2015/03/28

23 مارس.. طعم آخر



    23 مارس.. طعم آخر


    "السلطان قابوس يعود إلى مسقط بعد رحلة علاجية في جمهورية ألمانيا الاتحادية". هكذا عنونت معظم الصحف المحلية والعالمية صفحاتها الرئيسية، واحتفى واحتفل الجميع بعودة السلطان قابوس - حفظه الله - إلى أرض عُمان الطيبة. لم يكن أبناء عُمان الأوفياء هم الوحيدون الذين احتفلوا بعودة قائد مسيرة التنمية إلى أرض الوطن، بل كان الشعب العربي كله يحتفل معهم. فمن جدة والرياض في المملكة العربية السعودية، إلى أبوظبي ودبي في الإمارات العربية المتحدة، إلى أطفال غزة في فلسطين المحتلة، رفع الإخوة في الوطن العربي أعلام السلطنة وصور جلالة السلطان قابوس - أبقاه الله - عالية خفاقة. لا تسأل عن حال أبناء عمان الأوفياء حين علموا بقدوم صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى أرض الوطن، فهم قد انتظروا ثمانية أشهر حتى يعود، وهذه المدة الطويلة قد تُنسي المرء أعز ما يملك، لكن الشعب العماني الوفي لم ولن ينسى من أعاد النور إلى عمان وأخرجها من الظلام.
    لقد كان يوم 23 مارس يومًا مميزًا بحق، فكما رددنا نشيد الولاء للسلطان والوطن في 23 يوليو "أبشري قابوس جاء" رددناه معًا بصوت واحد في 23 مارس، ومن لم يكن موجوداً قبل 45 عاماً، هاهو اليوم يشاهد ويتابع ما جرى في ذلك الوقت، وكأن الزمن يكرر نفسه، ولكن السلطان واحد والشعب واحد.
    لقد بدأت مسيرة النهضة المباركة منذ عام 1970م، وهي تسير إلى يومنا هذا، ولا يجب أن تتوقف أبدًا، وعلينا ألا نسمح للأيدي العابثة والمخربة بأن تعيش بين ظهرانينا، وما يحصل في دول الجوار خير شاهد على ما أقول، وقد قالها حكيم العرب - حفظه الله - سابقًا في العيد الوطني الـ24 المجيد: "إنّ التطرف مهما كانت مسمياته، والتعصب مهما كانت أشكاله، والتحزب مهما كانت دوافعه ومنطلقاته، نباتات كريهة سامة ترفضها التربة العُمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبًا، ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشقاق".
    الصغار والكبار، الرجال والنساء، الكل استقبل قائد البلاد المفدى - أيده الله -، والجميع شارك ولو بكلمة بسيطة في تحية القائد المفدى، ورفع أبناء عمان أكف الدعاء إلى الله - عزّ وجلّ - بأن يحفظ قائد هذه البلاد ويبقيه لعمان وشعب عمان.
    وكما كنّا نرددها صغارًا في المدرسة، سوف نرددها الآن وفي جميع الأيام: "وليدم مؤيدًا .. عاهلاً ممجدًا .. بالنفوس يفتدى".

    نشرت في جريدة الرؤية

    2015/03/23

    من أصداء معرض الكتاب

    من أصداء معرض الكتاب


    قبل مدة قليلة إنتهت أهم تظاهرة ثقافية في السلطنة، ألا وهي معرض مسقط الدولي للكتاب بدورته الـ20. هذا المعرض الذي يُعد عرسا ثقافية ضخما – إن صح التعبير – له من الأثر في نفوس القراء والكتاب الكثير، فالكل ينتظر هذا العرس الثقافي، والكل يستعد له قارئا كان أم كاتبا، أو حتى زائرا مطلعا. معرض هذا العام تميز بعدة جوانب، وكانت هناك بعض السلبيات التي سوف نستعرض بعضا منها في هذا المقال. ولكن قبل أن نبدأ، يجب أن نوجه من هذا المنبر الشكر والتقدير لكل من ساهم في إنجاح فعاليات هذا المعرض، وإظهاره بهذه الصورة المشرفة. ونتمنى أن تستمر هذه الجهود الطيبة في الأعوام المقبلة، ليخرج لنا المعرض بحلة أبهى وصورة أجمل.

