2013/04/18

كلية الطب تنظم الإجتماع الأول لطلبة الطب بسلطنة عمان

كلية الطب تنظم الإجتماع الأول لطلبة الطب بسلطنة عمان





          

          تقيم كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس ممثلة بجماعة الطب الطلابية إجتماعا طلابيا فريدا من نوعه لجميع الكليات التي تُعنى بالطب في سلطنة عمان وذلك في يوم الخميس الموافق 18/إبريل/2013م. وقد جاءت فكرة هذا الإجتماع بعد مشاركة جماعة الطب الطلابية في الإجتماعات الدولية التي تنعقد تحت راية المنظمة الفيدرالية العالمية لطلاب كليات الطب (IFMSA)، وهي منظمة عالمية تضم عددا كبيرا من كليات الطب من مختلف دول العالم، تسعى إلى زرع روح التعاون بين أطباء المستقبل وجعل كلمتهم مسموعة أمام المنظمات المختفلة.

          وقد استفادت اللجنة المنظمة لهذا الإجتماع من مشاركاتها الخارجية في إجتماعات منظمة (IFMSA) والتي بدأت منذ عام 2007م، فأرتأت عقد هذا الإجتماع الأول والذي يهدف إلى توطيد أصر التعاون بين طلاب كليات الطب في السلطنة وزرع أسس العمل المشترك في نفوس الطلاب عن طريق الجماعات الطلابية وأنشطتها. كما يهدف أيضا إلى إبراز الكليات الطبية في السلطنة في المحافل المحلية والدولية وتهيئة الطلاب للعمل تحت راية واحدة في المستقبل.

          سوف يشارك في هذا الإجتماع أكثر من 150 طالباً وطالبة من كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس، وكلية عمان الطبية، بالإضافة إلى بعض المشاركين من كلية عمان لطب الأسنان. حيث سيتم عقد ورش عمل جديدة في طابعها ومضمونها، خصوصا تلك المتعلقة بإدارة الجماعات الطلابية والتخطيط المستقبلي لإدارة هذه الجماعات وتطبيق هذه الخطط على أرض الواقع، وكيفية تلافي الصعوبات التي تواجه هذه العملية وتسييرها لتتناسب مع الخطط الموضوعة من الأساس. بالإضافة إلى ذلك، فإنه سيتم تقديم ورشة عمل تتعلق بعملية التسويق والترويج لفعاليات الجماعات الطلابية، مع إجراء بعض التطبيقات العملية عليها.

          كما ستُقدم بعض ورش العمل التي تهتم بالفعاليات المتخصصة بأنشطة الصحة العامة وتوعية المجتمعات، وورش العمل المختصة بالتعليم الطبي وتطوير مهارات الطلاب في شتى التخصصات الطبية وغير الطبية، بالإضافة إلى الأنشطة البحثية وطرق إجراء البحوث بالإضافة إلى ورشة العمل المتخصصة بإدارة المجموعات المتعلقة بهذه الأنشطة.

          بالإضافة إلى ذلك، ستقدم اللجنة المنظمة سبعة ورش عمل تدريبية من ضمنها ورشة العمل التي تتحدث عن كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة في إدارة المشاريع الطلابية، وماهية المشاريع الناجحة وأساليب التخطيط لها، كما ستقدَم ورشة عمل أخرى حول الأساليب الممكنة لتمويل هذه المشاريع والألية المستخدمة لهذا الغرض، بالإضافة إلى ورش عمل أخرى. الجدير بالذكر أن ورش العمل المذكورة سيتم تقديمها عن طريق طلبة مدربين دوليا ومحليا من كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس وكلية عمان الطبية.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نشرت في جريدتي الرؤية والزمن 17/4/2013

صراع الأجيال .. حقيقة أم خيال

صراع الأجيال .. حقيقة أم خيال


          ليس معلوما طول الفترة الزمنية بين الوقت الذي أنزل الله تعالى فيه آدم وحواء إلى الأرض وبين الوقت الذي قتل فيه قابيلُ هابيلَ، ولكن ما نستفيده من هذه القصة والعبرة التي نأخذها من قراءتنا للآيات التي تحدثت عن هذه الواقعة هو تغير السلوك البشري جيلا بعد جيل. فقد كان الجيل الأول المتمثل في أبينا آدم وأمنا حواء يعيش بكل أمان واستقرار، حتى جاء الجيل الثاني من البشرية وهم هابيل وقابيل اللذين أختلفا في القربان الذي قدماه إلى الله سبحانه وتعالى فقبل الله تعالى قربان هابيل ولم يتقبل قربان أخيه قابيل، فقد كان هذا الأمر سببا للصراع بين الأخوين رغم التربية التي تربيا عليها من أبيهما أدم النبي وأمهما حواء. فقد اختلف قابيل في الرأي مع أخيه الأكبر هابيل، وكأن قابيل قد أبدى حساسية في التعامل مع أخيه الأكبر.
          
           كانت الاستعانة بالنموذج السابق ضرورية للولوج إلى موضوع حديثنا، حيث أن التاريخ البشري يثبت لنا أن سلوك الأفراد والجماعات يزداد تأثرا بغيره أو تأثيرا على غيره كلما تشعبت علاقاته مع الغير سواء على المستوى الفردي أو الجيل بأكمله. حيث تتحدد طبيعة هذا التأثير والتأثر بنوعية هذه العلاقات والمجتمعات وسلوكياتها ووسائل الاتصال والتواصل المتوفرة في حينها. وعليه أخذ هذا التأثير والتأثر منحىً تصاعديا سلبيا كان أو إيجابيا حتى وصل في عصرنا الحالي إلى حالة أقرب ما تكون من الصراع إن لم تكن صراعا بعينه أنتجته الثورة المعلوماتية ووسائل الاتصال الثورية.
          
           وعندما يصل الأمر إلى المقارنة بين آخر جيلين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ألا وهما الجيل الحالي والجيل السابق، نجد أن كلا الطرفين يدعي أنه الأفضل والطرف الآخر هو الفاسد. ولا يجد رواد الجيل السابق أية صعوبة في إلقاء اللائمة على مكونات الجيل الحالي وترف الحياة الذي وفرته لهم التكنولجيا المعاصرة.
          
