2014/06/29

نافذ البصيرة .. صلب الإيمان



على امتداد التاريخ الإسلامي، ومنذ أن بدأت دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم، لم تكن هنالك امتيازات لبعض الفئات أو الأشخاص على البعض الآخر، لا سيما وأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد قال يوما: "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى". أي أن خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعلى آله الصلاة والسلام وضع التقوى حدا ومعيارا بين بني البشر المنتمين للدين الإسلامي الحنيف.

ومن هذا المنطلق، عمل بعض الأشخاص في عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم، وبعد ذلك في زمن الائمة عليهم السلام بجد واجتهاد من أجل الوصول إلى الغاية العظمى ونيل الدرجات العليا واللحاق بركب محمد وال محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام. وقد كان أول الواصلين لهذه الغاية هو أبو ذر الغفاري حينما قال له النبي صلى الله عليه واله وسلم: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر". وكم هو عظيم هذا الوصف من النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم لأبي ذر الغفاري، بل وأي عظمة وصلها أبو ذر الغفاري حتى ينال هذه المرتبة وهذا الوسام من صاحب الشفاعة صلى الله عليه واله وسلم.

ولحق بأبي ذر الغفاري، رفيقه في الجهاد وصاحبه في الإسلام سلمان الفارسي والذي قال في حقه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "سلمان منا أهل البيت"، فكان هو الشخص الثاني الذي مُنح امتيازا رفيع المستوى من النبي صلى الله عليه واله وسلم. وأي فضل أن ينتسب سلمان الفارسي أو كما سُمي لاحقا بسلمان المحمدي أن ينتسب لأهل بيت النبوة بعمله وتقواه وجهاده لا بنسبه.

هذه المنازل الرفيعة والأوسمة العالية لم تنلها إلا القلة القليلة من الشخصيات من لدن النبي صلى الله عليه واله، أو من أمير المؤمنين عليه السلام أو الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام. حتى جاء صادق آل محمد عليهم السلام وقال قولته المعروفة في حق عمه العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام: "كان عمّي العبّاس بن علي عليه السلام نافذ البصيرة، صُلب الاِيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً". فما أعظمها من كلمات خرجت من لسان إمام معصوم لا يخرج من فمه إلا الحق.

فما الذي عمله أبو الفضل العباس عليه السلام حتى ينال هذا الوسام الرفيع المستوى، وما الذي صنعه قمر بني هاشم عليه السلام لكي يُثني عليه الإمام الصادق عليه السلام هذا الثناء الكبير؟ في الحقيقة، إن جهاد العباس عليه السلام لا يقتصر على يوم عاشوراء وواقعة كربلاء فحسب، فالعباس عليه السلام جاهد الجهاد الأكبر أي جاهد نفسه وروضها وأدبها قبل أن يجاهد في كربلاء. نعم، لقد وصل أبو الفضل العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام إلى مرحلة عالية من التقوى واليقين، حتى أنه كان لا يقترب من الأمر المكروه فضلا عن الحرام الذي هو أبعد عنه بكل تأكيد، فهو ربيب أمير المؤمنين عليه السلام، وربيب فاطمة بنت حزام الكلابية أم البنين عليها السلام والذي تزوجها أمير المؤمنين وهي من خيرة نساء زمانها، وقبيلتها من أفضل قبائل العرب وأشجعهم ولنا في حديث أمير المؤمنين لأخيه عقيلا "يا عقيل أبغي لي إمرأة ولدتها الفحول من العرب لتلد لي غلاما يكون ناصراً لولدي الحسين". فمن تربى في حجر علي ابن أبي طالب وأم البنين فسوف يكون رجلا صالحا مؤمنا شجاعا تقيا.

أما في كربلاء، فإن العباس قد تكفل بأخته زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام، تكفل بها في الطريق وفي كربلاء أيضا، ولعل البعض يعتقد أنها مهمة سهلة، ولكن أن تكفل امرأةً تمثل الخدر والعفة كلها لهو أمر صعب للغاية. ولعلنا نصل بعد ذلك إلى رفضه أمان ابن زياد والشمر بن ذي الجوشن عليهما لعنة الله، حين قالوا له بأنه إن رضخ لهم واتبعهم فإنه سيكون أميراً لجيشهم فقال قولته المشهورة والتي زلزلت كيان ذلك الجيش الجرار: "لَعَنَك الله، ولعن أمانك، أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمان له ؟!". وهنا نجد أن هذا البطل الهمام ربيب أمير المؤمنين عليه السلام، وصل إلى مقام عالٍ جدا، حيث لم يرفض العرض لأن الحسين عليه السلام يكون أخاً له، ولكن لأنه إمام معصوم مفترض الطاعة، وابن رسول الله وعلي وفاطمة عليهم السلام.

