2013/09/16

فأولئك شيعة جعفر

فأولئك شيعة جعفر

فأولئك شيعة جعفر

تمر الأيام والليالي، ويستمر حزن الشيعة على أئمتهم، فهم بين مسموم ومقتول، وفي كل شهر لنا نائحة عُظمى بذكرى شهادة أطهر خلق الله تعالى بعد جدهم رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه واله وسلم. وفي شهر شوال هناك فاجعتان، الأولى ذكرى هدم قبور أهل البقيع الغرقد وعلى رأسهم قبور أربعة من أئمة أهل البيت النجباء عليهم السلام، وثانيها هو ذكرى شهادة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، مؤسس المذهب الجعفري فقهيا وباني أركانه وأساسه.

في كل ذكرى تقام المآتم وتُعقد مجالس العزاء لإحياء هذه المناسبات، وقد أحببنا في هذه المقالة أن نتحدث عن شيء أخر بعيدا عن المصاب والعزاء من باب “أحيوا أمرنا” كما روي عن عدد من أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأبرزهم الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.

لقد ركز مؤسس المذهب الإثناعشري وباني أركانه على صفات الشيعي التابع لأهل البيت عليهم السلام، حيث ذكر الإمام الصادق عليه السلام في غير مناسبة متحدثا عن صفات الشيعي حيث يقول في إحدى جلساته مع شيعته وأصحابه ما ذُكره العلامة المجلسي في بحار الأنوار [65/167]: “قال الإمام الصادق (عليه السلام): “شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، ويحجّون البيت، ويجتنبون كلّ محرّم“. وفي هذه الرواية الشريفة ما يدل بوضوح على صفات الشيعة، فقد ذكرها صادق أهل البيت عليه السلام بأسلوب بسيط يفهمه العامة والخاصة، العلماء من الشيعة وعوام الناس أيضا.

ومما ورد أيضا عن صفات الشيعة أنهم العابدون والمتهجدون في الليل كما ذُكر في الكافي للعلامة الكليني [2/233]: “قال الإمام الصادق (عليه السلام): شيعتنا هم الشاحبون الذابلون الناحلون، الذين إذا جنّهم الليل استقبلوه بحُزن“. ويتبين لنا من خلال هذه الرواية تطابقها تماما مع صفات المؤمنين في قول الله تعالى:” كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” [سورة الذاريات: 17-18]. فنجد أن شيعة محمد وآل محمد هم عينهم المؤمنون كما يتضح. وقد بين أبو عبدالله الصادق عليه السلام صفاتا أخرى لشيعة محمد وال محمد فقال: “امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها، وعند أسرارنا كيف حفظهم لها عند عدوّنا، والى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها“. [الخصال 103/ح62].

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه قال واصفا الشيعة كما ورد في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام: “إنّ شيعتنا مَن شيّعنا، واتّبع آثارنا واقتدى بأعمالنا“. وكما ورد عن الإمام محمد الباقر سلام الله عليه في الكافي أنه قال: “يا معشر الشيعة، شيعة آل محمّد، كونوا النمرقة الوسطى، يرجع اليكم الغالي، ويلحق بكم التالي“، وفي هذا قال الله تعالى في الكتاب المجيد:”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً”.

إن جميع هذه الروايات المروية عن أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم، تتحدث عن صفات الشيعة، شيعة محمد وآل محمد، وتصفهم وصفا دقيقا، فهم أصحاب الصلاة والصيام، وهم العابدون في الليل والصائمون في النهار، التالون لكتاب الله العزيز، وهم عينهم المحافظون على أسرار النبوة والإمامة. والشيعة هم أيضا: “من قدّم ما استحسن، وأمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالأمر الجليل، رغبة الى رحمة الجليل“، وهنا يُعقب الإمام الصادق عليه السلام بقوله: “فذاك منّا وإلينا ومعنا حيثما كنّا“. فمن كان شيعيا مواليا لأهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم فهو معهم ومنهم وإليهم.

وهنا تحضرني قصة أحد الموالين الذين أمسكت بهم الزمرة الحاكمة آنذاك وحين سأله الوالي عن تشيعه، بكى ذلك الشيعي فلما سُئل عن سبب بكاءه، كان مُقتضى جوابه: “لقد وصفتني بأمر عظيم، وأخشى أن لا أكون من الشيعة فأعمالي لا تؤهلني لذلك”. وأختتم حديثي برواية جميلة عن الإمام الصادق عليه السلام حين قال: “يا معشر الشيعة، إنّكم قد نُسبتم إلينا، كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شينا“. [ مشكاة الأنوار: 134]، وقال عليه السلام أيضا: “فإنّما شيعة عليّ مَن عفّ بطنه وفرجه، واشتدّ جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر“.[الكافي 2/233]. نسأل الله العلي القدير أن نُكتب من شيعة أهل البيت عليهم السلام “يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم”. [سورة الشعراء 88-89].

في الختام عظم الله أجورنا وأجوركم في استشهاد سيدنا ومولانا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.



نشرت في مدونة "مدونون" بتاريخ 1/9/2013 ..

2013/08/16

البقيع الغرقد .. أنة وأهة عظمى

البقيع الغرقد .. أنة وأهة عظمى

البقيع الغرقد، هو أحد المقابر التاريخية الواقعة في مدينة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، والذي دفن فيه أربعة من أئمة أهل البيت عليهم السلام وهم الإمام الحسن بن علي عليه السلام، والإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام، والإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام، والإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. كما دفنت فيه السيدة فاطمة بنت حزام الكلابية أم البنين، والدة العباس بن أمير المؤمنين وأخوته الأربعة عليهم السلام. كما تقول بعض المصادر التاريخية أن عددا كبيرا من الصحابة والتابعين، وبعضا من أزواج النبي وبني عمومته صلى الله عليه واله وسلم قد دُفنوا في مقبرة البقيع، وتشير مصادر أخرى إلى أن 10 الاف صحابي قد دُفنوا في مقبرة البقيع.