    من الأمور التي استحسنها الزوار هذا العام، هي الفعاليات الثقافية المتنوعة التي أقيمت على هامش المعرض، والتي لاقت ترحيبا من الطبقة المثقفة في السلطنة، بل ولاقت استحسانا واسعا من القراء أيضا. هذه الفعاليات من قبيل الندوات والحوارات التي أقيمت، تعطي انطباعا وتأثيرا إيجابيا لدى المتلقي، الذي يهمه أن يتعرف على مجريات الساحة الثقافية في السلطنة ومنطقة الخليج العربي. وقد استمتعنا واستفدنا في الوقت نفسه من تلكم المحاضرات والندوات الشيقة. وإنه لمن دواعي السرور أن نشاهد مثل هذه الفعاليات تقام في أيام المعرض، بل ونتمنى أن تُقام في أوقات أخرى من السنة، وأن لا تكون حكرا على المعرض فحسب.

    تنوع دور النشر الحاضرة وزيادة عددها عن الدورة الماضية يعطي إنطباعا إيجابيا عن المعرض، ويوحي بأن دور النشر في العالم تسعى إلى الحضور والتسابق في إبراز أحدث إصداراتها للطبقة القارئة والمثقفة في السلطنة. ولكن هنالك نقطة يجب ملاحظتها، وهي أن توقيت معرض مسقط الدولي للكتاب يتزامن مع معرض آخر في دولة شقيقة، وهذا الأمر يؤدي إلى أن العديد من دور النشر تحزم أمتعتها مبكرا لتذهب إلى هذا المعرض ربما لزيادة الإقبال على المعرض في تلكم الدولة، وهذا ما شاهدناه ولمحناه في أخر يومين من أيام المعرض، حيث ذكر لنا بعض البائعين في معرض مسقط، بأنهم استعدوا وأرسلوا ما تبقى من الكتب إلى معرض الدولة الشقيقة، فلم نجد لها أثرا عندنا. فيا حبذا لو تمت ملاحظة هذه النقطة من قبل القائمين على المعرض.

    وفي هذا الصدد رأينا دور النشر تحزم أمتعتها وتخلي معارضها في منتصف اليوم الأخير، وإذا ما سألناهم عن الكتب، قالوا بانهم قد أنهوا أعمالهم في مسقط وسوف يعودون أدراجهم، رغم وجود إعلانات دورية في اليوم الأخير عن السماح لدور النشر بحزم أمتعتها بعد انتهاء المعرض وإلى يومين أو ثلاثة ما بعد المعرض، مما أدى إلى قلة المعروضات في اليوم الأخير، الأمر الذي يتكرر كل عام تقريبا.

    هذا العرس الثقافي المميز يستقطب طبقة كبيرة من الزوار، وفي كل عام نلاحظ ازدياد عدد الحضور إلى هذا المعرض ولكن تبقى المشكلة نفسها قائمة في كل عام، ألا وهي شح المواقف وتعطل الزوار لفترة طويلة من أجل البحث عن موقف، ولكن نلاحظ هذه السنة بأن المواقف قد نقصت، ربما لتغيير أماكن القاعات.
    في هذا العام أيضا، رأينا زيادة مؤلفات الكُتاب العمانيين وهذا الأمر في حد ذاته إيجابي ومفيد للساحة الثقافية المحلية، ورأينا أيضا اهتماما بالمؤلفين الشباب، كما شاهدنا إصدارات صوتية وهي ظاهرة جديدة لم تكن في السابق، وهو تقدم إيجابي وتطور ملحوظ للساحة الثقافية العمانية.

    ختاما، فإن هذا العرس الثقافي، أهم تظاهرة ثقافية في السلطنة، ولذلك لابد من بذل الجهود الممكنة لتطويره وتنويع فعالياته أكثر من ذي قبل، بل ودعوة دور نشر أخرى وبالخصوص الأجنبية منها. ومن هذا الوقت إلى العام القادم، فإننا سنكون بانتظار الدورة الـ21 من المعرض، لتظهر لنا بصورة أفضل، وفعاليات أكثر، وتخطيط أجمل.


    د. رضا بن عيسى اللواتي
    مسقط – سلطنة عمان

    2015/01/25

    البحث العلمي في عُمان .. بين الواقع والمأمول

    البحث العلمي في عُمان ..