            وقد يتطور هذا الأمر إلى أن يصف أبناء الجيل الماضي شباب الجيل الحالي بأنهم متمردون وفاقدون للإحساس بالمسؤولية والإنتماء إلى الوطن والمعتقد والموروث الشعبي. وفي المقابل نجد أن الكثير من شباب هذا الجيل يصفون الجيل الماضي بالتخلف والرجعية وعدم الإلمام بالتطور العلمي والتكنولوجي.
          
            لقد تطرق العلماء والمفكرون إلى هذا الموضوع وألفت الكتب وأجريت الدراسات والبحوث من أجل الوصول إلى المسببات الحقيقية لهذا الصراع ووصل العديد منهم إلى نتيجة مهمة للغاية والمتمثلة في قول الإمام علي –عليه السلام - في إحدى كلماته: "لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم". وقد رأيت العديد من المواقف التي صدرت من بعض الآباء والذين لا زالوا يتعاملون مع أبناءهم بمنطق "العصا والجزرة"، وهذا الأسلوب أصبح لا يجدي نفعا في الوقت الحاضر، حيث أثبتت الدراسات العلمية التي أجراها علماء النفس والسلوك أن منطق "العصا والجزرة" ليس حلا نافعا لمشاكل الشباب في الوقت الراهن، بل إن هذا  الأسلوب يدفع بالشاب إلى التمرد على بيئته ومجتمعه وأهله أكثر من ذي قبل.

          وعلى الضفة الأخرى، فإننا نرى الشاب المتهم بالتمرد، يقف بكل كبرياء وتعالٍ، وهو ينظر إلى الجيل السابق وكأنهم يعيشون في التخلف بعيدا عن مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي ولا يستطيعون العيش في ظل العولمة الحديثة.

          إن هذا التناقض بين أفكار الجيل الماضي ووجهات نظر الجيل الجديد خلق العديد من المشاكل في المجتمعات البشرية وتسبب في نشوء صراع بين جيلين، حتى أصبح الأب غير قادر على تحمل أفكار ولده والتي يعتقد أنها سلبية غير منتجة من وجهة نظره وأصبح الإبن أيضا لا يرى في أفكار والده إلا تُرهات وخزعبلات من الماضي، الأمر الذي خلق نوعا من التوتر في العلاقة الأسرية، والتي ألقت بظلالها على المجتمع بأسره. وقد بدأ هذا الصراع في المجتمعات الغربية أولاً بُعيد الحرب العالمية الثانية عندما بدأت حياة الترف والرفاهية في غزوهذه المجتمعات، وما صاحَبها من ظهور الإنحرافات الفكرية والسلوكية فيها. ورويدا رويدا، بدأت هذه المظاهر البراقة في ظاهرها والمدمرة في باطنها تغزو المجتمعات العربية والإسلامية كالنار في الهشيم، مخلفة على ضفافها كل أنواع الإنحرافات الفكرية والسلوكية وإن كانت لا تخلو من بعض الإيجابيات هنا وهناك.

          ولا يختلف إثنان على أن العولمة الحديثة وحالة الترف والرفاهية والغزو الإعلامي والثقافي المهول الذي حصل عن طريق الشبكة المعلوماتية للإنترنت ووسائل الإتصال الحديثة كالتلفاز والهواتف النقالة وغيرها من جانب، وغياب الوازع الديني والتربية الروحية التي كان يتمتع بها الجيل الماضي من جانب آخر، عمقت الفجوة بين جيل الآباء والآبناء وخلقت نوعا من الإنفلات السلوكي والديني عند الفئة الشابة، وأدت إلى نوع من الإبتعاد عن المبادئ والعادات والتقاليد الموروثة.

          والآن فإن الواقعة قد وقعت والمحظور قد وقع والداء قد استشرى، فحري بنا أن نبحث عن الدواء. وهل هناك صيدلية في الوجود أفضل من صيدلية الخالق التي تحتوي على دواء لكل داء. نعم إن دواء هذا الداء متوفر في هذه الصيدلية الربانية، إنه العلم ثم العلم ثم العلم. لذلك أهتم الإسلام بالعلم وبين لنا أهميته في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم. فها هو – صلى الله عليه وسلم – يقول في حديث له: "اطلبوا العلم ولو في الصين"، وقال القدماء وهم يحثون على طلب العلم: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، وفي كل ذلك إشارات إلى ضرورة طلب العلم، كما بين الله تعالى في سورة الزمر (9) أنه من المحال أن يكون العالم والجاهل في مرتبة واحدة حيث يقول سبحانه وتعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون" وقال أيضا :"يرفع الله الذين أمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات" (المجادلة11 ).

          وما أجمله من ثنائي عندما يجتمع العلم مع التقوى. لذلك، جاء العلماء ليحددوا آداب طالب العلم والكيفية التي يجب أن يكون عليها طالب العلم فقالوا بأن أهم شيء في طلب العلم هو التقوى وخشية الله سبحانه وتعالى واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"(فاطر 27). وقد قرأت عن أحد العلماء قوله: "وينبغي أن يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع أوقاته ليلا ونهارا حضرا وسفرا ولا يُذهب أوقاته في غير العلم. ويأخذ بقدر الضرورة للأكل والشرب والنوم".

          وقد قال الإمام علي – عليه السلام – في فضل العلم والعالم: "العلم خير من المال، فالمال تحرسه والعلم يحرسك، والمال تفنيه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة". وقد كانت في قصة النبي موسى – عليه السلام – مع الخضر الواردة في سورة الكهف عبرة لمن يعتبر في فضل التعلم وأداب المتعلم، ونحن نشاهد أحد أنبياء أولي العزم وهو يطلب من الخضر – عليه السلام – أن يعلمه بعضا مما تعلمه ويطلب منه أن يتبعه بكل أدب واحترام وتواضع، وقد كانت الغاية من هذا الإتباع هو طلب الهداية والإرشاد حيث يقول الله تعالى على لسان نبيه موسى:" قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً".

