أن إيران تريد إرسال مفاعل نووي إلى جامعة السلطان قابوس لغرض التجربة والتعليم هو أمر جيد جدا، فلا بأس من أن نستفيد من تجارب الآخرين ونتعلم منها لغرض البحث العلمي ليس إلا، فتكون لنا خبرة في هذا المجال.

إقامة برنامج سنوي لتبادل الطلاب بين جامعات إيران وجامعة السلطان قابوس، سوف يساهم في تطوير المستوى العلمي للطلاب في البلدين. بالإضافة إلى برامج بعثات تعليمية لطلاب الدبلوم العام إلى الجمهورية الإسلامية في إيران في مختلف التخصصات. وزيارات تستهدف الكادر التعليمي إلى إيران.

انتقالا إلى الجانب السياحي، فإن التقارب يين ضفتي الخليج الفارسي - كما يسميه الإيرانيون - سوف يؤدي إلى تنشيط السياحة في البلدين معا، فإنه سوف يؤدي إلى جذب السياح، كما سيساهم في عملية الاستثمار السياحي خصوصا وان السلطنة وإيران لهما مقومات سياحية متنوعة من قبيل السياحة العلاجية والسياحة الدينية والتراثية وغيرها.

وأخيرا، فإن صح ما نشر عن مشروع لإنشاء جسر يربط بين البلدين عن طريق مضيق هرمز (رغم نفي الجانب العماني هذا الأمر)، فإنه سوف يساهم كثيرا في الجذب السياحي، وسوف يشجع رجال الاعمال من كلا البلدين للاستثمار في البلد الآخر مما سيساهم في عملية التنمية الاقتصادية للبلدين.


د. رضا بن عيسى اللواتي

مسقط – سلطنة عمان

2016/03/02

أعط دما وأنقذ حياة

أعط دما وأنقذ حياة

نشر في مجلة شرق غرب في العدد التاسع - فبراير 2016



تتجدد بين الحين والآخر نداءات بنوك الدم في السلطنة باحثة عن قطرات من دم قد تساعد في إنقاذ حياة مصاب في حادث مروري أو مريض بالثلاسيميا، أو آخر أجريت له عملية جراحية استنزف أثناءها الكثير من دمه. ولتحقيق هذا الهدف النبيل، تقوم بنوك الدم في السلطنة بالعديد من الحملات في مختلف أنحاء البلاد تهدف إلى توعية المجتمع بأهمية وضرورة التبرع بالدم. وعلى الرغم من أن معظم هذه الحملات تلقى إقبالا ملحوظا وتجاوبا لا بأس به من المواطنين والمقيمين، ولكن يبدو أنها لا تحقق الهدف المنشود، إذ لا تزال هذه البنوك تعاني من نقص في مخزونها من كميات الدم، وبحاجة ماسة إلى المزيد من الدم لتلبية الإحتياجات المتزايدة لاسيما في الحالات الناتجة عن حوادث المركبات التي تتسبب في إصابة عدد كبير من الأشخاص.

ولاشك أن وزارة الصحة بالتعاون مع مستشفى جامعة السلطان قابوس وغيرها من المؤسسات الصحية التابعة لمختلف القطاعات في الدولة تبذل جهودا مشكورة من أجل ضمان توفير الكميات المطلوبة من الدم ووضع آليات سلسة للتبرع والفحص والتخزين والتوزيع من خلال إنشاء بنوك دم متعددة في جميع أنحاء السلطنة، حتى تسهل عملية إيصال الدم إلى المستشفيات في مختلف ولايات ومحافظات السلطنة. وقد خلصت دراسة نُشرت في العام 2010م في المجلة الأسيوية لعلوم نقل الدم، أن السلطنة كونت نظاما ممتازا يعد الأفضل في المنطقة من حيث نقل الدم الآمن بعد إجراء الفحوصات عليه والتأكد من خلوه من الأمراض المعدية، ومن ثم نقله إلى المريض، وكل ذلك عن طريق التبرع بالدم التطوعي من قبل المواطن أو المقيم. ولا يخفي أن بدايات عملية التبرع بالدم كانت تتم بمقابل مادي أو هدايا عينية لتشجيع المجتمع على التبرع بالدم.