حتى جاء يوم العاشر من المحرم، وبرز أبو الفضل العباس لجلب الماء، فلما أن أحس ببرد الماء رماه من يده، لأن سيده الحسين عليه السلام لم يشرب الماء بعد، وارتجز قائلا:
"يا نفس من بعد الحسين هوني .. وبعده لا كنت أن تكوني 

هذا حسين وارد المنون .. وتشربين بارد المعين 

تالله ما هذا فعال ديني"

إن هذا هو الإيثار بعينه، والإيثار هو تقديم من آثرته على نفسك وإن أضر بك ذلك وسبب لك أذىً كبيرا، فيا لهذه العقيدة الراسخة من أبي الفضل العباس عليه السلام، ومعرفته ويقينه بإمام زمانه وسيده ومولاه الحسين عليه السلام. فقد كان يعلم علم اليقين أنه إن فعل ذلك، نال الدرجات العالية والمقامات الرفيعة، فهو آثر إمام زمانه الحسين عليه السلام على نفسه. وحتى قيل فيه شعرا كثيرا ولعل أجملها ما قاله السيد محسن العاملي:
"لا تنسى للعباس حسن بلائه .... بالطف عند الغارة الشعواء  
واسى أخاه بها وجاد بنفسه .... في سقي أطفال له ونساء
رد الألوف على الألوف معارضا .... حد السيوف بجبهة غراء"

فهل بعد إيثار العباس عليه السلام إيثار آخر، وهل بعد قول الإمام الصادق عليه السلام عن عمه العباس قول في توضيح منزلته الرفيعة.


رضا بن عيسى اللواتي

مسقط – سلطنة عمان

2014/05/30

القلق المصاحب للامتحانات .. الأسباب وطرق العلاج

القلق المصاحب للامتحانات .. الأسباب وطرق العلاج


مع اقتراب موعد الامتحانات النهائية لطلاب الدبلوم العام، ومع تدني درجات الكثيرين منهم في الفصل الأول، وما واجهه الطلاب من صعوبات ومعوقات في ذلك الفصل، ورغبتهم في تحقيق درجات أعلى من التي حققوها في الفصل الماضي، لضمان مقعد في مؤسسات التعليم العالي الحكومية أو البعثات الكاملة أو الجزئية، فقد بدأ هؤلاء الطلاب منذ فترة ليست بالقصيرة بالاستعداد الجاد لهذه الأيام، ولكن مع اقتراب ساعة الصفر فإن الطالب المجيد وربما غيره أيضا سوف يشعرون ببعض "القلق" والتوتر، والذي من الممكن أن يؤثر على مراجعتهم سلبا.

في هذا المقال، سوف أحاول أن أذكر بعضا من أسباب "القلق" لدى هؤلاء الطلاب مع قرب موعد الامتحانات، ثم أتبعها ببعض الأساليب التي من الممكن أن يتخذها الطالب لكي يسيطر على "القلق" المصاحب لمراجعته وأيضا لكي لا يتأثر الطالب سلبا نتيجة "القلق"، وكلي أمل أن يستفيد إخواني الطلبة من هذا المقال.

يُعرف المختصون "القلق" بأنه حالة نفسية وفسيولوجية تتجمع فيها بعض العناصر الحسية للشخص مع بعض السلوكيات لتشكل حالة من عدم الارتياح والخوف والتردد. ويذكر آخرون بأن "القلق" هو عبارة عن حالة تحدث لدى أي فرد لتحفيزه من أجل مواجهة أمر قد يحدث في المستقبل. وإذا ما زادت مستويات القلق عند البعض فإن الأمر يتحول إلى حالة من حالات الأمراض السلوكية التي يجب معالجتها. من خلال التعريفات السابقة، فإن "القلق" حالة طبيعية تحدث لكل فرد منا، والمطلوب هو السيطرة عليه وتشكيله وتوجيهه لكي يكون عاملا للتقدم، ومساعدا على التفوق والنجاح.