          ختاما، إن المطلوب من شباب هذا الجيل وفي ظل ما تقذفه بحار العولمة من زبدها على شطئان سواحلنا، أن يتحلوا بأداب العلم والتعلم، والإستزادة من منهل الدين والشريعة السمحاء، وزيادة التواصل الإيجابي مع الجيل الماضي والآخذ عنهم والتعلم منهم حتى يتمكنوا من مواجهة أمواج الحياة المتلاطمة وسبر أغوارها.



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشرت في جريدة البلد الإلكترونية

2013/04/08

قرعة دوري الأبطال الأوروبي ..حقيقة أم ثمثيل ؟؟

قرعة دوري الأبطال الأوروبي
حقيقة أم ثمثيل ؟؟


          قبل أن تُقام قرعة دوري الأبطال الأوروبي لتحديد الفرق المتنافسة في دور الـ8 من المسابقة، خرجت بعض الأقلام من هنا وهناك وبعض القنوات الفضائية قائلة أن قرعة دوري الأبطال الأوروبي التي تتم إقامتها بعد كل دور ما هي إلا تمثيل بحت، وأن القرعة الأصلية تجري في الخفاء بعيدا عن أعين المشاهدين وبعيدا عن عدسات الإعلام. وأما عن الأسباب فمن قال إن بلاتيني يريد أن يجعل برشلونة – فريقه المفضل – هو الذي يصل إلى اللقب، ومنهم من ذكر أن فلورينتنو بيريز قد اتفق مع بلاتيني على أن يكون طريق ريال مدريد هذا الموسم سالكا نحو اللقب العاشر. والبعض الآخر من المتابعين ذكر أن بلاتيني يريد أن يرى النادي الفرنسي باريس سان جيرمان حاملا للقب هذه البطولة. وكتبت الأقلام كثيرا حول هذا الموضوع.
          
          هذا الموسم كانت الفرق المتأهلة إلى دور الـ 8 فرقا مختلفة عن الأعوام الماضية إذا ما استثنينا ريال مدريد، برشلونة وبايرن ميونخ وبنسبة قليلة يوفنتوس الإيطالي. ففريق جالاتسراي التركي، ملقا الإسباني، باريس سان جيرمان الفرنسي، دورتموند الألماني ربما تكون هذه مشاركتهم الأولى في دور الـ8 منذ أعوام وربما أحد هذه الأندية لم يصل حتى إلى دور المجموعات أبدا.
          
           الأقلام التي كتبت حول هذا الموضوع رددت إسم بلاتيني رئيس الإتحاد الأوروبي اليويفا في كل شيء، حتى اعتقد الكثيرون أن بلاتيني هو من يجري القرعة، والكل قد تحدث عن بلاتيني وكأنه هو الرجل الأوحد عند إجراء القرعة. والجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي يتحدث الجمهور وعشاق الساحرة المستديرة عن موضوع قرعة دوري الأبطال الأوروبي، فكثيرا ما تحدثوا عن هذه القرعة في السنوات الماضية، ولكنها كانت خالصة لبرشلونة، أي أن بلاتيني يريد لبرشلونة أن يتسلق إلى اللقب، لا بل أن يصل إلى اللقب بأسهل طريق ممكن وأقلها من ناحية العقبات والموانع.
          
            أما بالنسبة لهذا الموسم، فإن إسم بلاتيني لا يزال يتردد، ولكن الفرق الذي يشجعه بلاتيني يتغير وفقا لكاتب الخبر أو صاحب البرنامج التلفزيوني، فمرة ريال مدريد ومرة اليوفي السيدة العجوز وأخرى برشلونة وربما باريس سان جيرمان. لست أدري هل من الممكن أن يفعل اليويفا هذا الشيء ويضيع سمعة الإتحاد الطيبة من أجل رغبات بلاتيني، وإن كان كذلك، لماذا لا تتقدم الأندية المتضررة بطلب بإعادة القرعة وأن يقيمها شخص آخر غير الذي تم تعيينه مسبقا.
          
            كل شيء يجري أمام عدسات وكاميرات الإعلام بل وأعين الصحفيين، وأستبعد أن يجري شيء في الخفاء بمعزل عن كل الحضور من لاعبين ومدربين وصحفيين ورؤوساء أندية ومساعديهم. ولكن يبقى كل شيء واردا، والسؤال المطروح للمتابع الكريم: هل قرعة دوري الأبطال الأوروبي .. حقيقة أم تمثيل؟؟



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
لم تُنشر ..

2013/03/17

الطب لخدمة الإنسان




الطب لخدمة الإنسان

إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة "الطب" أو "الطبيب" هو التضحية التي يقدمها هذا الإنسان من أجل راحة أخيه الإنسان المريض المتعب، الذي انهكه المرض وأخذ منه مأخذا كبيرا. ولعل ارتباط هذه الكلمة بالتضحية دليل على شرف هذه المهنة ونبلها وكمالها، حيث لا تجد طبيبا إلا وقد أخذ على عاتقه مساعدة الآخرين والتضحية بما يملك من وقت وراحة لأجل راحة المرضى وذويهم.
        
         ولعلنا نجد الكثير من الأمثلة الحية في زماننا هذا من أطباء مختلفين يسهرون على راحة المرضى حتى وإن لم يكونوا تحت عنايتهم المباشرة، بل حتى وإن كانوا أعداءً لهم وأستذكر هنا القسم الطبي حين قلنا بأننا لن نفرق بين عدو وصديق في المعاملة وفي العلاج، لاحظوا معي حتى العدو يجب يُعامل معاملة الصديق تماما في هذه المهنة النبيلة. وهذا ما حثنا الإسلام عليه فيقول الله تعالى في محكم كتابه:" إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" وهكذا كان تعامل النبي صلى الله عليه واله وسلم مع أعداءه حتى الجرحى منهم فقد أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم في إحدى معاركه بأن لا يجهز – أي يقتل – أصحابه الجرحى من جيش العدو.