قد يتساءل البعض، لماذا هذا التركيز المستمر على التبرع بالدم، ولماذا هذه الحملات الكثيرة والتطوعية من أجل حث الناس على التبرع بالدم، وما هي فوائد التبرع بالدم؟. وكذلك تساؤل عن أسباب محدودية الدم الموجود في بنوك الدم والنقص المستمر في الدم على الرغم من هذه الحملات؟. وفي هذه المقالة سوف أحاول الرد على بعض هذه الأسئلة، والحديث عن هذا الموضوع بإسهاب.

قبل الشروع في الحديث عن التبرع بالدم، لا بأس من أن نعرف ما هي مكونات الدم وسيكون ذلك مدخلا مهما لموضوع هذه المقالة. الدم عبارة عن سائل أصفر اللون يسمى البلازما (Plasma)، ويحتوي هذا السائل على بروتينات، هرمونات، أجسام مضادة، بالإضافة إلى كريات الدم الحمراء التي تحتوي على الأكسجين وكريات الدم البيضاء والصفائح الدموية. ومصدر كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية هو نخاع العظم.

بعد أن تعرفنا على مكونات الدم، نأتي للسؤال الأهم، وهو لماذا نتبرع بالدم؟. وللإجابة على هذا السؤال، استعنت بموقع منظمة الصحة العالمية (WHO)، فوجدت فيه جوابا أرى أنه هو الأنسب والأكثر دقة. تقسم منظمة الصحة العالمية المحتاجين إلى الدم إلى عدة أقسام، أولا: ضحايا الحوادث سواء أكانت حوادث السيارات أو ضحايا الحروب والدمار والكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى اللذين تجرى لهم عمليات جراحية يكون فيها نزيف الدم كثيرا، وكذلك النساء الحوامل اللواتي يواجهن مضاعفات خطيرة في حملهن، وتشترك هذه الشريحة من الحالات بوجود نزيف شديد للدم يستدعي تبرعا بالدم. ثانيا: مرضى الثلاسيميا وأنيميا الخلايا المنجلية وهم من أكثر المرضى المحتاجين إلى عمليات نقل الدم، بسبب حاجتهم المستمرة لها، بسبب الخلل الحاصل في جيناتهم الوراثية المسؤولة عن انتاج الهيموجلوبين. وكما هو معلوم فإنه لا يمكن تخزين الدم لفترات طويلة، فيلزم التبرع المستمر حتى تتم تغطية النقص الحاصل فيه.

ولا نغالي إذا قلنا أن كل قطرة دم قد تنقذ حياة إنسان، إلا أن المتبرع بالدم أيضا ينال ثواب كرمه في الدنيا قبل الآخرة. إن أول فائدة وأهم فائدة يجنيها المتبرع بالدم هو حصوله على فحص اكلينيكي مجاني، أي فحص الضغط ودقات القلب وغيرها، ثم يطمئن على أن نسبة الهيموجلوبين في دمه طبيعية من خلال فحص عينة من الدم المتبرع به، بالإضافة إلى فحص العينة للتأكد من خلوها من الأمراض المعدية. كما أن عملية التبرع بالدم تفيد في تنشيط الدورة الدموية حيث يقوم نخاع العظم بالعمل على إعادة ما فقده الإنسان بعد عملية التبرع بالدم. كما يتم إعادة التوازن إلى كمية الحديد الموجودة في الجسم بعد عملية التبرع، وهذا الأمر مفيد جدا لصحة الإنسان.
قد يتسائل البعض، متى يُعوض الدم المفقود؟، كما أسلفنا سابقا بأن الدم ينقسم إلى عدة أقسام، فالسائل البلازمي يتم تعويضه مباشرة خلال 12-72 ساعة، بينما يتم تعويض البروتينات الموجودة في الدم خلال 3-4 أيام، أما كريات الدم الحمراء فإنها تأخذ 120 يوما أي 4 شهور تقريبا لأجل تعويضها، ولذلك لا يُنصح بالتبرع بالدم إلا كل 4 شهور.

وفي السلطنة، تنظم الجهات المعنية سلسلة من الحملات التطوعية التي تقام بين فترة وأخرى من أجل نشر ثقافة التبرع بالدم. وما عنوان المقالة إلا شعارا لإحدى هذه الحملات التي قامت في هذا المجال والتي ساهمت بشكل أو بأخر بزيادة عدد المتبرعين بالدم ولو جزئيا. ووفق إحصائية نشرتها وزارة الصحة العمانية في كُتيب إحصائياتها السنوي لعام 2014م تفيد بأنه قد زاد عدد المتبرعين بالدم بين عامي 2012 و2014م، ولكن على الرغم من ذلك فإن العدد لا يزال قليلا إذا ما قورن بالوحدات التي يتم رفضها بسبب الأمراض المعدية أو بسبب نقص في الهيموجلوبين لدى المتبرع المفترض.