إن دفن هذا العدد الهائل من صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم في مقبرة البقيع، علاوة على وجود مقابر لأربعة من أطهر الخلق بعد جدهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في هذه المقبرة أضفى عليها قدسية هائلة حملت الناس على زيارتها والتبرك بمقابر هؤلاء العظام، والتوسل بهم إلى الله سبحانه وتعالى لقضاء حوائجهم. وقد كانت زيارة البقيع الغرقد سنة نبوية، فقد ورد أن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم كان يزورها في كل ليلة وكان يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".

إن هذه القدسية الكبيرة للبقيع الغرقد وأهتمام سيد الخلق صلى الله عليه واله وسلما بها لم تُثني الفرق التكفيرية على ارتكاب جريمة شنعاء في الثامن من شوال سنة 1344 للهجرة النبوية، بهدم مقامات وأضرحة المدفونين في هذه المقبرة الشريفة وفيهم من فيهم وهدموا جميع الآثار التاريخية الموجودة منذ عصر النبوة وما بعدها وساووها بالأرض. وفي هذا يقول عبدالله بن حسن باشا في كتابه صدق الخبر ما نصه: "إن الفرقة أجبروا كثيرا من الناس على مساعدتهم ومعهم الرفوش والفؤوس، فهدموا جميع ما في المعلى من آثار الصالحين وكانت كثيرة، ثم هدموا قبة مولد النبي (ص) ثم مولد أبى بكر، والمشهور بمولد سيدنا علي (ع) وقبة السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، وتتبعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين، وهم أثناء هدمهم يضربون الطبول ويرتجزون مبالغين في شتم القبور التي هدموها، ولم تمضي ثلاثة أيام إلا وقد محوا عموم تلك الآثار المباركة، وقد نهبت الفرقة كل ما في الحجرة النبوية من التحف والأموال والمجوهرات، وطردوا قاضي مكة وقاضي المدينة ومنعوا الناس من زيارة النبي(ص)".

ولو تتبعنا تاريخ الأمم والحضارات فإننا نجد كل حضارة وأمة قد اهتمت اهتماما بالغا بتراثها ومعالمها، وأبرز دليل على ذلك في تاريخنا الحالي هم اليهود الذين استوطنوا فلسطين، هؤلاء يزعمون أن هيكل النبي سليمان عليه السلام تحت المسجد الأقصى، وهم يحاولون بكل ما يمكنهم من قوة إعلامية وعسكرية وعلمية بأن يبحثوا تحت المسجد الأقصى ويحفروا تحته. فاهتمامهم بماضيهم وتراثهم جعلهم يسعون سعيا حثيثا إلى بناء مستقبل لهم والتأكيد عليه وبثه لأجيالهم اللاحقة.

أما فرق التكفير فقد محت كل أثار النبوة والرسالة وما زالت تدعو إلى محوها وتدميرها وعلى هذا الدرب هم سائرون وهذا ما نشاهده في هذه الأيام من حوادث يندى لها الجبين، فإنهم يزيلون ويدمرون كل ما يمت إلى الرسالة النبوية والدعوة المحمدية بصلة بدعوى أن إقامة القبور "بدعة" قد ابتدعها أعداء الدين، ولست أدري أين هم عن الأية المباركة حينما يتحدث الله تعالى عن أهل الكهف: "إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا" [الكهف:21]، ولو كان إقامة القبور والبناء عليها واتخاذها مساجد يذكر فيها اسم الله تعالى بدعة كما يدعون لنهى عنها القرآن الكريم وصرح ببدعتها نبي الإسلام صلى الله عليه واله وسلم، ولكن كل ذلك لم يحدث، وهذا يدل على أن إقامة المقامات والأضرحة على القبور ليست بدعة. كما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد دفن عمه الحمزة الذي استشهد في معركة أحد ووضع حجرا على قبره، إشارة إلى إقامة القبور.

إن هدم القبور والأضرحة الموجودة في البقيع الغرقد لهي فاجعة عظمى حلت بأمة الإسلام، ولا تزال تلك الفاجعة تلقي بظلالها علي الأمة الإسلامية وسوف تزال تسري في جسدها وتنخره نخرا إلى حين إعادة حق محمد وآل محمد عليهم السلام المغتصب ببناء الأضرحة في البقيع، فإن مظلومية أهل القبور في البقيع ولا سيما أئمة أهل البيت الأربعة عليهم السلام لا تزال سارية ومن ظلمهم هي تلك الفرق التكفيرية التي لا تريد إلا الشر والسوء بالإسلام وأهله، والتي لا تزال تكيد بالإسلام والمسلمين وتقتلهم عند كل حجر ومدر بدعوى التوحيد ونشر لوائه.

إنها لمصيبة عُظمى وفاجعة كبيرة هدم مقابر الأئمة الأربعة عليهم السلام في البقيع وهدم أثار الرسالة المحمدية في تلك البقعة الشريفة، وواجبنا كمسلمين هو الذود والدفاع عن هذه الأثار والمطالبة بإرجاعها إلى سابق عهدها بل إلى أفضل مما كانت عليه، فكما يقال: "من لا يفتخر بتاريخه وماضيه، فليس له مستقبل أبدا"، وهذه الأثار هي التي تدلنا وترشدنا إلى رسولنا الكريم صلى الله عليه واله وسلم، وهي التي تزيد من قوة عقيدتنا وتعلقنا به صلى الله عليه واله، وهؤلاء المدفونون بهذه الأرض الطيبة هم من خيرة البشر على وجه الأرض، وهم من ضحوا بأنفسهم وأموالهم وكل غالٍ ونفيس مما يملكون من أجل استمرار هذا الدين العظيم وضمان وصوله إلى الأجيال اللاحقة.