          لكن ما يحصل الآن هو أنحراف بعض الأطباء عن هذه الجادة، واتخاذهم للطب كعامل لجلب المال والسمعة الطيبة في المجتمع الذي يعيشون فيه، فنراهم ينهكون أنفسهم في العمل ليلا ونهاراً، لكن ليس لأجل راحة المرضى وعلاجهم، بل لأجل أن يعرفهم المجتمع وأن يكسبوا من وراء ذلك المال الوفير. فما يُسمى "البرستيج" الذي بات منتشرا في حياتنا الإجتماعية كفيل بأن يغير فِكر الإنسان ويأخذ به إلى حيث لا يُرضي الله ورسوله. لا أقول بأنه يجب الإبتعاد عن التفكير في المال والسمعة الطيبة فإن كلاهما مهم للغاية، ولكن بشرط أن لا نُهمل الجانب المعنوي من الطب ونركز على الجانب المادي منه فقط.

          وأخيرا، فإن ندائي إلى أخوتي الطلاب وزملائي الأطباء وكل من يعمل في هذا المجال، أن يكون هدفه الأول والثاني والأخير هو رضا الله تعالى وخدمة الإنسان بما هو إنسان وترك جميع الأهداف المادية من وراء الطب، فإن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم يقول:" حاجات العباد اليكم، نِعَم الله عليكم"، أي أنك أيها الطبيب عندما تعالج هذا المريض فإنك تشكر الله على نِعَمه التي أنعمها عليك، فلا تُضيعوا أنعم الله تعالى عليكم بنكرانها وعدم الإهتمام بها.

رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نُشرت في ملحق الأنوار التابع لدائرة الإعلام - جامعة السلطان قابوس 11/3/2013

2013/02/05

أسبوع الوحدة الإسلامية .. بين الأمل والألم

أسبوع الوحدة الإسلامية .. بين الأمل والألم
 
لا يخفى على الصغير فضلا عن الكبير، ولا على الجاهل فضلا عن العالم ما آلت إليه أمور المسلمين وتشتت شملهم وتفرقهم، وهذا الكلام ليس بحاجة إلى بيان أو تفصيل. فما نشاهده اليوم على الساحة لهو كفيل بأن يضع الأمور في نصابها ويبين للعالم أن أمة 'كنتم خير أمة أخرجت للناس' أصحبت أمة سيئة بل لا أبالغ إن قلت أسوأ أمة أخرجت للناس.
ولأجل أن تعود مكانة المسلمين إلى سابق عهدها، اجتهد العديد من العلماء والمفكرين، وبرعوا في أفكارهم وكتاباتهم وأطروحاتهم. وعمل الكثير منهم لتوطيد العلاقات بين شعوب الأمة الإسلامية، وساهموا كثيرا في درء الفتن والمخاطر عن المسلمين بعملهم وأرائهم السديدة والصحيحة. ولعل من أبرز مفاهيم هذا الإبداع وهذه الأطروحات هو 'أسبوع الوحدة الإسلامية' الذي نادى به السيد الخميني مؤسس الثورة الإسلامية في إيران.
عندما رأى السيد الراحل أن الطوائف الإسلامية اختلفت في رواياتها وتأكيدها لتاريخ مولد النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، فكانت الأولى في 12 من شهر ربيع الأول والثانية في 17 من شهر ربيع الأول، وحتى تبدأ وحدة المسلمين من إختلافهم هذا، ويكون إختلافهم في تحديد تاريخ المولد النبوي الشريف مبعثا لائتلاف المسلمين ووحدتهم، كانت له أطروحة 'أسبوع الوحدة الإسلامية' وهي في الحقيقة رؤية بسيطة في مبدئها ولكنها عميقة في فكرها وبعدها الثقافي والديني.
وقد كان هذا الأسبوع منارا للمسلمين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، ومحطة تلاقٍ بين أبناء الدين الواحد، ونقطة التقاء فكري وتعايش سلمي حضاري فيما بينهم. قد لاقت هذه الفكرة فيما بعد وإلى الآن رواجا في مختلف الدول الإسلامية بل والدول العالمية أيضا، فهاهي الندوات والمؤتمرات تُقام في كل عام وفي أكثر من بقعة من أرجاء هذه المعمورة، ويشارك فيها المسلمون بمختلف مدارسهم العقائدية والفكرية، بل ويعرضون أطروحاتهم الفلسفية والفكرية لمناقشتها وأخذ ما يفيد المسلمين ويعمل على توحيدهم.
ولكن السؤال الأهم، هل حقق 'أسبوع الوحدة الإسلامية' المطلوب منه، وهل كان السيد الخميني يهدف إلى إقامة الندوات والمؤتمرات فقط؟ أم كان يهدف إلى أمر أبعد وأخطر من ذلك بكثير؟ في الحقيقة، إن الجواب على هذا السؤال مؤلم حقا، فما كان يطمح إليه السيد الخميني أبعد من مجرد إقامة الإحتفالات وعقد الندوات وتجمع المسلمين في مكان واحد لطرح أفكارهم وأراءهم. كان السيد الخميني يطمح - وهو طموح كل مسلم غيور - إلى إعلاء شوكة المسلمين ورايتهم وأن يستطيعوا مواجهة أمواج الحياة المادية المتلاطمة وأمواج الفكر الدخيل على مجتمعنا، بل والأكثر من ذلك، كان طموحه هو 'القدس' وعودتها إلى أحضان الأمة الإسلامية.
 
هذا الطرح العميق من السيد الخميني في جعل الإحتفال بالمولد النبوي الشريف أسبوعا كاملا عوضا عن إحتفال كل طائفة باليوم الذي أثبت فيه علماءها تاريخ ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم لهو من الفلسفات العميقة، فالإيمان بنبوة النبي المصطفى - صلى الله عليه واله وسلم - هو الأساس في الدين الإسلامي بعد التوحيد، وتذاكر سيرته ودراستها بحذافيرها بما يتناسب مع متطلبات العصر والظروف الراهنة أمر مهم للغاية، فهو الذي ضحى بكل ما يملك وقد عُرض عليه الجاه والمال والسلطان وعُرضت عليه الدنيا آنذاك، ضحى بكل شيء ليقوم هذا الدين وتقوى شوكة المسلمين وتتحد رايتهم تحت راية واحدة خفاقة، تخوض بها بحار ملذات الدنيا والأفكار الشيطانية والفكر الغربي المادي البحت. ولو كان بيننا الآن ورأيناه بشخصه لكان حزنه على ما آلت إليه أمته كبيرا جدا، ولعتب علينا لما وصلنا إليه من حال.
 