فالرقم ]57.750[ وهو عدد المتبرعين خلال الفترة المذكورة هو رقم متدني بالمقارنة بعدد سكان السلطنة والذي كان يقارب الـ 4 ملايين نسمة وفق إحصائية عام 2014م، والمأمول هو بذل المزيد من الجهد لزيادة عدد المتبرعين في كل عام، لنصل إلى النتيجة المرجوة والعدد الكافي من وحدات الدم القادرة على سد النقص الحاصل في مختلف محافظات السلطنة.

ومن أجل تحليل هذا الوضع، ومعرفة أسباب عزوف البعض عن تلبية هذا النداء الإنساني في السلطنة سواء المواطن أو المقيم، قمت بالبحث عن ما إذا ما كانت قد أجريت دراسات لتقييم الوضع، ولماذا لا يقوم الناس بالتبرع بالدم بشكل منتظم، إلا أنني وللأسف الشديد لم أجد إجابة شافية لتساؤلاتي. لكني وجدت دراسة أجريت في المملكة العربية السعودية، والتي من الممكن أن تقدم بعض الإجابات على هذا السؤال.

ذكرت هذه الدراسة السعودية والتي أجريت تحت عنوان "وعي مجتمع المناطق الوسطى من السعودية بالتبرع بالدم" والتي نُشرت في المجلة الدولية للطب الباطني في عام 2014م، حيث أجريت فيها مقابلات مع قرابة 470 شخصا من كلا الجنسين. وحسب الدراسة فإن حوالي 50% من هؤلاء قد سبق لهم التبرع بالدم، بينما أجاب الباقي بأنهم لم يتبرعوا، وذلك أما بسبب ضيق الوقت أو بسبب الخوف من مضاعفات التبرع بالدم. وأرجعت الدراسة التعذر بسبب ضيق الوقت والذي كان رد غالبية الذكور الذين شملتهم الدراسة، أرجعته إلى طبيعة المجتمع السعودي واستحواذ الوظيفة والعائلة على معظم وقت الرجل، مما لا يترك المجال للذهاب إلى مراكز التبرع. أما بالنسبة للإناث فقد ذكرت الدراسة سببين أساسيين لعزوفهن عن التبرع بالدم، الأول هو عدم قدرتهن على قيادة السيارات لمسافة طويلة وذلك بسبب القوانين المعمول بها في المملكة، والسبب الثاني هو خوفهن من إصابتهم بنقص في الدم.

وإذا إستحضرنا الأسباب المذكورة، وحاولنا إسقاطها على الحالة في السلطنة، نجد بأن معظمها ينطبق عليها أيضا، عدا عدم القدرة على قيادة السيارة بالنسبة إلى النساء. فالخوف من عملية التبرع بالدم نفسه أو الخوف من الآثار الجانبية للتبرع يبدو لي من خلال طبيعة عملي واحتكاكي بالمرضى وأهاليهم ومعارفهم أنه أحد الأسباب الرئيسية لعزوف الناس عن التبرع بالدم في عمان. كذلك فإن التعذر بضيق الوقت بالنسبة للرجال بالفعل يشكل عائقا أمام سلاسة حركة التبرع بالدم في السلطنة. ويمكن أن نضيف إلى تلكم الأسباب سببا آخر ألا وهو إنتشار أمراض الدم الوراثية ومرض ضغط الدم والسكري عند الكثير من المواطنين والمقيمين والتي لا تسمح لهم بالتبرع بالدم.

وأستخلصت الدراسة المذكورة أعلاه إلى وجوب العمل على إقامة ندوات تعريفية وحملات دعائية حول التبرع بالدم، لجذب أكبر عدد من المتبرعين بالدم وسد النقص الحاصل. وهذا الأمر الذي نشاهده في سلطنة عمان كثيرا، من خلال الحملات التوعوية التي تنظمها الجهات المعنية في مختلف محافظات وولايات السلطنة بهدف إجتذاب أكبر عدد من المتبرعين  ومن ثم الحصول على أكبر كمية ممكنة من الدم. كذلك فإن وحدات التبرع بالدم المتنقلة التي تزور المتبرع في مكان عمله لم تدع لعامل ضيق الوقت مبررا مقبولا لتلبية هذا النداء النبيل.