    بين الواقع والمأمول

    لا يخفى على أحد منا دور البحث العلمي في تطور المجتمعات البشرية ورُقيها، حيث أنه من خلاله يتم إيجاد وسائل وحلول للمشاكل التي تعاني منها هذه المجتمعات، بالإضافة إلى أنه يساعد في وضع الاستراتيجيات والخطط الملائمة لقيادة هذه المجتمعات إلى الإزدهار والتنمية. ونظرا لأهميته الكبرى فإن الدول المتقدمة تعطي هذا المجال اهتماما كبيرا من حيث تسليط الضوء عليه وتدريب الطلاب الجامعيين والأكاديميين ليكونوا باحثين وليس مجرد طلاب أو معلمين، بالإضافة إلى تخصيص الدعم المادي الكبير لهذا القطاع.
    أما على صعيد مجتمعاتنا العربية فإنه لا يختلف اثنان على وجود فجوة كبيرة وهوة عميقة في منظومات البحث العلمي في عالمنا العربي فيما لو قارناه بالعالم المتقدم شرقا اتجهنا أو غربا، ولو تعمقنا قليلا في الإحصائيات التي أًجريت في مختلف الدول العربية حول البحث العلمي فيها، لاتضح لنا حجم الهوة العميقة التي بيننا وبين دول العالم الأول في هذا المجال من جهة، وبُعد الجانب النظري من الأبحاث التي تجري في دولنا العربية عن الجانب التطبيقي من جهة أخرى، مما أوجد فجوة إضافية ساهمت في تدني المستوى العلمي والبحثي في الوطن العربي.
    وقبل الدخول في صلب الموضوع، والحديث عن واقع البحث العلمي في السلطنة، من المفيد أن نتعرف إلى معنى البحث العلمي، وفي هذا المضمار يقول بعض الباحثين إن البحث العلمي هو "محاولة لاكتشاف المعرفة، والتنقيب عنها، وتطويرها وفحصها، وتحقيقها بتقص دقيق ونقد عميق ثم عرضهاً عرضاً مكتملاً بذكاء وإدراك لتسير في ركب الحضارة العالمية وتسهم فيه إسهاماً حياً شاملاً". ويقول آخرون بأن البحث العلمي هو عبارة عن  "أسلوب للتفكير المنظم، ذلك الأسلوب الذي يعتمد على الملاحظة العلمية والحقائق والأرقام في دراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية دراسة موضوعية بعيدة عن المؤثرات والميول الشخصية أو الاتجاهات التي تمليها المصالح الذاتية".
    وما كان لهذه الحقيقة أن تغيب عن ذهن صاحب الجلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه – وهي يخطط لمستقبل هذا البلد العزيز، فقد كان سبّاقا إلى الدعوة إلى ذلك فقال في إحدى كلماته: "عندما نصل بالتعليم إلى الدرجات العليا فنحن مطالبون بأن نضيف إلى تلك المعارف معارف جديدة، أن نبحث، نستنبط، أن نفكر، أن نتدبر، وعلينا أيضًا أن نصحح معارف من سبقنا لأنه في كثير منها نظريات والنظريات تكون متجددة، فلا نقول أن ما وصلوا إليه في الماضي هي المعرفة، لا، المعرفة ليست مطلقة، المعرفة متجددة".
    أهمية البحث العلمي:
    وبالعودة إلى أهمية البحث العلمي، فإننا نجد أن البحث العلمي يقدم حلولا لمشكلات كثيرة تعاني منها المجتمعات البشرية، سواء أكانت هذه المشكلات معضلات علمية لم يتم فك رموزها، أو مشاكل وصعوبات اجتماعية واقتصادية، بل وحتى العلاقات السياسية بين الدول يتم تطويرها أو الوقوف عليها أوتقديم النصائح والتوصيات في شأنها عن طريق البحث العلمي.
    والحقيقة إن أهمية البحث العلمي تزداد بشدة إذا تناول واقع المجتمع الذي يتم دراسته، حين يضع الباحث مشاكل مجتمعه وهمومه في أولويات بحثه، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كلنا نعلم أن السلطنة تعاني من تصاعد نسبة الحوادث المرورية بشكل كبير للغاية، كما تواجه السلطنة مشكلة أخرى تتمثل في معاناة عدد لا بأس به من أفراد المجتمع من أمراض الدم الوراثية، فلو ركز الباحثون على إيجاد حلول لهذه المشاكل فإن استفادة المجتمع العماني من البحث العلمي ستكون كبيرة، وهذا الأمر الذي سوف ينعكس ايجاباً على مستقبل الدراسات التي سوف تجرى في هذا المجال، لأنها تلامس واقعا حياً ومشكلة يعاني منها المجتمع العماني. كذلك فإن إجراء ابحاث ودراسات حول الآثار التاريخية التي تنتشر في ربوع السلطنة، سيرفد المكتبة العلمية العمانية بكمٍ هائل من الدراسات والأبحاث، ستفيد الباحثين حول تاريخ المنطقة لا سيما تاريخ السلطنة الذي يمتد عمره إلى الآف السنين.