من الممكن أن يكون "القلق" أمرا نفسيا فقط، بحيث يشعر الإنسان بالخوف والتوتر فقط، ولكن ربما يزيد الأمر عن مستواه الطبيعي، فيشعر الشخص بحالة من الغثيان، والتعب الجسدي، وربما بعض الآلام في الصدر وتسارع في دقات القلب، بالإضافة إلى الرجفة الخفيفة، وزيادة في التعرق. إن هذه الأعراض مؤشر على زيادة "القلق" لدى الفرد، وهنا فإن هذا الشخص بحاجة إلى وقفة مراجعة مع الذات، للسيطرة على "القلق" من أجل عدم تمادي هذه الحالة. وقد رأينا بعض الطلاب وهم يصابون بحالة الإغماء قبيل الامتحان، والبعض يصاب بالصداع الشديد وغيرها من الأعراض.

ولو استعرضنا أسباب حالة "القلق" المصاحبة للامتحانات لوجدناها كثيرة جدا، فنتيجة الطالب في الفصل الأول لها تأثيرها عليه، فإن كان الطالب قد حصل على درجات عالية في الفصل الأول، فإنه سوف يحاول الحصول على درجات أعلى في الفصل الثاني. وإن كان قد حصل على درجة متدنية في الفصل السابق لظرف أو حالة طارئة فإنه سوف يحاول الحصول على درجات أعلى في الفصل اللاحق، وفي الحقيقة كلا الحالتين تساهمان في حالة "القلق" وزيادته عند الطالب، مع اختلاف مستوياتها.

الأمر الآخر، وهو عندما يقارن الأهل الطالبَ بأقرانه أو إخوانه ممن سبقوه في الدراسة وكانوا من المتميزين علميا، ويريدون من الطالب أن يكون مثل إخوانه، وهو ليس بمستواهم العلمي، فإن هذا يؤثر سلبا على الطالب ويبدأ حينها بالقلق. كما أن مقارنة الطالب نفسه بزملاءه وطريقة مذاكرتهم أو ما أنهوه من مادة تعليمية في حين أنه لا يزال متأخرا بعض الشيء يزيد من قلقه. ولذا ينصح المختصون بأن يكون لكل طالب طريقته الخاصة في المذاكرة وأن لا يعتمد على طريقة زملاءه، فلكل أسلوبه الخاص الذي اعتاد عليه.

شرب المنبهات الكثيرة من قبيل الشاي والقهوة، يزيد من "القلق" والتوتر عند الطالب، لأن هذه المنبهات تزيد من عمل الجهاز السمبثاوي عند الشخص الأمر الذي يؤدي إلى زيادة القلق، وظهور أعراضه عليه. ولذلك ينصح المختصون بعدم تناول المنبهات قبل الامتحان وأخذ قسط كافٍ من الراحة قبل ليلة الامتحان. مضافا إلى ذلك، فإن مراجعة المادة قبيل الامتحان بسويعات قليلة يزيد من "القلق" والتوتر والخوف، وعليه يُنصح بعدم مراجعة المادة بطريقة مكثفة ليلة الاختبار، والإعتماد على جدول زمني في المذاكرة يبدأ قبل شهرين على الأقل من يوم الامتحان.

بعض أولياء الأمور يمنعون أبناءهم من الراحة، فكلما توقفوا عن الدراسة عاتبوهم واتهموهم بالتقصير. وهذا الأمر له تأثير سلبي جدا على الطالب وعلى نفسيته وخصوصا قبل الامتحان بفترة قصيرة. ولذلك فإن الجو العائلي المحيط بالطالب مهم جدا لنفسية الطالب وتحصيله العلمي.

بعد أن استعرضنا بعضا من أسباب "القلق" قبل الامتحان، فلابد من ذكر بعض من الحلول المتبعة للتقليل من "القلق. أولا: مراجعة المواد أولا بأول منذ بداية الفصل الدراسي، وهذا كفيل بأن يساهم في السيطرة على "القلق" لأن الطالب يكون حينها قد غطى جميع المادة الدراسية. ثانيا: وهي خطة دراسية نصحنا بها أحد الأساتذة في فترة دراستي للثانوية العامة، وكانت بأن نجمع امتحانات السنوات الخمس السابقة مع نماذج اجاباتها، ثم نضع أنفسنا في هيئة لجنة الامتحان (كل طالب بنفسه) ونضع مؤقتا لمدة ثلاث ساعات، ومع انتهائها نصحح الامتحان بأنفسنا. لقد كانت فكرة مفيدة جدا ومع كل امتحان قديم كانت اجاباتنا أفضل وقلقنا أقل لحين وصولنا إلى الامتحان النهائي، فقد تعلمنا كيف نسيطر على "القلق" ونشكله لأن يكون في صالحنا.