وما ذكرى "يوم البقيع العالمي" إلا رد جزء بسيط من الدين الذي علينا لهؤلاء العظام، ولكي يتذكر المسلمون ما حل بأثار النبوة والرسالة، وما حصل في تلك البقعة الطاهرة التي كانت في زمن سابق مكانا يزوره النبي صلى الله عليه واله وسلم، ويزوره المسلمون من كل حدب وصوب. فحري بنا أن نتعاهد جميعا باستذكار هذا المصاب الجلل وبيانه للعام والخاص وعدم نسيانه وتمريره للأجيال القادمة، وأن نتعاهد جميعا ونعاهد الله سبحانه وتعالى وصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بأن نكون من الذين يعيدون بناء قبور أئمة البقيع عليهم السلام ويعيدون بناء أثار النبوة والرسالة المحمدية. حقا إن في الثامن من شوال آهة وأنة عظمى.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نشرت في مدونة مدونون بتاريخ 16/8/2013

2013/08/14

لمحة نظام من المانيا

لمحة نظام من المانيا

أصبح لي في جمهورية ألمانيا ما يناهز الشهر، وقد رأيت فيها ما لم أره بل ما لم أتخيله في بلادي سلطنة عمان أو أيٍ من الدول العربية التي زرتها. هنا في المانيا، التطور سريع جدا، كل شيء يتطور، البشر، العمران، المستشفيات، والطرقات وكل شيء، وتطورهم سريع جدا. كل شيء عندهم دقيق ومنظم، وكأنما كل شيء يتم عن طريق الآلات، فمثلا ما إن تدق الساعة التاسعة مساءً من كل يوم حتى تجد جميع المحلات التجارية والمطاعم قد أُغلقت جميعها إلا ما ندر. كما أن التنقل عندهم سهل يسير ولا يحتاج لأن نقف في زحمة روي أو الخوض أو الخوير.

وسوف أتحدث عن أكثر ما أعجبني في هذه الدولة بل ومعظم الدول الأوروبية، ألا وهو نظام النقل. في أوروبا لا وجود للسيارات الخاصة للنقل إلا نادرا على عكس ما يحدث في أغلب دولنا العربية، بل نجد الحافلات العامة، نظام الترامات، نظام الميترو ونظام القطارات البطيئة والسريعة، كما لا أنسى سيارات الأجرة وهي الوحيدة المتواجدة في سلطنة عمان. عند الحديث عن هذه الأنظمة والمسارات لا بد من ذكر كل منها على حدة حتى يأخذ كل نظام حقه من البيان.

في بداية الأمر يشتري الراكب بطاقة نقل يومية أو اسبوعية أو شهرية بمبالغ رمزية جدا، ويستطيع استخدامها في جميع وسائل النقل التي سوف يتم ذكرها.

بدايةً بنظام الحافلات، فإنها تتواجد بشكل مكثف عند كل محطة، وما بين كل محطة وأخرى مسافة 5 كيلومترات تقريبا، ولكن الأجمل من ذلك أن كل شيء يتم وفق نظام زمني دقيق، فعندما تصل إلى محطة الحافلات تجد لوحة الكترونية مكتوب عليها، بعد 5 دقائق ستصل الحافلة الذاهبة إلى المحطة (أ)، وبعد 7 دقائق ستصل الحافلة التي سوف تقل الراكبين إلى المحطة (ب) وهكذا، والمفاجأة أن بعد 5 دقائق تصل الحافلة الذاهبة إلى المحطة. تستقل الحافلة المتجهة إلى المحطة (أ)، وللعلم فهي المحطة النهائية التي سوف تقف عندها الحافلة، لتذهب بك إلى جميع المحطات في مسارها. وتجدر الإشارة إلى وجود شاشة صغيرة في الحافلة تخبر الركاب باسم المحطة التي تقف عندها لتكون على بينة ومعرفة من طريقة واتجاهك.

النظام الثاني هو نظام الترامات، نظام يشابه نظام الحافلات ولكنه يأخذ عددا أكبر من الركاب وله خط سير محدد، ويقف أيضا في محطات تبعد عن بعضها ما يقارب 1.5 كيلومترا، وعند كل محطة سوف تجد لوحة مكتوب عليها مواعيد وصول كل الترامات. في كل محطة سوف تجد ثلاثة أو أربعة مسارات للترامات وكل منها يذهب في اتجاه غير الآخر. في الترام يوجد نظام صوتي يخبرك بالمحطة التالية التي سوف يقف فيها الترام. الإيجابية في نظام الترامات هو عدم تأثره بالازدحام المروري في معظم الأحيان، وله اشارات ضوئية تحدد مساره في حال تقاطع مساره مع مسار السيارات والحافلات، كما أن هذا النظام لا يستخدم الوقود للعمل أبدا، بل يعتمد على الطاقة الكهربائية في حركته.

بالانتقال إلى النظام الثالث وهو نظام الميترو، نظام القطارات التي تسير تحت الأرض، فقد بُنيت لها أنفاق لتصل مختلف مواقع المدينة بعضها بالبعض الآخر، هي أسرع من الحافلات والترامات، ولكن ربما لا يمكن أن نستخدم هذا النظام في بلادنا لعدم وجود البنية التحتية الكافية لعمل مثل هذه الأنظمة، ولكن يمكننا أن ننشئ نظام ميترو فوق الأرض كما فعلت إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، مع توفير مواقف للسيارات بجانب كل محطة للترامات.

أما النظام الأخير فهو نظام القطارات، وهو النظام الذي يربط مدناً ببعضها البعض، وفيه مختلف أنواع القطارات، من حيث جودتها وسرعتها، فمنها ما هو بطئ وذلك للتنقل ما بين المناطق البعيدة في نفس المدينة أو مدن قريبة، ومنها ما هو سريع وذلك لإيصال الراكب إلى مدن بعيدة عن بعضها. وهنا لا يمكن اسخدام نفس التذكرة، فلابد من شراء تذكرة أخرى بمبالغ مختلفة، تختلف بحسب المسافة التي سوف تقطعها ونوع القطار المستخدم.