    من هنا يصبح من مسؤولية الباحث أن يهتم أكثر وأكثر بواقع مجتمعه وينغمس أكثر في قضاياه وهمومه ومشاكله، حتى يقدم حلولا دقيقة وجذرية للمشاكل التي يعاني منها هذا المجتمع. وما البحث الذي أجراه أحد الباحثين العمانيين حول دوباس النخيل والذي يتسبب في تلف أشجار النخيل إلا مثالا على مصداقية ما نقول، حيث تمكن هذا الباحث من الوصول إلى بعض الحلول لهذا الوباء، وبالتالي المساهمة في القضاء عليها، الأمر الذي ساهم في زيادة انتاجية أشجار النخيل.
    كما أن على الباحثين استغلال الظواهر الإيجابية في المجتمع العماني، والعلاقات الاجتماعية، وإجراء الدراسات والأبحاث والإحصائيات في هذا المجال، لتطوير هذه الظواهر وتحسين العلاقات الاجتماعية ومعرفة أسباب قوة العلاقات الاجتماعية في السلطنة رغم اختلاف العادات والتقاليد لبعض منها، واختلاف المناطق واللهجات أحيانا.
    واقع البحث العلمي في العالم العربي وسلطنة عمان:
    لو أجرينا مقارنة بين ما تنفقه الدول العربية مجتمعة في مجال البحث العلمي وما تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال لوحدها، لوجدنا أن ما تنفقه الدول العربية لا يساوي 1 إلى 120 من حجم الإنفاق في الولايات المتحدة، وأن ما تخصصه الجامعات العربية للبحث العلمي لا يتجاوز الـ1%، بينما نجد أن ما تنفقه الجامعات الامريكية للبحث العلمي يصل إلى 40% من مجموع انفاقها (1). أما نسبة إنفاق السلطنة على البحث العلمي فإنه يبلغ أقل من 1% من الناتج الإجمالي المحلي وذلك حسبما ورد في إحصاءات اليونسكو، وهي تتقاطع مع التي أشارت إليها إحصائيات وزارة الاقتصاد الوطني لعام 2000م (2).
    وقد أجريت دراسة في عام 2002 تتحدث عن اتجاهات البحث التربوي في السلطنة وذلك من خلال تحليل رسائل الماجستير والدكتوراه التي أعدها باحثون عمانيون، وقد وجدت هذه الدراسة أن عدد الأبحاث طوال الـ 40 سنة الماضية من العام 1970م إلى العام 2002م لم يتجاوز الـ260 بحثا فقط، تناولت مجالات التعليم في السلطنة، وإن كانت هذه الدراسة قد لاحظت زيادة في أعداد الأبحاث مع مرور السنوات (1). وإذا ما قمنا بتحليل دقيق لهذه الإحصائية سنجد أن هذا العدد ضيئل جدا حتى لو قارناه بدول الجوار، على الرغم من الجهود التي تبذلها جامعة السلطان قابوس في هذا المجال منذ افتتاحها عام 1986م.
    والملاحظ أيضا أن البحث العلمي يعتمد بشكل أساسي في السلطنة بشكل خاص وفي الوطن العربي بشكل عام على الدعم الحكومي، في حين لا يتجاوز التمويل الحكومي للبحث العلمي في كندا 40%، و30% في الولايات المتحدة الأمريكية وأقل من 20% في اليابان، وهذا الأمر يشكل تحدٍ كبير لهذا القطاع الناشئ في السلطنة.
    من جهة أخرى ذكر تقرير منظمة اليونسكو في عام 2003م أن سلطنة عمان واليمن ودولة الإمارات العربية المتحدة تشارك مجتمعة بما نسبته 0.008% من المقالات العلمية المنشورة في المجلات البحثية المتخصصة، أما مملكة البحرين بمفردها فإنها تشارك بما نسبته 0.01% من المقالات العلمية المنشورة في المجلات البحثية المتخصصة، وتشارك المملكة العربية السعودية بنسبة 0.1% من هذه المقالات، أي أننا لم نصل حتى إلى مستوى دول الجوار في النشر العلمي.