ثالثا: النوم يساعد على تثبيت المعلومات المكتسبة، ولذا يُنصح بالنوم الكافي بعد الانتهاء من المذاكرة وعدم السهر. رابعا: مراجعة المادة قبل الامتحان من قبل المعلمين والتنبيه على النقاط المهمة بالاضافة إلى حل الامتحانات السابقة وحل الامتحانات التجريبية، فإنه مما يساعد على التقليل من قلق الامتحانات عند الطالب. 

خامسا: مناقشة المنهج الدراسي مع الطلاب المجيدين اثناء فترة المراجعة يهيئ الطالب للامتحان ويقلل من "القلق" عنده. سادسا: أن يتذكر الطالب بأن الامتحان للجميع وليس له وحده، وأن الكثيرين قد مروا بهذه التجارب، وما زال البعض يمر بها في مراحل دراسية متقدمة. في الأخير، إقامة بعض الندوات، وورش العمل في المدراس للطلاب وأولياء أمورهم والحديث عن تهيئة الطالب للامتحان ودور أولياء الأمور في دعم الطالب، فإن هذا مما سوف يساهم في السيطرة على "القلق" عند الطلاب وتهيئتهم جيدا للامتحانات.

ختاما أقول، بأن "القلق" المصاحب للامتحانات أمر صحي وجيد، ولكن بشرط أن لا يكون مفرطا، ولا يزيد عن حده، فكما يُقال في المثل "كل شيء زاد عن حده، انقلب ضده". وواضح جدا دور الأسرة ودور المدرسة أيضا في تهيئة الطلاب نفسيا ودراسيا من أجل الامتحانات.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشر في جريدة الرؤية العمانية في عددها الصادر بتاريخ 30/5/2014

2014/04/23

الكتاب .. مشكلة تبحث عن حل

بمناسبة #يوم_الكتاب_العالمي .. أعيد نشر هذه المقالة ...


الكتاب .. مشكلة تبحث عن حل

          اكتب هذا المقال وفي قلبي غصة من حال أمتنا العربية وما وصل إليه مستوانا الثقافي والعلمي، أكتب هذا المقال وأنا أقرأ بعض الإحصائيات التي يندى لها الجبين وتقشعر لها الأبدان. كيف لأمتنا العربية التي كانت "خير أمة أخرجت للناس"، عاد حالها الآن كجاهليتها الأولى أو أشد قسوة.

قبل عدة قرون ونيف، كان علماؤنا من أفضل العلماء على وجه الكرة الأرضية، وكانوا هم من يُسيّرون شعوب العالم، ولا أستطيع أن أنسى الجامعات الغربية عندما كانت - ولا زال بعضها - يُدرس في مناهجها علوم العلماء العرب، أما نحن فلم نُقدر جهود علمائنا ولم نقدرهم حق قدرهم، فأضحت مؤلفاتهم في طي النسيان. وإذا ما اتجهنا الآن لجامعاتنا ومعاهدنا لوجدنا أنها تمتلئ بعلوم الغرب ولا نكاد نجد كتابا لعالِم عربي.

اقتبس في هذا المضمار جزءا من كلام الناشر رياض نجيب الريس والذي ألقاه في مشاركته في إحدى المؤتمرات التي أقيمت في دولة الإمارات العربية المتحدة حين قال :" وتعثر النشر العربي يعود إلى سببين لا ثالث لهما: ضمور الأسواق العربية بسبب حواجز الأنظمة السياسية التي تعامل الكتاب معاملة المخدرات والناشر معاملة المهربين، وضعف البنية المالية والاقتصادية لمعظم الناشرين، نتيجة لقيود الرقابة على أنواعها، فتمنعهم من تطوير هذه الصناعة والاستثمار فيها". في الحقيقة، ما ذكره هذا الناشر هو عين الصواب، وهو الذي أدى إلى اضمحلال ثقافة الأمة العربية والتي لا زالت في تأخر مستمر حينما تُقارن بأقرانها وجيرانها من الدول المجاورة. وأحب في هذا المقام أن أشكر وأثني على جهود السلطنة في دعم الكاتب العماني وتقليل حجم القيود على نوعية الكتب التي يتم بيعها وبالخصوص في معرض الكتاب الأخير، فما أحوجنا إلى أن نُطور من ثقافتنا وعلومنا.