وختاما، إن أسبوع الوحدة الإسلامية يحيى في نفوس المسلمين الأمل في الوصول إلى غاية عُظمى وأمنية سامية عالية تهفو إليها القلوب، ولكن الأمر الواقع يبعث على الألم والحسرة والتأسف على الواقع المر الذي نعيشه. وكم أتمنى أن يكون 'أسبوع الوحدة الإسلامية' منطلقا إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى سنوات من الوحدة الإسلامية بل قروناً من الوحدة الإسلامية، وهذا ما طمح إليه السيد الخميني من أطروحته الخالدة 'أسبوع الوحدة الإسلامية.
 
رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
جريدة القدس العربي
تاريخ ٥/٢/٢٠١٣ 

2012/12/27

الهروب من المدرسة .. أسباب كثيرة وحلول قليلة 2-2



الجزء الثاني من المقالة ..
منشورة في ملحق الأنوار التابع لإعلام جامعة السلطان قابوس والذي ينشر مع جريدة الوطن ..
يوم الإثنين تاريخ 24/12/2012 ...

2012/12/10

ظاهرة الهروب من المدرسة .. أسباب كثيرة وحلول قليلة


ظاهرة الهروب من المدرسة .. أسباب كثيرة وحلول قليلة (1-2)



كنت قد كتبت مقالا يتحدث عن ظاهرة "الهروب من المدرسة" حينما كنت طالبا في المدرسة الثانوية، حيث كان الكثير من الشباب ومع وقت "الفسحة" يهربون من المدرسة. فتارة تجد البعض يغافل الحارس ويخرج من الباب المفتوح على مصراعيه، والبعض الأخر ينتظر غفلة الحارس ليهرب، بينما المتحلي بالشجاعة يقفز من الجدار متجها إلى خارج المدرسة.
          بعد ثلاثة أو أربعة حصص نشاهد مجموعة كبيرة من الطلاب قد تركوا مقاعد الدراسة واتجهوا خارج المدرسة لقضاء بعض الوقت مع زملائهم أو ذهبوا خارج المدرسة ليرجعوا إليها في اليوم الثاني. البعض من هؤلاء قد يخرج إلى بعض مقاهي الإنترنت أو صالات البولينج – وقد شاهدت في ذلك الوقت ولا زلت اشاهد عددا منهم يفعل ذلك – ومع نهاية اليوم الدراسي يعود إلى منزله وكأن شيئا لم يكن. كان ذلك قبل أربع أو خمس سنوات، وقتها تخيلت أن هذه الظاهرة سوف تندثر مع مرور الأيام، ومع تطور الفكر والثقافة في المجتمع. ولكنني لم أتخيل أنه وبعد مرور كل هذه السنوات، أجد نفس الظاهرة تتكرر وربما أكثر من ذي قبل.
          في الحقيقة تساءلت في تلك الأيام عن أسباب هذه الظاهرة المتزايدة، ولا زالت الأسئلة تدور في خاطري كلما مررت بمثل هذه المواقف. ولكنني لم أحصل على إجابة واحدة، فرغم التشديدات التي قام بها المسؤولون والأساليب المتبعة في تسجيل الحضور والغياب، إلا أن الطالب يحصل على فرصته الكاملة في الهرب من المدرسة. وهنا أضع بعضا من الفرضيات التي استنتجتها من جراء هذه الظاهرة.
الفرضية الأولى والتي أراها واقعية إلى حد كبير هي عدم إلمام الأستاذ أو معرفته بطبيعة الطالب الذي يدرسه، على الرغم من دراسته لعلم النفس التربوي وبعض المقررات المشابهة في المرحلة الجامعية إلا أن التطبيق لا يكون بالشكل الأمثل. وأريد أن أشير إلى نقطة حساسة وهي أني لا أعمم هذا على جميع المدرسين ولكنني أتحدث عن شريحة كبيرة منهم وقد عاصرت عددا كبيرا منهم في ذلك الوقت. فمعرفة الأستاذ بكوامن نفس الطالب لهي من الأمور المهمة جدا والتي يجب أن يُنمي المعلم نفسه فيها، لأنها تمكنه من معالجة الخلل الذي يواجهه ذلك الطالب. وعندما لا يتمكن المعلم من ذلك، يقوم المعلم بالصراخ عليه أو لا يعيره الاهتمام الكافي، عندها يكون الطالب عرضة لعمل لا يليق به كمثل الهروب من المدرسة.
الجو المدرسي العام، أو طريقة بناء المدارس في بلادنا، هي إحدى الفرضيات التي قد تكون سببا لظاهرة الهروب من المدارس، فما كان يحدث سابقا، وما التمسه الآن عند حديثي مع بعض الطلاب في المدارس الإعدادية والثانوية هو تدعيم لهذه الفرضية. حيث أن أسلوب بناء مدارسنا وللأسف الشديد لا يرتقي إلى مستوى بناء المدارس في الدول المجاورة وبعض دول العالم الأخرى، فهي لم تتطور ولم تتبدل منذ بداية إنشاء المدارس في السلطنة إلى يومنا هذا، إلا في ما ندر وقل من المدارس. وهذا الأمر يؤثر سلبيا على الطالب، حيث أن الطالب وهو في مرحلة مختلفة من حياته يحاول أن يواكب التطور والتقدم في مجالات الحياة، وإحدى هذه المجالات هي أساليب البناء، فحينما يجد الطالب نفسه في مدرسة بأسلوب بناء قديم فإنه يؤدي به إلى عدم إعارة هذه المدرسة الإهتمام، ليس لأنه لا يريد الدراسة فيها، بل لأنه لا يرى فيها أيا من جوانب التطور والتحضر. وقد يلجأ البعض إلى الدراسة في المدارس الخاصة نظرا لتطور أسلوب بنائها. وهنا لا أجد فرقا بين الطالب المجيد والطالب المتوسط أو الضعيف، فالكل يتأثر وإن كانت آثاره مختلفة بين طالب وآخر.