    ولاشك أن جامعة السلطان قابوس التي تضم تسعة مراكز بحثية وهي: مركز أبحاث النفط، مركز الدراسات العمانية، مركز رصد الزلازل، مركز الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية، مركز أبحاث الاتصالات والمعلومات، مركز الدراسات والبحوث البيئية، مركز أبحاث المياه، مركز التميز في التقنية الحيوية والبحرية، مركز البحوث الإنسانية، تبذل من خلال هذه المراكز جهودا لا بأس بها في حركة البحث العلمي في البلاد. تتمثل مصادر تمويل البحث العلمي في جامعة السلطان قابوس في المنح الداخية للجامعة، والتي يتم استقطاعها من الموازنة السنوية للجامعة، وقد بلغ عدد المنح الداخلية لقرابة 1072 بحثا علميا حتى عام 2013م (3). واستحوذت كلية الطب والعلوم الصحية على النصيب الأكبر من التمويل بما يقارب 24% من المشاريع العلمية تلتها كلية العلوم وكلية الهندسة بنسبة 20% لكل منهما.
    مجلس البحث العلمي في السلطنة:
    من هنا كان لابد من العمل بشكل منظم وسريع من أجل إيجاد حلول لهذه المشكلة التي باتت تؤرق مضاجع المسؤولين والمهتمين بالبحث العلمي، فأنشئت مراكز البحث العلمي في شتى بقاع العالم العربي، لتكون منارة جامعة للبحث العلمي في كل الدول العربية، وهذا ما حصل أيضا في سلطنة عمان، فقد تأسس مجلس البحث العلمي عام 2005م بمرسوم سلطاني ومجلس البحث العلمي "هي الجهة الحكومية التي تُعنى بتعزيز ثقافة البحث العلمي وتنمية الابتكار في السلطنة، كما أنها هي الجهة المخولة التي تضع الاستراتيجيات التي تشجع الابداع والبحث العلمي، كما تعمل على تعزيز المواهب البحثية عن طريق دعم وتنظيم كل ما له علاقة بجهود البحث العلمي والابتكار سعيا لما يخدم المجتمع والاقتصاد وازدهار الوطن" (4).
    تكمن أهمية مراكز البحث العلمي في دعم المشاريع وتعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار، والمساهمة في الخطط التنموية من خلال تنفيذ المشاريع البحثية وتمويلها ودعمها، كما أنها تساهم بشكل كبير وفعال في إيجاد حلقة الوصل بين الباحثين في مختلف الميادين. كما أن هذه المراكز تهتم بالارتقاء بسبل البحث العلمي ومهارات الباحثين وإثراء معارفهم وامكانياتهم، وكله ينصب في التنمية وتطوير المجتمع.
    أما عن أهداف مجلس البحث العلمي في عمان فترتكز على أربعة محاور أساسية وهي: بناء السمعة البحثیة، تحقیق التمیز البحثي، تأسیس الروابط البحثیة ونقل المعرفة، تأسیس البیئة البحثیة المحفزة. ويعمل المجلس على تحقيق أهدافه هذه من خلال نشر المؤلفات العلمية، ودعم الابتكارات الفردية والخطط البحثية في السلطنة. وفي حوار مع صاحب السمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد رئيس مجلس البحث العلمي انفردت به مجلة "تواصل علمي" قال: "وقد قدم مجلس البحث العلمي منذ إنشائه حتى اليوم العديد من الإسهامات في المجتمع العماني وربما أوجزها في إعداد الخطة الوطنية للبحث العلمي وفي تحديد أولويات البحث العلمي، وتحديد المجالات الاستراتيجية للنظر في إيجاد حلول مناسبة لها عن طريق البحث العلمي، وقد أشرت سابقاً الى برنامج السلامة على الطريق لمعالجة مشكلة حوادث الطرق بالأساليب المثلى ومن المشاريع الاستراتيجية الأخرى على سبيل المثال العمل على معالجة دوباس النخيل المعروف لدينا بمرض (المتق) وكذلك الإعلان عن برنامج بحثي بعنوان المرصد الاجتماعي لرصد التغيرات الاجتماعية في المجتمع العماني".
    التحديات التي تواجه البحث العلمي في السلطنة:
    من أهم التحديات التي تواجه مجتمع البحث العلمي في السلطنة هو غياب دعم القطاع الخاص لهذه البحوث العلمية كما أوضحت ذلك إحصائية سبق ذكرها، كما أن القطاع الخاص لا يستثمر نتائج و مخرجات هذه البحوث العلمية. أما التحدي الثاني الذي يواجه الباحثين فهو عدم توافر الوقت اللازم للبحث العلمي، فالباحث في الجامعة أو الكليات لا يتم تفريغه لهذه المهمة، بل يتم استغلاله في مهام إدارية أخرى، كما أن عدم الاهتمام بالباحث وتوفير سبل العيش الكريم له ولأُسرته يحول دون الاستمثار الأمثل لبحوثه ونتائجها.