وسوف أستعرض الآن بعض الإحصائيات المهمة للغاية، فالاحصائيات تدل بشكل كبير على ما تعانيه الأمة العربية - وكم حزنت على حالنا بعد قراءتها -. أولى الإحصائيات هي من منظمة اليونسكو، وهي إحدى أهم المنظمات العالمية من حيث الجودة، وهي أكثر المنظمات اهتماما بالثقافة والعلوم. ذكرت هذه المنظمة في إحدى تقاريرها أن متوسط قراءة الطفل العربي للكتاب لا يتجاوز الـ (6) دقائق في السنة خارج المنهج الدراسي!، في المقابل يقضي الطفل العربي وقتا أطول أمام شاشات التلفاز من الطفل البريطاني أو الأمريكي. وأشارت نفس الدراسة إلى أن كل 20 طفل عربي يقرأ كتابا واحدا، فيما يقرأ كل طفل بريطاني 7 كتب أي ما يعادل ما يقرأه 140 طفل عربي، وفي الوقت نفسه يقرأ كل طفل أمريكي 11 كتابا أي ما يعادل ما يقرأه 220 طفل عربي.

الدراسة السابقة شملت الأطفال فقط، أما فيما يخص البالغين فإن الدراسات تكشف عن أن كل 80 شخص عربي يقرأ كتابا واحدا في السنة فقط، فيما يقرأ الأوروبي ما متوسطه 35 كتابا في السنة. وإذا ما ترجمنا هذه الإحصائية فإننا سوف نجد أن ثقافة رجل أوروبي واحد تساوي ثقافة 2800 رجل عربي. وتقول الدراسة أيضا أن متوسط ما يقرؤه الصهيوني هو 40 كتابا في السنة، أي أن ثقافة رجل صهيوني واحد تعادل ثقافة 3200 رجل عربي. فهل نريد تحرير فسلطين – وهو أهم شعار ينادي به الفرد العربي – بثقافتنا الضحلة هذه. أم هل تمر مثل هذه التقارير مرور الكرام ونرمي بها وراء ظهورنا من دون أن نغير من أنفسنا؟.

وتشير الإحصائيات التي تقام بعد معرض الكتاب في مختلف الدول العربية إلى أن أكثر الكتب مبيعا هي الكتب الدينية، تليها كتب الطبخ ثم كتب الأبراج، وذلك في معرض الكتاب الدولي في مصر خلال الخمسة أعوام الماضية. ولا أخال بقية المعارض في الدول العربية الآخرى تنحى منحنىً أكثر إيجابية من منحنى معرض الكتاب في مصر. وعندما نأتي لتحليل هذه الإحصائيات، لا يسعني إلا أن أذكر شعر المتنبي حينما يقول "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".

وفي المقابل تذكر بعض الإحصائيات والدراسات أن ما تمت ترجمته في إسبانيا خلال عام واحد يعادل ما تمت ترجمته في الدول العربية منذ عهد المأمون العباسي إلى القرن العشرين، على الرغم من أن الدولة العباسية قد عمدت إلى ترجمة مؤلفات العلماء غير العرب.

قبل عام من الآن، بدأ الربيع العربي، ومعه بدأت أمنيات الشعوب العربية، فسقطت بعض الحكومات بعد جهود مضنية من شعوب تلك الدول، وتغيرت بعض القوانين في دول أخرى. ولكن الذي لم يسقط ولم يتغير ولا أعتقد أنه سوف يسقط أو يتغير قريبا هي حكومات الجهل والأمية، فلا زالت الشعوب العربية تعيش تحت وطأة الجهل، وهي لعمري أقسى من حكومات الأفراد، وما استطاع هؤلاء الأفراد حكم الشعوب إلا بجهلها. فمصر، والتي تُعد أهم الدول العربية، أكثر من 60% من سكانها لا يقرأ ولا يكتب، وقس على ذلك بقية الدول العربية الأخرى.

للأسف، فإن مشكلة الجهل والعزوف عن القراءة في مجتماعتنا العربية ليست مؤامرة قام بها أعداء أمتنا لتفريقنا طرائق قددا، وليست أيضا من أفعال حكوماتنا وإن كانت جزءاً لا يتجزأ من هذه المشكلة، إلا أنها ليست الأساس في ذلك. وإنما هي مشكلة كل فرد من أفراد الشارع العربي. فالفرد بإمكانه أن يشتري له مكتبة صغيرة ويخصص جزءا من مصروفه الشهري لاقتناء الكتب. ويستطيع الأصدقاء تبادل الكتب الثقافية بين الحين والآخر. كما لا أنسى الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، فهي الآن خير ملاذ لمن لا يستطيع اقتناء الكتب المطبوعة لأي سبب كان. فالكتب باتت تُنسخ وتُعرض على الشبكة العنكبوتية بشتى الطرق والوسائل، والحصول عليها بات أمرا سهلا للغاية. فهل نستفيق قبل أن تلتهمنا الشعوب الأخرى لجهلنا، أم نبقى أمة مستهلكة غير منتجة؟ وأختم مقالي بكلام للباحث توما شماني – عضو اتحاد المؤرخين العرب – حينما قال:" العرب قوم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون".