وهنا يُطرح سؤال مهم جدا للقائمين على مثل هذه المشاريع، وهو لماذا لا يتم توفير أنظمة النقل هذه والبداية بها في السلطنة، فإن وجود مثل هذه الأنظمة سوف يوفر فرص عمل للشباب من مختلف الفئات والقضاء على البطالة في بلادنا، سواء كان ذلك في وقت إنشاء هذه الأنظمة وأيضا بعد وجودها. الأمر الآخر الذي سوف يفيدنا وهو تقوية السياحة في السلطنة، حيث سيصل السائح إلى المناطق السياحية في السلطنة بوسائل نقل سريعة مع استخدام بطاقات النقل ذات أسعار رمزية، من دون الحاجة إلى المرور في الازدحام أو استئجار سيارة خاصة له.

كما أن هذه الأنظمة سوف تقلل من الازدحام المروري الذي يؤرق مضاجع الكثيرين ويؤخرهم عن أداء مهامهم، وهذا الأمر لا يحدث فقط في محافظة مسقط التي هي عاصمة السلطنة بل في مختلف محافظات السلطنة. مضافا إلى ذلك، فإن استخدام وسائل نقل مختلفة غير السيارات، فإنها تقلل من عدد حوادث المرور والتي تحصل بشكل يومي تقريبا في السلطنة، وتحصد مئات الأرواح البريئة كل يوم.

من جانب آخر، فإن مثل أنظمة النقل التي نتحدث عنها تحد من التلوث الناتج من عوادم السيارات والحافلات التي تستخدم الوقود، وذلك لأنها تستخدم الطاقة الكهربائية بدلا من الطاقة الناتجة عن احتراق الوقود، وتقليل التلوث لهو أمر مهم للبيئة والإنسان، وكم تحدثت الأقلام وتكلم المختصون عن مضار التلوث الناتج من احتراق الوقود والبنزين.

استمرارا بالحديث عن الوقود، فإن البترول لا بد له من النفاد عاجلا أم آجلا، وإذا ما نفد في بلادنا فما هي البدائل المتوفرة عندنا من أجل النقل، ولهذا لا بد من التفكير مليا في أنظمة نقل أخرى لا تعتمد على الوقود بشكل تام وإنما تعتمد على بدائل له من قبيل الطاقة الكهربائية أو الطاقة الشمسية في المستقبل، لأن هاتين الطاقتين من الطاقات التي لا تنضب وذلك لتحل محل أنظمة النقل التي تستخدم الوقود والبنزين من أجل عملها.

في الأخير، أتمنى من المسؤولين التفكير مليا في هذا الأمر، فإن له من الفوائد الكثير جدا، أكثر مما تم ذكره آنفا. والشكر للمسؤولين على عملهم الدؤوب في سبيل توفير سبل الراحة والتطور للمواطنين.



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشرت في جريدة الرؤية بتاريخ 14/8/2013.
نشرت في صحيفة البلد الالكترونية

2013/08/13

الإمامة الدينية .. ضرورة ملحة

الإمامة الدينية .. ضرورة ملحة

الإمامة الدينية .. ضرورة ملحة

منذ أن نشأت البشرية وعلى مر العصور والأجيال فإنها لا تخلو من قائد يسير بها وإمام تحتذي به. وكانت الأمم إما أن تُنصب قائدا لها حسب معطيات زمانها وإمكانيات ذلك القائد وحسب مصالحها الشخصية أو يُنصب ذلك القائد نفسه على أمته فتكون هاتين القيادتين من وضع البشرية. وإذا ما ارتقينا إلى مستوىً أعلى فقد كانت الإرادة الإلهية تتدخل لتنصيب قائد على أمة ما، فنجد تدخل القدرة الإلهية في كثير من الأحيان لتنصيب ذلك الفائد حفاظا على البشرية، كملك النبي سليمان عليه السلام مثلا، فقد كان له من الملك ما لم يكن لأحد قبله، كذلك عندما أمر الله بني إسرائيل بإطاعة طالوت ملكا عليهم رغم كون مستواه المادي متدنيا مقارنة بغيره من بني إسرائيل إلا أن الله زاده بسطة في العلم، على الرغم من أنه لم يكن نبيا. كما تدخلت الإرادة الإلهية فجعلت النبي الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه واله وسلم إماماً وهاديا للناس يسير بهم نحو الطريق القويم.
ولأن الإسلام خاتم الرسالات السماوية والنبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم هو خاتم الرسل فإن وجود إمام أو قائد إلهي بعده صلى الله عليه واله وسلم، يسير بالناس نحو الصراط المستقيم لهو أمر مهم للغاية، لأن كمال البشر في وجود قائد بعد الرسول يدل الناس على ما يخفى عليهم ويوجههم نحو السمو والرفعة، ودلالة ذلك قوله تعالى:“إنما انت منذر ولكل قوم هاد” [الرعد:7]. والفرق في الأية بين النبي والإمام واضح جلي لكل ذي عقل فالنبي مبشر ومنذر ومخبر للناس بعواقب الأمور ومحدثهم عن الحلال والحرام من الأشياء، ويدلهم على الطريق الذي يجب أن يسلكوه، أما الإمام فهو من يأخذ بيد الناس نحو الطريق الذي دلهم عليه النبي من قبل ويرجعهم إلى الجادة إن إنحرفوا عنها كما بينها الله تبارك وتعالى في قوله: “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون”[السجدة:24].
ومن هنا، يتضح بأن خلو الأرض من هادٍ وحجةٍ لله بعد نبيه صلى الله عليه واله وسلم يتنافى مع قاعدة اللطف الإلهي عندما يقول تعالى:“الله لطيف بعباده” [الشورى:19]، فوجود الإمام هو تكلمة لوجود النبي صلى الله عليه واله، وكما كان وجود النبي صلى الله عليه واله لطفاً إلهيا لهداية البشر، فوجود الإمام هو أيضا للسير على ما خطه النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، لذا كانت الإمامة جعلا إلهيا وتنصيبا إلهيا وليس للبشر أي تدخل في هذا الشأن، قال الله تبارك وتعالى: “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين”[الأنبياء:73].
وأختم حديثي برواية عن الإمام الصادق عليه السلام كما وردت في تفسير البرهان“ ألا تحمدون الله؟ أنّه إذا كان يوم القيامة يدعى كُلّ قوم إلى من يتولونه، وفزعنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وفزعتم أنتم إلينا”.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نشرت في مدونة مدونون بتاريخ 12/8/2013