    انعدام التطبيق العملي لنتائج البحث العلمي واستثمارها على أرض الواقع بسبب الافتقار إلى التنسيق بين الجهات البحثية ومؤسسات المجتمع المدني سواء كانت حكومية أو خاصة يساهم وبشكل كبير في عدم خروج نتائج هذه الأبحاث إلى النور، وبالتالي عدم وجود الحافز لدى الباحثين في المساهمة بنتائج أبحاثهم خارج مجتمعاتهم البحثية والاكتفاء بالنشر العلمي يعد تحديا ثالثا، وهنا يأتي دور مجلس البحث العلمي في متابعة تطبيق هذه الأبحاث على أرض الواقع للاستفادة من نتائجها مستقبلا.
    ومن أهم التحديات التي تواجه مجتمع البحث العلمي في عمان هو عدم وجود الأرضية الخصبة لتطبيق نتائج الأبحاث على أرض الواقع، بسبب عدم انتشار ثقافة البحث العلمي في المجتمع العماني فيما لو تمت مقارنته بالدول المتقدمة. ويبدو واضحا وجليا عدم اهتمام وسائل الإعلام بأنواعها بالبحث العلمي ونتائجه إلا نادرا، وهذا الأمر ينعكس بصورة سلبية على المجتمع العماني بحيث تنحسر لديه ثقافة البحث العلمي ونتيجة لذلك تنعدم الأرضية الخصبة لتطبيق نتائج الأبحاث.
    توصيات ومقترحات:
    قطعت التنمية في السلطنة شوطا كبيرا خلال العقود الأربعة المنصرمة، وشهدنا تطورا واضحا في كثير من المجالات، ولكن مجال البحث العلمي لم يواكب هذا التطور والتحسن، ولا زال المهتمون بالبحث العلمي يأملون في حدوث تطور وتحسن هذا المجال. ولا يسعني في هذه العجالة إلا أن أطرح بعضا من التوصيات والمقترحات لعل بعضها يلقى اهتمام المسؤولين فتكون كغرس بذرة تنمو فيما بعد واقعا يفيد المجتمع العماني برمته. وهي دعوة القطاع الخاص للاهتمام بالبحث العلمي، وأن يساهم ماديا ومعنويا في تنمية قطاع البحث العلمي في السلطنة، وفيما بعد أن يستثمر نتائج المشاريع والأبحاث ويطبقها، لأن للقطاع الخاص دورا مهما في التنمية وهذا ما شهدناه ورأيناه في مختلف المجالات التي ساهم فيها القطاع الخاص.
    من المهم جدا أن يلعب الإعلام المحلي دوره الكامل في إبراز نشاط البحث العلمي في السلطنة، خصوصا بعد إنشاء مجلس البحث العلمي كأول مجلس يهتم بهذا المجال في السلطنة، وخصوصا إذا ما عرفنا بأن تنمية وتطوير البحث العلمي في السلطنة يعد من ضمن أهداف التنمية في الخطة الخمسية الثامنة، وذلك لأن قطاع الإعلام اليوم يلعب دورا مهما وحيويا جدا في التطور والنهوض بالمجتمعات، كما أن على الإعلام أن لا يركز فقط على الندوات والمؤتمرات العلمية والبحثية، بل عليه أن يسلط الضوء على أبرز التوصيات والنتائج التي توصل إليها المؤتمر، وأن يكون وسيلة لتطبيق هذه النتائج ومواكبة التطورات التي يرافقها حتى تطبيقها.
    أما الباحث العماني فإنه مطالب فإنه عليه أن يحدد الأهداف المرجوة من البحث الذي يزمع على إجراءه ويحدد الفائدة المرجوة من هذا البحث لتطوير المجتمع العماني، وأن يضع نصب عينيه تطبيق نتائج دراسته في المستقبل. وأخيرا، على المسؤولين الاهتمام بالطلاب الجامعيين وتهيئتهم ليكونوا باحثين ناجحين، مهتمين بقضايا المجتمع العماني في شتى مجالات الحياة، وأن يكون البحث العلمي أحد أبرز متطلبات الدراسة في الكليات العلمية والإنسانية.
    ختاما، فإن قضية البحث العلمي في السلطنة مهمة جدا، والاستثمار في هذا النشاط يعني التطور والرقي والتقدم للمجتمع العماني، وواجب علينا جميعا أن نهتم بمثل هذه القضية، وأن نساهم في تطوير البحث العلمي في المجتمع العماني كل حسب امكانياته، يدا بيد مع مجلس البحث العلمي و عمادة البحث العلمي في جامعة السلطان قابوس وبقية مراكز البحث العلمي في الكليات الحكومية والخاصة وغيرها.