رضا بن عيسى اللواتي

2014/03/26

لماذا لا نقرأ؟

لماذا لا نقرأ؟





قبل أسابيع مضت، كانت نهاية العرس الثقافي الأبرز في السلطنة، معرض مسقط الدولي للكتاب، هذه هي نسخته التاسعة عشر، وفي كل نسخة هناك الجديد، وهناك الإبداع الغير منقطع النظير. هذا المعرض كان فرصة للجميع ليتسنى للجميع شراء أحدث الكتب بمختلف مواضيعها، ولكن في المقابل، فإن عددا قليلا من الشباب يهتمون بالقراءة، ولست أدري سبب عزوف الجيل الجديد من أبناء الوطن بالخصوص والمجتمعات العربية بوجه عام عن القراءة.

لماذا لا نقرأ؟، سؤال مهم أطرحه على الجميع، وعلينا التريث قبل الإجابة عليه، فحل هذه المشكلة يكمن في الإجابة على هذا السؤال!. وبدوري لن أجيب على هذا السؤال، فكل شخص له سببه الخاص في عدم القراءة، وسوف أترك المجال مفتوحا للإجابة على هذا السؤال. ولكن هي دعوة أن نهتم بالقراءة، وتنمية معارفنا وثقافتنا، فنحن أحوج إليها من أي وقت مضى. وتذكروا قول المتنبي: "وخير جليس في الزمان كتاب".


نشرت في جريدة البرزة الإلكترونية

2014/03/23

بأبي التي ..!!

بأبي التي ..!!
0e33424f60f200
ما أقسى الم الفراق ..!!
وما أشد الحزن والمصاب !!
ألم فراق الجد ..!!
جداه .. يا رسول الله .. أنا زينب !!
رسول الله على فراش المنية !! ينظر إلى بضعته، خليفته، وسبيطه ..!!
ونظرة خاصة لزينب ..!! عينا رسول الله على زينب ..!!
ويبكي هذا الرجل الأوحد في العالم ..!!
جداه .. هل سوف تفارقنا ..!!
جداه .. وا محمدا ..!!
زينب بنية .. تذكري هذا النداء .. فسوف تنادين مثله بعد حين ..!!
جداه .. إن عمري لم يتجاوز العاشرة !!
لم يجبها جدها !! فارق الدنيا ورأسه عند علي !!
ولم تمضِ الأيام والليالي حتى جاءت مصيبة أخرى ..!!
الآن زينب ترى أمها الزهراء بين الباب والجدار !! أي مصيبة هذه !!
دماء سالت على الأعتاب ..!! أماه ما هذه الدماء !! فاطمة .. لا تجيب ..!!
فاطمة تسقط على الأرض !! وزينب تنادي .. أمااه .. !! وفاطمة لا تجيب !!
أماه .. فاطمة .. إن أبي علياً قادوه إلى المسجد !! فاطمة .. تعجز الحروف عن وصف حالها !!
وفي ليلة الإحتضار !! زينب .. بنيتي .. حان وقت الوداع !!
زينب يا حبيبة القلب .. ما حصل لي .. سوف يتكرر عليك ..!!
زينب .. إسمعي مني !!
زينب .. زينب .. زينب ..!!
سكتت الزهراء .. أماه .. ما الذي سيحصل بعدها !!
لم تتمالك فاطمة نفسها من البكاء !!
زينب .. حبيبتي زينب .. في تلك الصحراء !! سيفنى كل من مع الحسين !!
يا زهراء .. هل سيبقى أخي الحسين وحيدا !!
زينب .. بُنية .. ودِّعيه !! قبلي نحره وصدره !! وانفجرت فاطمة باكية ..!!
أماه .. يا زهراء .. وماذا بعد !! لم تجب الزهراء !! فارقت الدنيا !!
رحلت فاطمة الزهراء وهي في ريعان شبابها ..!!
ما أقسى ألم الفراق ..!!
الجد .. يفارق الدنيا .. ثم الأم تلحق بأبيها ..!!
حان الوقت لأن تقوم زينب الطفلة المدللة مقام أمها الزهراء ..!!
على زينب أن تتعود على المشقة منذ الآن ..!!
فاطمة الزهراء مسجاة أمامها ..!!
وزينب تبكي بكل حرقة وألم وهي تودع هذا القلب الرؤوف ..!!
لا أدري ما حال زينب الآن ..!!
ولكنها بالتأكيد باكية العين .. حزينة القلب ..!!
على زينب الآن أن تكون أماً لأبيها علي، وأماً للحسن والحسين !!
كما كانت فاطمة .. أماً لمحمد ..!!
عذابات السنين .. كلها تُصب على قلب زينب الصغير ..!!
واستعدت زينب .. لرحلة الأسر والسبي !!
فقال الشاعر: بأبي التي ورثت مصائب أمها ..!!