2013/08/02

شهر رمضان يَجْمَعُ النقيضين

شهر رمضان يَجْمَعُ النقيضين


         من المعروف أن شهر رمضان المبارك هو شهر تنقية الروح من الشوائب، وشهر تصفية النفس من ملذات الدنيا والابتعاد عن كل ما شأنه أن يَحُطَ من سمو الروح ويمنع صعودها على مدارج الكمال. ومن المعلوم أيضا أن الذي ينتهي عليه شهر رمضان المبارك من دون أي تغيير في روحه ونفسيته فإنه يكون قد خسر الكثير الكثير. فشهر مثل هذا الشهر ليس فقط للصيام وقراءة القرآن، بل "هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله تعالى" كما ورد عن رسولنا الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، وعندما يكون أحدنا ضيفا على ملك من الملوك فإنه يذهب إليه بأحسن حلة وأفضل شكل، فكيف بنا ونحن في ضيافة ملك الملوك ورب الأرباب، أليس حريا بنا أن نظهر بأفضل حلة ونكون بأبهى زي.

          في هذا المضمار، فإن المسلم في هذا الشهر يُكثر من قراءة القرآن الكريم فكما ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: "من تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور". ونرى أيضا مجالس تحفيظ القرآن وتعليمه للجيل الواعد، كما نرى حلقات شرح القرآن في مساجدنا. ويكثر في هذا الشهر الفضيل زيارة الأرحام امتثالا لأمر صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه حين تحدث عن هذا الشهر فقال: "من وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه". بالإضافة إلى ذلك، فإن بيوت الله يكثر فيها الناس، ويقبلون بشغف على المساجد ويحيون ليلها ونهارها بالعبادة وقراءة القرآن وحلقات الذكر والدعاء وغير ذلك. إن كل ما تم ذكره أعلاه هي عادات إيجابية ينبغي المحافظة عليها من قبل الفرد والمجتمع لما لها من أثر بالغ في حياة الإنسان في الدنيا فضلا عن الآخرة.

          وعلى النقيض تماما، فإن هذا الشهر المبارك لا يخلو من ممارسات خاطئة كثرت في مجتمعاتنا، وهي في الحقيقة مخالفة تماما لما كان عليه المسلمون في الصدر الأول من الإسلام. فنرى الآن بأن الإنسان المؤمن تقل فاعليته ويقل عمله وانتاجه سواء كان انتاجا في العمل أو انتاجه الفكري والمعرفي في هذا الشهر، فنراه يُكثر من النوم ويقوم بعمله بأقل طاقة لديه فتقل الطاقة الانتاجية لهذا الفرد، كما تقل أيضا الطاقة الانتاجية والأداء المعرفي للطالب في المدرسة أو الجامعة.

          ولعمري إن هذا لخطأ كبير، فقد كان المسلمون الأوائل - وهم قدوة لنا - يعملون في شهر الله الكريم، وينجزون أكثر من انجازهم في الأشهر الأخرى، ولنا مثال واضح المعالم حول هذا، ففي هذا الشهر بالذات خاض المسلمون أول معركة كبيرة مع أعدائهم من قريش وهي معركة بدر الكبرى ولا حاجة لنا في الدخول إلى تفاصيلها الدقيقة. بيد أن هذه المعركة كانت في شهر رمضان المبارك، وربما كانت ممارسة الصبر عمليا في الميدان من أكبر الفوائد التي تجلت من خلال حدوث المعركة في هذا الشهر، فهم كانوا يكتوون بنار الصيام ونار المعركة، ومع ذلك صبروا وانتصروا في نهاية المطاف، وهذا درس مهم نتعلمه من هذه المعركة.

          الأمر الآخر الذي يُلاحظ انتشاره في هذا الشهر المبارك، هو أصناف الطعام والشراب التي توضع على مائدة الإفطار إلى حد الإسراف والتبذير وقد نهى الله تعالى عنهما حين قال في القرآن المجيد: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"، وقال رسوله الكريم صلى الله عليه واله وسلم: "إياكم وفضول المطعم فإنه يسم القلب بالفضلة، ويبطئ بالجوارح عن الطاعة، ويصمّ ُالهمم عن سماع الموعظة". ما يحدث الآن من وضع أصناف منوعة من الطعام – ربما أكثر من الشهور الأخرى – مخالف لهدف الصيام وهو الإحساس بمعاناة الفقراء والمساكين ومن لا عهد لهم بالشبع ولا طعم لهم بالقُرص. وكما يعلم جميعنا قول النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم: "صوموا تصحوا"، والذي تعلمناه في مدارسنا، فلا غرو أن يكون الإسراف منافيا ومخالفا لأمر النبي صلى الله عليه والحكمة من الصيام في هذا الشهر المبارك.

          الجدير بالذكر، أن العلم الحديث قد أشار إلى أن الإسراف في تناول الطعام عند الإفطار وما بعده له من السلبيات الكثير والتي يظهر تأثيرها على الجسم مع مرور الوقت، ويذكر المختصون أنه يفضل الإكتفاء بالطعام المناسب عند الإفطار ثم وجبة قبل الذهاب إلى النوم بثلاثة ساعات ومن ثم وجبة أخرى وقت السحور. ونصيحة أخصائي التغذية هي الإكثار من شرب الماء وأكل الفواكه والخضروات والمواد التي تحتوي على الحبوب بدلا من الطعام الملئ بالمواد الدهنية المضرة بالصحة.