نشرت في ملحق أنوار التابع لدائرة الإعلام في جامعة  السلطان قابوس
جريدة الوطن
تاريخ 10/12/2012

2012/11/30

بين كربلاء وغزة .. حكاية لا تنتهي



          تمضي الدهور والأزمنة ولا تزال ذكرى كربلاء عالقة في أذهان المسلمين، بل ويتفاعل معها غيرهم من معتنقي الديانات الأخرى، وذلك لأن هذه الواقعة حملت جانبين مهمين ألا وهما الجانب العاطفي والإنساني والجانب الأخر وهو المهم في حديثنا وهو جانب المقاومة ورفض الظلم والعدوان والعمل على إصلاح الأمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبواقعة كربلاء فإن كثيراً من القواعد العملية والأسس المهمة لعملية المقاومة قد أسستها هذه الواقعة المهمة والمفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية. وبفضل هذه المقاومة وهذه الثورة قامت ثورات عديدة ومقاومات للظلم والعدوان بعد واقعة كربلاء ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا.

         إن قضية كربلاء  وثورة الحسين بن علي حفيد الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم لم تكن من أجل كرسي رئاسة أو ملك زائل، بل كانت نهضةً من أجل مقارعة الظلم والعدوان ولإحقاق الحق ودحض الباطل وفي ذلك يقول الحسين بن علي:" إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالما ولا مفسدا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب". وسيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب معروفة لدى القاصي والداني. ولذا فإن مقاومة الحسين للظلم كانت نموذجا يُحتذى به في الثورات والنهضات التي لحقت واقعة كربلاء، ولا تزال نهضة الحسين بن علي أهم النماذج التي سطرها لنا التاريخ فيقول الزعيم الهندي غاندي إبان الإحتلال على الهند:" إذا أرادت الهند أن تنتصر فعليها الإقتفاء بسيرة الحسين"، وقال في بعض خطبه:" علمني الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر".

          ونجد أن المستشرقين فضلا عن العرب والمسلمين قد تحدثوا عن مقاومة الحسين بن علي للظلم والعدوان وأن مراده كان إعلاء راية التوحيد وإعلاء الدين الإسلامي فقال المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون:" أخذ الحسين على عاتقه مصير الروح الإنسانية، وقُتل في سبيل العدل بكربلاء". ويقول الباحث الإنجليزي جون أشر:" إن مأساة الحسين بن علي تنطوي على أسمى معاني الإستشهاد في سبيل العدل الإجتماعي". وأخيرا يقول الكاتب العربي لبيب بيضون:" ما أظن أن إنساناً في مسرح التاريخ والبطولة، استطاع أو يستطيع أن تكون له مثل هذه الكفاءات العالية والمواهب الفريدة النادرة غير الإمام الحسين (عليه السلام) ليمثل هذا الدور الجوهري الخطير في قيادة حركة الإيمان وإحياء دعوة الإسلام". ولست هنا بصدد ذكر ما قالته الجموع عن حركة الإمام الحسين وإنما أكتفي بذكر بعضها فقط، وفيها إشارات واضحة إلى أن حركة الإمام الحسين كانت ملهمة ومؤسسة لكثير من النهضات التي تلت تلك الحقبة التاريخية.

          ومن رحم الثورة الحسينية والمقاومة التي خاضتها تلك الأنفس الزاكية في كربلاء، ولدت المقاومة الإسلامية في غزة، لتكون إحدى الحركات المقاومة التي انبعثت من ثورة كربلاء ومن مقاومة الحسين بن علي للظلم والعداون. فنجد أن إخوتنا في غزة رغم كل الظروف وتكالب الأمم عليهم، ورغم قلة عددهم وخذلان الناصر – وهو شبيه بما حصل في كربلاء – فإنهم يبدون شجاعة ليس لها مثيل في سبيل رد العدوان وإحقاق الحق وتمييز الطيب من الخبيث. فكما كانت واقعة كربلاء – والأمثال تضرب ولا تقاس – مفصلا مهما في تاريخ الأمة الإسلامية قديمة، فإن ما يحصل في أرض فلسطين هو أيضا قضية مفصلية في تاريخ المسلمين حديثا، وبها نُميز الحق من الباطل ونصل إلى نتائج ووقائع سوف يحفظها التاريخ للأجيال اللاحقة.

          إن الذي يجري اليوم في أرض أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، والدماء التي تسيل على هذه الأرض الطاهرة استوحت الدورس واستوحت نهج المقاومة من ثورة الحسين بن علي في كربلاء حين قال:" ألا إن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات من الذلة". وأهل غزة كانوا ولا زالوا يقولون "هيهات منا الذلة"، نفس المنطق ونفس الهدف ونفس الطريق. وكما كانت كربلاء ثورة "انتصار الدم على السيف" ستكون غزة "ثورة انتصار الدم على السيف" فلا تغرن قلة عددهم وخذلان اخوانهم لهم، فإنما هو قد ولدوا من رحم كربلاء. وستبقى الحكاية بين كربلاء وغزة مستمرة.

رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشرت في جريدة القدس العربي بتاريخ 30/11/2012

2012/11/16

دعوة للحوار بين المذاهب الإسلامية

دعوة للحوار بين المذاهب الإسلامية
          


قبل زمن ليس بالبعيد، اقترح الملك السعودي في قمة الدول الإسلامية إقامة مركز خاص يُعنى بالحوار بين المذاهب الإسلامية، ويكون الهدف منه حوارا سلسا شفافا بين علماء هذه المذاهب وعُقلائها للوصول إلى نتيجة توحد المسلمين تحت راية التوحيد، وكأخوة في هذا الدين الحنيف. في الحقيقة، راقَ هذا الاقتراح للعديد من العوام من الناس الذين تعبوا بل ربما استسلموا للحرب الشعواء القائمة بين فرق المسلمين والتي أنتجت العديد من المشاكل بين الأخوة من البلد الواحد، بل وصل الأمر في بعض هذه البلاد إلى التناحر والقتال بحجة رفع كلمة الإسلام عالية خفاقة، ولست أدري هل بهذا العمل ترتفع كلمة الإسلام أم تُسحق بيد الطائفية والإرهاب الأمر الذي أعطى للإسلام سُمعة سيئة لدى العالم الغربي.