نشرت في مدونون

2014/03/22

أثر الدبلوم العام على الطالب والأسرة

ملاحظة: أنشر المقالة هنا كما نشرتها جريدة عمان بعددها الصادر بتاريخ 22/3/2014 وليس كما تمت كتابتها.

أثر الدبلوم العام على الطالب والأسرة


الصف الثاني عشر، أو الثانوية العامة، أو بمسماها الحديث الدبلوم العام، تتغير الأسماء والمصطلحات ويبقى المضمون واحدا، هي أكثر سنوات الدراسة إرهاقا وتعبا، وجدا واجتهادا، فالطلاب يعملون ليلا ونهارا، ويبحثون عن أي معلومة قد تفيدهم يوم الإمتحان، فهي سنة الحصاد، حصاد 11 سنة كاملة.

لا أريد الحديث عما كان يحدث في السنوات الماضية، فوسائل الإعلام قد كتبت في هذا الصدد كثيرا، وتحدثت عنه بكثير من التفصيل. ولكنني الآن أريد الحديث عما حصل هذا العام مع نهاية الفصل الأول، والذي تُوج بأن حوالي 16000 طالب وطالبة قد تقدموا بطلب لمراجعة أوراق اختباراتهم من أصل 42000 طالب وطالبة قدموا امتحانات الدبلوم العام أي ما يقارب الـ40% من الطلاب قد تقدموا بطلب المراجعة! لا يُعقل أن 40% من طلاب شهادة الدبلوم العام يشتكون من نتائج إختباراتهم، إلا أن يكون هنالك خطأ ما قد حصل.

وقد تحدث الكثير من طلاب الدبلوم العام عن وجود مادة لم يختاروها ضمن نتائجهم في حين حُذفت مادة أخرى كانوا قد اختاروها ضمن دراستهم، كما ذكر أخرون أنهم أرسلوا 3 رسائل ووجدوا في كل رسالة درجات مختلفة عن سابقتها. طلاب آخرون حصلوا على "غائب" في بعض الإمتحانات على الرغم من حضورهم للإمتحان، فهل يعقل أن يحصل طالب حضر الإمتحان على "غائب"؟

كما ذكر بعض الأساتذة الذين قاموا بالتصحيح، بأنهم لم يكن باستطاعتهم الرجوع إلى السؤال السابق إن أرادوا التأكد من تصحيحهم للسؤال السابق، كما ذكروا بأن بعض الطلاب قد حصلوا على درجات التقويم المستمر فقط دون درجة الامتحان على الرغم من حضورهم للامتحان، في حين ذكر المتحدث باسم الوزارة لإحدى الصحف المحلية بتاريخ 18/مارس الجاري أن عملية التصحيح تتم مرتين فقط، ولست أدري لماذا، على الرغم من أن عملية التصحيح سابقا كانت تمر على 3 مصححين. في الواقع، يبدو أن مشاكل كثيرة حصلت في نظام التصحيح الجديد أثناء عملية تصحيح الامتحانات لم يجد لها المسؤولون حلا، وما ذكره المعلمون ربما يكون قليلا بالمقارنة بما حصل، فطول مدة تصحيح الإمتحانات على خلاف ما كان يجري في السنوات الماضية دليل كافٍ على الوضع الحاصل أثناء التصحيح.