          الأمر الأخير الذي أود ذكره، هو الإدمان على مشاهدة التلفاز، ومن بينها المسلسلات المتنوعة وبرامج المسابقات، وللأسف فإن المنتجون يستغلون هذا الشهر أيما استغلال من خلال الكم الغفير من المسلسلات التي تُبث في هذا الشهر، وكأن شهر رمضان المبارك قد وُجد لمشاهدة التلفاز بل والإدمان عليه. إن بعض هذه المسلسلات قد تدخل في إطار "ما يُحرم مشاهدته"، كما يقضي الفرد في متابعة المسلسل تلو المسلسل ولا يقوم من مقامه إلا ووقت الإفطار قد دخل، وقد تُلهيه هذه المسلسلات عن وقت الصلاة، وليت شِعري أي شقاء أكثر من هذا الشقاء وأي فائدة يجنيها الإنسان من متابعة المسلسلات "الغير هادفة" فينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه واله وسلم: "إن الشقي حق الشقي من خرج من هذا الشهر ولم يُغفر ذنوبه"، ويقول أيضا: "فمن لم يُغفر له في رمضان ففي أي شهر يغفر له؟!".

          نعم، هناك بعض المسلسلات والبرامج الهادفة، وبعض القنوات المحبذ مشاهدتها في كل حين وآن. وهي التي يجب على الإنسان أن يحاول مشاهدتها والاستفادة منها قدر المستطاع ليكون قد تحصل على فائدة تضاف إلى الفوائد التي يتحصل عليها في هذا الشهر المبارك.

          ختاما، إن هذا الشهر هو شهر الحصول على الجوائز من الله تبارك وتعالى، وهو شهر الحصول على المغفرة والرضوان والفوز بالجنة فالشياطين فيه مغلولة وأبواب الجنان فيه مفتوحة، فعلينا جميعا أن نتسابق ونتنافس لبلوغ أسمى الدرجات، فهذا هو أفضل التنافس وهو قول الله تعالى: "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ". وكل عام والجميع بخير.


رضا بن عيسى اللواتي                                                                                                       
مسقط – سلطنة عمان                                                                                                         
                                                                       نشرت في صحيفة البلد الالكترونية وجريدة الرؤية

2013/05/26

السمنة عبء على مجتمعاتنا


السمنة عبء على مجتمعاتنا

           داء انتشر في مجتمعاتنا بصورة كبيرة وغريبة للغاية، حيث أصبح الصغير والكبير مصابين بهذا الداء على حد سواء، ومع طريقة الحياة العصرية والتطور التكنولوجي زادت نسبة المصابين بهذا الداء. هذا الداء هو السمنة أو بتعبير آخر، زيادة الوزن عن المعدل الطبيعي للشخص، ويعود السبب في زيادة الوزن بهذا الشكل إلى فقدان التوازن بين الطاقة الداخلة إلى الجسم عن طريق الطعام والطاقة الخارجة من الجسم أو المستهلكة بأنواعها المختلفة.
          
           في هذا النطاق، أجرى الباحثون عددا من الدراسات تهدف إلى تحديد نسبة المصابين بالسمنة حول العالم، فوجدوا أن نسبة المصابين بهذا الداء تزيد مع مرور الزمن. فعلى سبيل المثال، أجريت دراسة في الولايات المتحدة الأمريكية لتحديد مدى تفشي هذا الداء في المجتمع الامريكي، فأوضحت الدراسة أن نسبة المصابين بالسمنة كانت 15% من المجتمع الأمريكي بين عامي 1976-1980م وزادت هذه النسبة لتشكل حوالي 33% من المجتمع الأمريكي بين عامي 2003-2004م، كل ذلك حدث في غضون 20 سنة أو أقل، وتوقعت الدراسة زيادة هذا العدد في الأعوام المقبلة. أما في سلطنة عمان فقد أوضحت الدراسات بأن نسبة السكان المصابين بالسمنة وزيادة الوزن قد وصلت إلى 50% من المجتمع العماني، ومما لا شك فيه فإن هذه النسبة كبيرة للغاية ولها تأثيراتها السلبية على المدى القريب فضلا عن المدى البعيد.#

          بعد هذا العرض الموجز عن الإحصائيات المتعلقة بالسمنة، ننتقل إلى أسبابها، والسبب الأول والرئيس في الإصابة بالسمنة هو النظام الصحي للفرد. حيث أن زيادة نسبة الطاقة الداخلة للجسم عن طريق الطعام وبالخصوص من المواد السكرية أو الدهنية يشكل طاقة إضافية يجب التخلص منها عن طريق ممارسة الرياضة، ولو بنصف ساعة من المشي يوميا. من جانب آخر فإن أسلوب الحياة الجديد من حيث قلة الحركة وزيادة الوقت الذي يقضيه الفرد في مشاهدة التلفاز واستخدام الأجهزة الإلكترونية يتسبب في تقليص كمية الطاقة المستهلكة من الجسم، وبالتالي زيادة نسبة المواد الدهنية المتراكمة فيه، وقد قيل قديما "في الحركة بركة".

          وقد يتسائل البعض، هل للعامل الوراثي دور في إصابة الفرد بالسمنة؟. في الحقيقة إن هذا السؤال أثار العديد من النقاش بين العلماء والمتخصيين في هذا المجال، حيث ذكر البعض من المتخصصين بأن للعامل الوراثي دور في الإصابة بالسمنة بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه، بينما ركز البعض في دراساته على العامل الوراثي فقط دون الرجوع إلى بقية الأسباب خصوصا إذا ما كان الحديث عن بعض المتلازمات النادرة. جدير بالذكر أن العلماء قد اكتشفوا 41 تركيبا جينيا في المادة الوراثية للإنسان لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالإصابة بالسمنة بشرط توافر العوامل الأخرى، وقد كان ذلك في عام 2006م، ولكن هذه الاكتشاف المبهر بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتنقيح لأجل التوصل إلى معلومات أكثر دقة وفائدة للعاملين في هذا المجال والمصابين بالسمنة.