من هذا المنبر، أوجه دعوة عامة لجميع أبناء الوطن والمقيمين على أراضيه بضرورة التبرع بالدم بين فترة وأخرى، حتى نكون عونا للمرضى والمحتاجين لنقل الدم في كل وقت وآن. كما أتمنى من المختصين إجراء بعض الدراسات لاستكشاف المزيد من أسباب ضعف الإقبال على التبرع بالدم في السلطنة، حتى تقدم على أساس نتائجها الحلول والمقترحات المناسبة لضمان إستمرارية الحياة للمحتاجين لهذا السائل الثمين.

2015/05/31

من أجل عمان

من أجل عمان
لا يكاد يمر علينا يوم من دون أن نسمع بتفجير إرهابي في مكان ما من أرضنا العربية الإسلامية الغالية، حتى نُفاجأ بتفجير إنتحاري آخر في أرض عربية أخرى، وكأنما قد قُدر لنا أن نعيش وسط الانفجارات والحروب والويلات. ما خلفه “الربيع العربي” على الأمة العربية والأمة الإسلامية من مصائب ومحن لا يخفى على أحد أبدا، والناجي الوحيد من مخلفات هذا “الربيع” هو من استطاع أن يُبعد نفسه ويعزلها عن هذه الفتن التي يمر بهذا الإقليم.
مثل هذه الأحداث المأساوية حدثت في زمن غابر، في عصور وسطى، وُصفت لاحقا بعصور الظلام، في القارة الأوروبية، وتصارع الناس هناك باسم الدين وباسم المسيحية، فهذا بروستانتي وهذا كاثوليكي، وكلاهما لا يتفقان في الاعتقاد والطريقة والمنهج، فاختلفوا فكريا ثم سياسيا، ومن ثم انتهج الفريقان طريق الذبح والحرب، حتى قُتل منهم الكثير والكثير، وأغلب من قُتل لا ناقة له ولا جمل فيما يحصل، ولما تيقن الجميع أن الدين طريق للعيش وليس طريقا للموت والقتل، انتهت الحروب الدائرة، حتى وصلوا إلى ما هم عليه الآن.
عصور الظلام في أوروبا انتقلت إلينا بعد عدة قرون، وها هي نبوءة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تتحقق حينما قال: “لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع”، وها نحن نعيش عصور الظلام باسم الدين والإسلام، والإسلام بريء مما يحصل. فهذه الحروب قد أهلكت الحرث والنسل ولا زالت تُهلك منهم الكثير، وليس هنالك من معتبر.
لقد أقبلت الفتن إلينا كقطع الليل المظلم، تبتلع برياحها العاتية الأخضر واليابس، ولأجل أن نجابه هذه الفتن ونتحداها، علينا أن نتحد ونقف صفا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، هنا في عمان، التي ما زالت عصية على التطرف والتعصب والغلو منذ الأزل، لأنها تمسكت بمبادئ التسامح والرحمة التي جاء بها الإسلام، واتحد أبناء الشعب العماني، بجميع قبائله، وأطيافه، ومناطقه تحت راية واحدة، لم تفرقهم الشحنات الطائفية، والأراء الفكرية، والتجاذبات السياسية.
عندما نشأت عمان الحديثة، أراد صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه لهذه الدولة أن تستمر فأعلنها مدوية: “إن المجتمعات التي تتبنى فكرا يتصف بالتشدد والتطرف والغلو إنما تحمل في داخلها معاول هدمها ولو بعد حين”، ثم اتبعها – أيده الله – : “إن التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبا، ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشقاق”.
وإننا كمواطنين في هذه الأرض الطيبة، يجب علينا أن نستفيد مما جرى في العالم المحيط بنا، وأن نوحد جهودنا من أجل تطوير عمان، والمضي بها قدما والحفاظ على إنجازاتها، فأباؤنا وأجدادنا تعبوا من أجل أن تصير عمان كما هي اليوم، ويجب علينا أن لا نضيع جهودهم هباءً. لقد كنا صفا واحدا أثناء بطولات الرياضة، باختلاف مشاربنا وقُرانا وقبائلنا وأفكارنا، كنا يدا واحدة في تشجيع منتخباتنا الوطنية، والدفع بهم في المسابقات الرياضية، ولكننا الآن أحوج إلى أن نكون يداً واحدة في السراء والضراء، لحماية بلادنا الحبيبة، وشعبها الوفي من الفتن والحروب وويلاتهما.
لقد ضرب شعب عمان أروع الأمثلة في التسامح والمحبة والألفة والتعاون، حتى صار يُضرب المثل بعمان في كل محفل ومجلس وقناة تتحدث عن التسامح بين المسلمين أنفسهم، وبين المسلمين وغيرهم، ولذا لا يجب أن تفرقنا أفكارنا ومذاهبنا وأراءنا، ويجب أن يكون الوطن فوق كل هذا وذاك، فحب الوطن من الإيمان، والدفاع عنه جهاد.
إذاً، لنبقَ كما كنا، أخوة في الدين والوطن، يدا واحدة ضد التطرف والإرهاب والغلو، لا يفرقنا شيء، حتى تأمن عمان ويأمن الشعب العماني من ريح التعصب والتطرف النتنة، ويأمن هذا الشعب الطيب من الفتنة، فكما يقول الله تعالى في القرآن الكريم: “والفتنة أشد من القتل” وقال تعالى في موضع آخر: “والفتنة أكبر من القتل”.