    الهامش:
    (1)       واقع البحث العلمي في العالم العربي ومعوقاته، د.علي البومحمد، أ.د. سميرة البدري.
    (2)       مراكز البحث العلمي ودورها في تفعيل التواصل العلمي: سلطنة عمان أنموذجًا، خالصة عبدالله محمد الهنائية.
    (3)       جريدة البيان الإماراتية، البحث العلمي.. فجوة الإمكانيات وغياب الاستراتيجية وراء تأخر العرب (2)
    (4)       موقع جامعة السلطان قابوس، صفحة مجلس البحث العلمي.

    نشرت في مجلة شرق غرب الثقافية العمانية في عددها الرابع الصادر لشهر يناير/2015

    2014/11/27

    #فرحة_تخرج2014

    #فرحة_تخرج2014


    بهذا الوسم (الهاشتاق) شارك خريجوا الدفعة الـ25 من طلاب جامعة السلطان قابوس بعضهم البعض فرحتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وسرعان ما انتشر وسم "#فرحة_تخرج2014" بين طلاب جامعة السلطان قابوس، فراح كل واحد يدلي بدلوه ويعبر عن فرحته بهذا الإنجاز الكبير على طريقته الخاصة، مستعرضين شريط الذكريات طوال سنوات الدراسة في الجامعة. فبعضهم إستذكر المواقف المحرجة التي تعرض لها في السنة الأولى من دراسته في الجامعة، والبعض الآخر تحدث عن المواد الدراسية ومعمعة الامتحانات، وآخرون وجدوها فرصة لتذكر زملاء الدراسة والأوقات التي قضوها معا. إختلفت الأمور التي تداولوها في تعليقاتهم، لكن جميعهم إتفقوا على أن سنوات الدراسة الجامعية وذكرياتها لا يُمكن أن تُمحى من الذاكرة أبدا.

    ومن حسن الطالع فقد تزامن حفل تخرج الدفعة الـ25 مع الإطلالة الكريمة لمولانا حضرة صاحب الجلالة – حفظه الله ورعاه - التي أثلجت القلوب والكلمة السامية التي تفضل بها، فأدخل بكلماتها الفرح والطمأنينة على قلوب محبيه، وجاءت إحتفالات البلاد بالعيد الوطني الـ44، لتضاعف فرحة الخريجين وهم يستلمون شهادات التخرج. الكل كان يشعر بالغبطة والفرح والسرور، فلا شك ولا ريب أن الكل بذلوا جهودا جبارة والكل تعب وسهر من أجل هذه اللحظة التي انتظروها طويلا وكانوا يحلمون بها وهم يشاهدون من سبقهم من طلاب هذه الجامعة في مثل موقفهم هذا.

    ما أحلى أن يذوق المرء حلاوة النجاح، فكلما كانت المعاناة أكبر في سبيل تحقيق هذا النجاح كانت حلاوة النجاح أعذب. لا شك أن الكل تعب والكل سهر وربما عانى البعض ألم البعد عن ذويهم وأحبائهم ولكن كل ذلك يهون في سبيل العلم. أيام وليالٍ صعبة مرت عليهم، ولكنهم باجتهادهم وعزيمتهم استطاعوا التغلب على كل الصعاب التي وقفت في طريقهم، فاستحقوا أن يقفوا على منصة التتويج، تتويج مرحلة الجد والعمل المتواصل بشهادة البكالوريوس، كلٌ في مجاله. كم كان المنظرمؤثرا ونحن نشاهد دموع الفرح تلمع في مآقي أمهات وآباء الخريجين وكأنها لآلئ إستحقها هؤلاء ثمنا لوقوفهم خلف أبنائهم يشدون من عزيمتهم ويوفرون لهم سبل الراحة والإستقرار طوال فترة الدراسة. وكم كانت ابتسامات الغبطة والفرح المرسومة على وجوه الخريجين مبشرة بأن هذا الوطن معطاء والمستقبل فيه زاهر لكل مخلص ومجد من أبنائه.