          السؤال الأهم، ما هي تأثيرات السمنة على صحة الإنسان؟. في هذا الإطار أجرى العلماء ابحاثا عديدة وواسعة شملت العديد من الأشخاص وفي فترات متباعدة، أكدت على أن للسمنة تأثيرات سلبية على الحالة الصحية للإنسان المصاب بالسمنة، خصوصا الجهاز الدوري والقلب، الجهاز التنفسي والجهاز العضمي للإنسان. أما عن الجهاز الدوري والقلب، فقد أثبت العلماء أن السمنة ترفع من معدلات الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم، كما تساهم بشكل كبير في إصابة الفرد بالسكتة القلبية. كما أن للسمنة تأثيرا على الجهاز التنفسي، فأوضحت الدراسات بأن مرض الربو منتشر أكثر عن الأشخاص المصابين بالسمنة. من ناحية آخرى فقد أوضحت التقارير الطبية بأن مرض السمنة تزيد من إصابة النساء بمرض الإكتئاب.

          وقد أكدت المصادر الطبية على أن داء السكري له علاقة وطيدة بارتفاع الوزن لدى الشخص المصاب به، كما أن السمنة تزيد من إحتمال اصابة الفرد بالجلطة الدماغية أو الصداع النصفي. بالإضافة إلى ذلك، فقد أكدت هذه التقارير والأبحاث على أن هناك بعض العلاقة بين ارتفاع الوزن والسمنة وبين العقم سواء كان ذلك للرجل أو المرأة، إلى غير ذلك من المشاكل والتأثيرات السلبية على صحة الإنسان.

          وفي دراسة اجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، وجد من خلالها أن نسبة الوفيات لدى المصابين بالسمنة المفرطة تشكل ضعف النسبة مقارنة بالأشخاص الغير مصابين بالسمنة في دراسة أجريت على الإناث البالغين من العمر 16 سنة وأكثر. كما أجريت دراسة أخرى أثبتت أن السمنة تنقص من العمر المتوقع للفرد بمقدار 6-7 سنوات كاملة. يذكر، أن نسبة 8% من مجمل الوفيات في القارة الأوروبية تعود إلى السمنة وأثارها السلبية على صحة الإنسان.

          ولهذا عكف العلماء على إيجاد حلول لهذه المشكلة الكبيرة ووجدوا بأن أفضل دواء للسمنة وأفضل طريقة للتخلص منها، هي تغيير النظام الغذائي للفرد وجعله أكثر صحيا وملائمة للشخص ولطبيعة جسمه، بالإضافة إلى التمارين الرياضية والإنتظام فيها. وقد أثبتت الدراسات أن الإنتظام الغذائي والرياضة يشكلان العنصر الأساسي للمساعدة على إنقاص الوزن بصورة سريعة والمحافظة عليه. كما تحدثت بعض الدراسات عن بعض الأدوية التي من الممكن أن تساعد على إنقاص الوزن ولكن ذلك يتم على المدى البعيد ولها عدد من التأثيرات الجانبية الغير محبذة. أما بالنسبة للسمنة المفرطة فإن العملية الجراحية هي الحل الأمثل إن لم يستطع المصاب بالسمنة أن ينتظم في طعامه وممارسة الرياضة، وعلى كل حال فإن لها بعض الاثار الجانبية التي لا يحبذها المصاب.

          ختاما، فإن مرض السمنة يتزايد بشكل مفرط في مجتمعاتنا العربية والخليجية على وجه أخص، ويجب على الأفراد والمسؤولين معا العمل على علاج المصابين بها، ووقاية الجيل الجديد من الإصابة بهذا المرض خصوصا وأن "الوقاية خير من العلاج".

رضا بن عيسى اللواتي
طالب بكلية الطب والعلوم الصحية
ملف المسار .. نشرة المسار .. دائرة العلاقات العامة والإعلام .. جامعة السلطان قابوس
20/مايو/2013

2013/05/02

سلامة المعتقَد وأثره على سلوك الإنسان


سلامة المعتقَد وأثره على سلوك الإنسان

          عندما خلق الله تعالى الإنسان جعله في أحسن تقويم وأفضل صورة، فكوَنه من عنصرين مترابطين ألا وهما الروح والجسد، فالأول هو مرتع الإيمان والإعتقاد، والثاني هو المظهر الخارجي الذي تظهر عليه علامات الإيمان والإعتقاد أياً كانت، سليمة مرتبطة بالله تعالى أو سقيمة مرتبطة بغيره جل وعلا. وللوهلة الأولى، يظن الإنسان بأن المعتقد هو كل ما يرتبط بالإيمان بالله تعالى وتنفيذ تشريعاته، ولكن في الحقيقة إن المعتقَد أشمل من ذلك بكثير وإن كان الإيمان بالله تعالى يمثل الجزء الأكبر من المعتقد لدى الإنسان، ولكنه في الواقع يشمل كل ما يعتقده الإنسان من أفكار ويتخذ من قرارات ويقوم به من أفعال وقد يدافع عنها بكل شراسة ويعتقد بخطأ من يخالفه فيها.

          من هنا نستطيع القول بأن للمعتقًد تأثيرا كبيرا على سلوك الإنسان وأسلوب حياته وعلاقته مع أقرانه من بني البشر. بل ربما نرتقي في ذلك، ونقول بأن المعتقَد هو الذي يصوغ علاقة الإنسان مع ربه، ومع نفسه، ومع مجتمعه وبيئته، بل حتى مع المجتمعات الأخرى. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة، فعلى مر العصور اعتبر اليهود أنفسهم بأنهم "شعب الله المختار"، فخرج من بينهم فرعون الذي أفرط في هذا الإعتقاد، وأعلنها واضحة على الملأ "أنا ربكم الأعلى"، وخرج من بينهم قارون الذي وجَّه نداءً صارخا "إنما أوتيته على علم عندي".