عندما نتحدث عن الحوار بين المذاهب الإسلامية بشكل عام أو بالخصوص بين السنة والشيعة في الفترة الراهنة، فإننا يجب أن نستعبد بعض الفئات التي أضحت ترمي بقية المسلمين بأبشع التهم، وتكفرهم على كل صغيرة وكبيرة، وربما دعت بعض هذه الفئات إلى قتل بعض المسلمين بناءً على مذاهبهم التي يعتنقونها أو أفكار يتمسكون بها. وفي هذا يقول النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وهؤلاء ليس منهم من سلم المسلمين من السنتهم وأيديهم. ووجود هذه الفئة يزيد الطين بلة ويُسَعِّر النار بما يقولون ويفعلون.

إن لمثل هذه الأفكار والأطروحات – أي مسألة التقارب بين المذاهب الإسلامية -  إيجابياتٍ كثيرة وأهمها هو حماية دم الإنسان المسلم من نيران الطائفية البغيضة وجهل الجهلاء الذين وصلت بهم الحال إلى بيع دمائهم مقابل أحلام زواجهم من "الحور العين"، ولكن هذا البيع والشراء إنما هي تجارة خاسرة وضياع للنفس والمال وتضييع للأهل والولد إضافة إلى مقتل الكثير من الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى اعتناق فكرة واعتقاد لا يحبه هذا القاتل أيا ً كان.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه في حال تطبيق هذه الفكرة ووضعها حيز التنفيد من شأنه أن يُنقي التراث الإسلامي من الكثير من الإسرائيليات والمغالطات التي دخلت عليه خلال القرون الماضية والتي أدخلها بعض وُعَّاظ السلاطين ومن باعوا دينهم ودنياهم لأجل أموال زائلة أو حماية لنفسه وأهله من القتل والتنكيل والتعذيب. وقد جاءت الإساءة لنبي الرحمة محمد صلى الله عليه واله وسلم بسبب هذه الإسرائيليات والمغالطات التي انتشرت وللأسف الشديد في كتب المسلمين. وإني أطلب من علماء المسلمين ووجهاءهم ومن له صوت مسموع بينهم أن يبدأوا بتنظيف وتنقيح كتب المسلمين التاريخية والروائية وغيرها من هذه المغالطات والتي يستخدمها بعض من يريد الفتنة بين المسلمين لتشويه صورة النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم.

كذلك، فإن من ثمار التقارب الفكري بين المذاهب الإسلامية هو تقدمها العلمي والتكنولوجي والثقافي كأمة واحدة في مقابل التطور السريع الذي يشهده العالم الغربي. إذ نجد أن بعض البلاد الإسلامية متقدمة عن بلاد أخرى في التكنولوجيا الحديثة بل وتسابق العالم الغربي في ذلك، ونجد بلادا أخرى متقدمة بقية البلاد الإسلامية في ثقافتها وعلومها النظرية. ولكن إن تقاربت هذه البلاد المختلفة في مذاهبها الدينية فكريا وعقائديا فإن علماءها والعقول المنيرة فيها يمكنها من أن تتقارب في التجارب العلمية فتُخرج لنا أجيالا من العلماء بدل أن تتجه طاقاتنا لخدمة الغرب.

وأما الجانب الإقتصادي فسوف ينال حيزا من الإهتمام المتبادل وخصوصا في ظل الظروف الإقتصادية الراهنة التي ما فتئت تعصف بالكثير من المجتمعات العالمية. في حين أنه لو تقاربت الدول الإسلامية وأصحبت تفكر كمجتمع واحد بعيدا عن الطائفية فإنه من الممكن جدا أن تستثمر مواردها الطبيعية - والمعلوم أن الدول الإسلامية تمتلك مواردا طبيعية هائلة قل نظيرها في أماكن أخرى من هذا العالم – في النهوض بالأمة الإسلامية وتطوير البنية التحتية والخدمية لهذه المجتمعات.

أخيرا، إن المُطّلع على ما يجري في البلاد الإسلامية قاطبة، يرى بأن مسألة التقارب الفكري بين المذاهب الإسلامية أصبحت أمراً لا مفر منه ولا يُمكن الإستغناء عنها بتاتاً. ليس فقط لأجل إيقاف نزيف الدم في البلاد الإسلامية، ولكن لتوحيد كلمتهم وهدفهم لغاية أسمى ألا وهي نُصرة القضية الفلسطينية التي طالما أدعى العرب والمسلمون ولا زالوا يدعون بأنها الهدف الأكبر لهم منذ أن تم احتلالها. وليت شعري، كيف يمكنهم أن يُطهروا أرض أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من دنس الإحتلال الصهيوني الغاصب وهم يتناحرون فيما بينهم، والأولى بهم ومنذ أمد بعيد أن تُجيش الجيوش لإعادة الحرية للشعب الفلسطيني وللأراضي الفلسطينية المحتلة، لا أن يقتل الرجل أخاه بحجة اختلاف مذهبه ومعتقده الديني.

وإنني من هذا المنبر أدعو جميع الدول الإسلامية إلى الإقتداء بتجربة سلطنة عمان في الوحدة الإسلامية والسير على نفس الخُطى التي سارت عليها السلطنة في سبيل توحيد البلاد تحت راية واحدة لخدمة الدين والوطن. كما أتمنى أن تُطبق فكرة العاهل السعودي وتدخل حيز التنفيد ويبدأ العمل بها قريبا جدا، لعلنا نشاهد توقفا سريعا لدماء المسلمين التي تسيل هنا وهناك بحجة الطائفية المقيتة وتطورا جذريا في هذه البلاد.