    إن أكثر ما شدني في فعاليات هذا الحفل الفسيفساء التي تشكلت من فئات المجتع العماني بقبائله ومناطقه وطبقاته وكأنها تقول: هذه هي عمان الأم الرؤوم، خيراتها تشمل الجميع دون إستثناء، ومعايير الإستمتاع بهذه الخيرات هي الكفاءة والإستحقاق والإنتماء لهذا الوطن فقط. وأضافت التخصصات المختلفة التي تخرج فيها هؤلاء لمسة إضافية إلى هذه الفسيفساء فمنحتها زاوية جمالية أخرى.
    وأنا أتفحص في مآقي الأمهات والآباء أستمتع بمنظر اللآلئ المتجمعة في عيونهم وأسلي عيني بتلك الإبتسامات المرسومة على شفاه الخريجين قلت في نفسي لقد كانت الدولة على مستوى عالي لتحقيق هذا الإستحقاق فقامت بتوفير كل ما يلزم ليقف أبناؤها على منصة التتويج هذه، ولكن هذه المرحلة مهمة من حياة أبنائها وبناتها وقد انتهت، إلا أن المرحلة القادمة أهم وأخطر ألا وهي مرحلة العمل والعطاء. ولا بد أن تستلم جهة أخرى هذه الأمانة وتعبر بها إلى المرحلة التالية وتُعيِّن هؤلاء الجنود في مواقع قتالية مناسبة وصحيحة حتى تكون معركة البناء، بناء هذا الوطن الغالي كما يجب وكما خطط لها قائدها المفدى حفظه الله ورعاه.

    لا شك أن الجامعة أدت ما عليها من إستحقاق للمرحلة التي إنتهت، إلا أن رسالتها ورسالة الجامعات الأخرى لا تنتهي عند هذه الحلقة، بل لابد من التأكد من أن جهودها لا تذهب سدى وأن الشتلات التي رعتها طوال السنوات الماضية سوف تُزرع في تربة مناسبة وأنها تعطي ثمارا شهية حيثما تُزرع. فالطلبة الذين خرجتهم الجامعة من كلية الزراعة والعلوم البحرية لابد وأنها علمتهم بأن الشتلات التي تزرع في تربة غير مناسبة أو تلك التي تبقى خارج التربة تموت ويصبح ضررها أكبر من نفعها. وتجارب السنوات الماضية وأرقامها تؤكد بأن بعض الشتلات التي أعدتها هذه الجامعة أو غيرها من الجامعات إما أنها قد زُرعت في تربة غير مناسبة أو لا زالت خارج التربة لعدم وجود التربة المناسبة التي تستوعبهم. وحتى تكون الإستفادة كاملة من الجهود والأموال التي تبذلها الدولة فمن الضروري أيضا وجود جهاز مستقل يتابع مخرجات هذا الصرح العلمي العتيد والمؤسسات التعليمية الأخرى ويوجه من حين إلى آخر نحو طرح تخصصات جديدة يحتاجها سوق العمل أو إلغاء تخصصات لا زال حاملوها يبحثون عن عمل على الرغم من مرور سنوات على تخرجهم ولا زالوا يشكلون عبأً على أهلهم بدل أن يكونوا عونا لهم، ناهيك عن الآثار السلبية الأخرى لمثل هذه الحالات.

    لاشك أن يوم التخرج يُعد يوما مفصليا في حياة جميع الخريجين الجامعين، فمع غروب شمس هذا اليوم تُطوى صفحة مهمة من كتاب حياته، وهي صفحة الحياة الدراسية بحُلوها ومرها، ويَفتح الخريح صفحة جديدة يتأمل بين سطورها فيتخيل مستقبله ويتمنى أن تبحر سفينة آماله إلى بر الأمان حسب ما خطط له وأن يكون لبنة سليمة وفي المكان المناسب من نهضة هذا البلد المعطاء.

    مبارك لنا جميعا تخرجنا من هذا الصرح العلمي، مبارك لنا حصولنا على ثمرة اجتهادنا وعملنا، ولنتطلع جميعا لأن نكون يدا واحدة، نعمل معاً من أجل بناء هذا الوطن الغالي.