          وعلى النقيض تماما، فإن الإعتقاد الذي اعتقدته أسية بنت مزاحم زوجة فرعون بأن الله تعالى هو الملك وهو الرب جعلها تقول بملء فمها "رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين"، وعندما نأتي إلى قضية النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، وحياته في المجتمع القرشي الذي كثر فيه الفساد والإنحراف، وكيف عاش النبي صلى الله عليه وسلم بمعتقادتٍ سامية وعبادة خالصة متحديا الإنحراف القرشي حتى سُمي لديهم "بالصادق الأمين" وأنزل الله تعالى فيه قوله "وإنك لعلى خلق عظيم"، وقالت زوجته عائشة: "كان خلقه القرآن".

          ولو جئنا إلى أقوال علماء الغرب حول سلامة المعتقد وأثره على سلوك الإنسان وحياته، فإننا نشاهد أن العديد منهم قد كتبوا في هذا المضمار، ولنا في الدكتور هينري لينك طبيب الأمراض النفسية المشهور في الولايات المتحدة الإمريكية خير مثال، فقد ألف هينري لينك كتابا أسماه "العودة إلى الإيمان"، متحدثا فيه عن عودته إلى الدين وأسبابها وما للدين من أثر على سلوك الإنسان، بل وذهب إلى أن الدين يُعد وسيلة مهمة وحساسة للحفاظ على العلاقات البشرية بل وحمايتها من الأخطار.

          في النهاية، إن كل ما تم ذكره يعد قطرةً من ماء محيط في بيان أثر المعتقد على سلوك البشر، وأنه بغياب المعتقد السليم فإن الإنسان لا يسلم من عواصف الإشكاليات المعقدة ورياح الشبهات الكثيرة.

رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشر في جريدة الرؤية في عددها الصادر في يوم الخميس الموافق 2/5/2013

2013/04/18

كلية الطب تنظم الإجتماع الأول لطلبة الطب بسلطنة عمان

كلية الطب تنظم الإجتماع الأول لطلبة الطب بسلطنة عمان





          

          تقيم كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس ممثلة بجماعة الطب الطلابية إجتماعا طلابيا فريدا من نوعه لجميع الكليات التي تُعنى بالطب في سلطنة عمان وذلك في يوم الخميس الموافق 18/إبريل/2013م. وقد جاءت فكرة هذا الإجتماع بعد مشاركة جماعة الطب الطلابية في الإجتماعات الدولية التي تنعقد تحت راية المنظمة الفيدرالية العالمية لطلاب كليات الطب (IFMSA)، وهي منظمة عالمية تضم عددا كبيرا من كليات الطب من مختلف دول العالم، تسعى إلى زرع روح التعاون بين أطباء المستقبل وجعل كلمتهم مسموعة أمام المنظمات المختفلة.

          وقد استفادت اللجنة المنظمة لهذا الإجتماع من مشاركاتها الخارجية في إجتماعات منظمة (IFMSA) والتي بدأت منذ عام 2007م، فأرتأت عقد هذا الإجتماع الأول والذي يهدف إلى توطيد أصر التعاون بين طلاب كليات الطب في السلطنة وزرع أسس العمل المشترك في نفوس الطلاب عن طريق الجماعات الطلابية وأنشطتها. كما يهدف أيضا إلى إبراز الكليات الطبية في السلطنة في المحافل المحلية والدولية وتهيئة الطلاب للعمل تحت راية واحدة في المستقبل.

          سوف يشارك في هذا الإجتماع أكثر من 150 طالباً وطالبة من كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس، وكلية عمان الطبية، بالإضافة إلى بعض المشاركين من كلية عمان لطب الأسنان. حيث سيتم عقد ورش عمل جديدة في طابعها ومضمونها، خصوصا تلك المتعلقة بإدارة الجماعات الطلابية والتخطيط المستقبلي لإدارة هذه الجماعات وتطبيق هذه الخطط على أرض الواقع، وكيفية تلافي الصعوبات التي تواجه هذه العملية وتسييرها لتتناسب مع الخطط الموضوعة من الأساس. بالإضافة إلى ذلك، فإنه سيتم تقديم ورشة عمل تتعلق بعملية التسويق والترويج لفعاليات الجماعات الطلابية، مع إجراء بعض التطبيقات العملية عليها.

          كما ستُقدم بعض ورش العمل التي تهتم بالفعاليات المتخصصة بأنشطة الصحة العامة وتوعية المجتمعات، وورش العمل المختصة بالتعليم الطبي وتطوير مهارات الطلاب في شتى التخصصات الطبية وغير الطبية، بالإضافة إلى الأنشطة البحثية وطرق إجراء البحوث بالإضافة إلى ورشة العمل المتخصصة بإدارة المجموعات المتعلقة بهذه الأنشطة.

          بالإضافة إلى ذلك، ستقدم اللجنة المنظمة سبعة ورش عمل تدريبية من ضمنها ورشة العمل التي تتحدث عن كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة في إدارة المشاريع الطلابية، وماهية المشاريع الناجحة وأساليب التخطيط لها، كما ستقدَم ورشة عمل أخرى حول الأساليب الممكنة لتمويل هذه المشاريع والألية المستخدمة لهذا الغرض، بالإضافة إلى ورش عمل أخرى. الجدير بالذكر أن ورش العمل المذكورة سيتم تقديمها عن طريق طلبة مدربين دوليا ومحليا من كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس وكلية عمان الطبية.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نشرت في جريدتي الرؤية والزمن 17/4/2013