رضا بن عيسى اللواتي
سلطنة عمان
نشرت في جريدة القدس العربي بتاريخ 15/11/2012م

2012/07/28

بين الأصالة والمعاصرة .. صراع دائم



بين الأصالة والمعاصرة .. صراع دائم

          كثيرا ما تم استخدام مصطلح "الأصالة والمعاصرة" في حديث الأدباء والمفكرين وتمت الإشارة إلى هذين المصطلحين في مواضيع وأبحاث عديدة، وكتب عنها الباحثون وأشارت إليها الأقلام، وعُقدت من أجل شرحها الندوات. ولكن يبدو أن الكثير من هؤلاء المحللين والباحثين لم يستطعوا إيجاد التناغم بينهما، فأخذوا ببيان تناقضهما وبيان البعد الشديد بينهما والهوة العميقة التي تفصلهما، بل وتحدث بعضهم وأشار إلى استحالة إيجاد التوافق بين "الأصالة والمعاصرة".
          ولو جئنا إلى الأصالة بمعناها اللغوي البحت نجد أنها كل ما يتصل بالماضي من عادات وتقاليد ومواريث، بينما تُعرف المعاصرة على أنها كل ما هو جديد ويلازم التطور والازدهار. ومن خلال المعنى اللغوي للكلمتين، يبدو أنه من الصعوبة بمكان إيجاد التوافق والتلازم بينهما، بالخصوص بعد بزوغ عصر التكنولوجيا والتطور وعصر الحريات والديموقراطية في حياة الشعوب. ولكن السؤال المطروح "هل يمكن الجمع بين الأصالة والمعاصرة في إطار واحد؟" وهذا السؤال عادة ما يتكرر بعد كل حوار وندوة أو مناظرة، دون الحصول على إجابة واضحة وصريحة.
          لقد قيل قديما أن الأمة التي ليس لها ماضٍ ليس لها حاضر ولن يكون لها مستقبل، وهي معادلة صحيحة جدا، فكيف لأمة لم يكن لها إنجازات فيما سبق ولم تُعرف قبل الآن وليس لها عادات وتقاليد أن يكون لها حاضر فضلاً عن وجود مستقبل لأبنائها. فما نراه في واقعنا الحالي من أمم كانت مُشردة في سالف الأزمنة ومن دون إنجازات سابقة وليس لها عادات تحكمها، هي لا تستطيع بناء حاضرها بناءً راسخاً صلباً يضمن لها تطورها ونموها في المستقبل. على العكس تماما، فإننا نجد الأمم التي عاشت ماضيها وهي أمم منتجة مُنجزة ولها عادات وتقاليد راسخة ورثتها لأبناءها وأجيالها اللاحقة فإن لها حاضر مضيء ومستقبل يمكن التكهن بحاله، كحال أمتنا العربية وإن كانت تعيش حالياً تحت أنقاض ماضيها المجيد إلا أن الربيع العربي قد يعيد لها بعضا من رونقها وجمالها.
          في مقابل ذلك، فإن التطور الحاصل في شتى مجالات الحياة، وأبرزها التطور العلمي والتقني، والسرعة الشديدة التي تزدهر فيها العلوم والتقنيات وغيرها، تجعلنا نقف أمام مصطلحات الحداثة والانفتاح على الثقافات الأخرى وأفكار الطرف الأخر. فلا يمكن لنا أن نبقى في أخر السباق متخلفين عن بقية الأمم بحجة الأصالة والعادات والتقاليد.
          وقد أخذ المفكرون والباحثون في هذا المجال باستعراض أبحاثهم وأفكارهم فبعضهم يقول أنه إذا أردنا أن نتطور ونلحق بركب العلماء والباحثين فإن علينا أن نترك تراثنا وعاداتنا جانبا ونسير بخطىً حثيثة كما يسير الغرب ونفكر كما يفكرون ونلبس كما يلبسون ونأكل كما يأكلون، فإنهم دُعاة التطور والازدهار. وعلى الضفة الأخرى يقول آخرون بأن التراث هو الأساس في كل شي، وأن علينا أن نتمسك بتراثنا وأن نترك التقنية والعلوم الحديثة لكي نُكوّن شخصيتنا العربية ونعيد إلى ثقافتنا شيئا من ماضيها التليد بعيداً عن تأثيرات الغرب والمجتمع المتمدن.
          في الحقيقة لا يمكننا أن نُفرّق بين الأصالة والمعاصرة، فإذا ما تحدثنا عن الأصالة بمعزل عن المعاصرة فإننا نكون قد وقعنا في حديث عن الماضي السحيق وإن كان مشرقا، وأوقعنا مجتماعتنا وأجيالنا في انعزال فكري واضح بدعوى "التمسك بالعادات"، ويؤدي هذا بالتأكيد إلى نقص الوعي وعدم فهم الحاضر فهما صحيحا وعدم مواكبة التطور العلمي. وإذا ما تحدثنا عن المعاصرة بمعزل عن الأصالة فإننا سوف نكون في تبعية لكل ما هو جديد دون الرجوع إلى أساسنا الفكري والعقائدي، فغلبة المعاصرة في زمننا الحالي وبالخصوص لثقافة مثل ثقافتنا العربية التي لم تواكب العولمة إلا قريبا جدا سوف يؤدي إلى سقوط أبنائنا في شبهات ومشاكل نحن في غنىً عنها.
          وعلى هذا النحو، فإن الربط بين الأصالة والمعاصرة يتم بأخذ الصالح من التطور والعلم وترك الطالح منها، ويكون ذلك على نحو واضح وضوابط حددتها الشريعة الإسلامية وحددتها عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة. وأبرز مثال على ذلك، ما حدث في العهد النبوي الزاهر حينما جاءت التشريعات الإلهية بأخذ بعض الأحكام التي كانت في أيام الجاهلية كحُرمة الحرب والقتال في الأشهر الحُرم، وجعلتها تشريعا قرآنياً دون المساس بالتشريعات الإسلامية الأخرى ودون الأخذ بأحكام جاهلية أخرى مخالفة للتعليمات الإسلامية، وذلك لأن هذا التشريع الجاهلي يتناسب والفكر الإسلامي.
فنحن حينما ندعو إلى التمسك بالأصالة ومواكبة الحداثة والمعاصرة، إنما نُريد من أجيالنا أن تكون منفتحة على الثقافات والحضارات الأخرى دون أن تَنسى حضارتها وفكرها التي نشأت عليه، ونريد من أجيالنا أن تكون مُلمة بالتقنية الحديثة دون أن تُهمل تراث الأباء والأجداد، بل ونريد من أبناءنا وأجيالنا أن يكونوا معاصرين وأن يكونوا في الوقت نفسه دعاة إلى الأصالة ومتمسكين بتراث الماضين. وقد أشاد القرآن الكريم بهذه الفئة حين قال :"فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" ‏[‏الزمر‏:‏ 17-18‏]‏.


رضا بن عيسى اللواتي
في ملحق شباب عمان التابع لجريدة عمان
28/7/2012