2015/03/28

23 مارس.. طعم آخر



    23 مارس.. طعم آخر


    "السلطان قابوس يعود إلى مسقط بعد رحلة علاجية في جمهورية ألمانيا الاتحادية". هكذا عنونت معظم الصحف المحلية والعالمية صفحاتها الرئيسية، واحتفى واحتفل الجميع بعودة السلطان قابوس - حفظه الله - إلى أرض عُمان الطيبة. لم يكن أبناء عُمان الأوفياء هم الوحيدون الذين احتفلوا بعودة قائد مسيرة التنمية إلى أرض الوطن، بل كان الشعب العربي كله يحتفل معهم. فمن جدة والرياض في المملكة العربية السعودية، إلى أبوظبي ودبي في الإمارات العربية المتحدة، إلى أطفال غزة في فلسطين المحتلة، رفع الإخوة في الوطن العربي أعلام السلطنة وصور جلالة السلطان قابوس - أبقاه الله - عالية خفاقة. لا تسأل عن حال أبناء عمان الأوفياء حين علموا بقدوم صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى أرض الوطن، فهم قد انتظروا ثمانية أشهر حتى يعود، وهذه المدة الطويلة قد تُنسي المرء أعز ما يملك، لكن الشعب العماني الوفي لم ولن ينسى من أعاد النور إلى عمان وأخرجها من الظلام.
    لقد كان يوم 23 مارس يومًا مميزًا بحق، فكما رددنا نشيد الولاء للسلطان والوطن في 23 يوليو "أبشري قابوس جاء" رددناه معًا بصوت واحد في 23 مارس، ومن لم يكن موجوداً قبل 45 عاماً، هاهو اليوم يشاهد ويتابع ما جرى في ذلك الوقت، وكأن الزمن يكرر نفسه، ولكن السلطان واحد والشعب واحد.
    لقد بدأت مسيرة النهضة المباركة منذ عام 1970م، وهي تسير إلى يومنا هذا، ولا يجب أن تتوقف أبدًا، وعلينا ألا نسمح للأيدي العابثة والمخربة بأن تعيش بين ظهرانينا، وما يحصل في دول الجوار خير شاهد على ما أقول، وقد قالها حكيم العرب - حفظه الله - سابقًا في العيد الوطني الـ24 المجيد: "إنّ التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العُمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبًا، ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشقاق".
    الصغار والكبار، الرجال والنساء، الكل استقبل قائد البلاد المفدى - أيده الله -، والجميع شارك ولو بكلمة بسيطة في تحية القائد المفدى، ورفع أبناء عمان أكف الدعاء إلى الله - عزّ وجلّ - بأن يحفظ قائد هذه البلاد ويبقيه لعمان وشعب عمان.
    وكما كنّا نرددها صغارًا في المدرسة، سوف نرددها الآن وفي جميع الأيام: "وليدم مؤيدًا .. عاهلاً ممجدًا .. بالنفوس يفتدى".

    نشرت في جريدة الرؤية