وهاهم أبناؤنا وأخوتنا يحصدون عكس ما زرعوا بسبب سوء نظام التصحيح الجديد، ولست أدري لماذا تم تغيير نظام التصحيح الإلكتروني السابق على الرغم من كفاءته وجودته كما شهد بذلك الكثير. التعب النفسي، والخوف من نتيجة الإختبارات كان يتضاعف كل يوم بسبب تأخر موعد ظهور النتائج، والسبب يعود إلى مشاكل نظام التصحيح الالكتروني الجديد!، فمن لهؤلاء الطلبة؟، أليس من حقهم أن يطالبوا بمراجعة جميع امتحاناتهم بدون مقابل، وعدم الإكتفاء بـ3 امتحانات كما هي شروط الوزارة؟ أليس من حق هؤلاء الطلاب المطالبة بإعادة مراجعة امتحاناتهم كاملة يدويا دون استخدام التصحيح الالكتروني؟

إن إرهاب الدبلوم العام لا يؤثر على الطالب فحسب، بل إن محيط الأسرة ككل يتأثر بهذا الإرهاب، فأولا مستوى الإختبارات، ثم طول الفترة الزمنية حتى ظهور نتائج الطلاب، والآن هذه النسبة المتدنية التي حصل عليها عدد كبير من الطلاب، والتي دعت بعضهم إلى التظاهر للمطالبة بحقوقهم، كل هذه العوامل تؤثر بشكل كبير على الطالب في نفسيته وطريقة أداءه في الفصل الدراسي الثاني، كما أن لها تأثيرا سلبيا على المحيط الأسري كذلك. ألم يحن الوقت لأن نتعلم من أخطاء الماضي؟. تساؤلات بحاجة إلى إجابة، وكلي أمل بأن تتم مراعاة هؤلاء الطلاب والطالبات، فلا يعقل أن يضيع مجهود 11 سنة.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان

2014/03/14

العرس الثقافي– معرض مسقط للكتاب

العرس الثقافي – معرض مسقط للكتاب


مرت علينا أيام معرض مسقط الدولي للكتاب كالبرق الخاطف، 10 أيام مضت وكأنها سويعات، أيام كانت حافلة بالفعاليات المتنوعة والأمسيات الرائعة، فهذا العرس الثقافي لا يتكرر إلا مرة واحدة كل سنة. في نفس الوقت من كل عام، تشهد العاصمة مسقط تظاهرة ثقافية هي الأكبر من نوعها بل ربما الفريدة من نوعها في السلطنة، ونشاهد فيها كل أطياف المجتمع العماني وقد توافدوا إلى مركز المعارض لاقتناء ما يمكن اقتناءه من الكتب الثقافية والدينية والأدبية. كما يشاركون بحضورهم وتفاعلهم مع الأمسيات الثقافية والشعرية المتنوعة.

هذا المعرض هو فرصة رائعة لكل من يود الإطلاع على جديد العلم والمعرفة والأدب، وهو كذلك فرصة للكاتب العماني أن يظهر إبداعاته، كما أنها فرصة مناسبة للروائي العماني لأن يظهر فنه وقدرته الأدبية. الجدير بالذكر، أن المعرض هذا العام احتوى مؤلفات لمؤلفين عمانيين أكثر من الأعوام السابقة، وفي الحقيقة فإن دعم الكاتب العماني أمر جيد للغاية وهو كفيل بأن يساهم في إثراء النشاط الثفافي في السلطنة، كما يساهم أيضا في إبراز السلطنة في المحافل الاقليمية والدولية.

زيادة عدد دور النشر ساهم في زيادة عدد الكتب المطروحة، وبالتالي زيادة النتاج الثقافي والعلمي والفائدة من المعرض، وأتوقع أن عدد دور النشر والدول المشاركة سوف يزداد في قادم السنوات وبالطبع فهذا أمر إيجابي. لكن في نفس الوقت، فإنه من اللازم على الجهة المعنية متابعة العناوين المعروضة في المعرض، فبعض العناوين المعروضة لا يجب أن تتوافر في المعرض لأنها ليست مفيدة لأي شريحة من شرائح المجتمع العماني على الإطلاق. نعلم بأن اللجنة المنظمة لم تمنع أي كتاب ولم تضع رقابة على أي كتاب، وهذا أمر إيجابي للغاية، ولكن مثل هذه العناوين التي لا تقدم أي إضافة للقارئ فإن منعها أفضل من وجودها.

مدة المعرض لم تكن كافية، فـ 10 أيام هي المدة المخصصة للمعرض، وبعض تلك الأيام مخصص للنساء وغيرها لطلاب وطالبات المدارس أنقصت من الوقت المسموح فيه لجميع الزوار. فياحبذا لو تمت زيادة عدد أيام المعرض إلى 15 يوما، لكي تكون هناك فرصة للجميع لزيارة المعرض لأكثر من مرة. في الختام، أتمنى أن يتكرر هذا العرس الثقافي الكبير في أكثر من محافظة من محافظات السلطنة، حتى تتوافر الفرصة لعدد أكبر من شرائح المجتمع في مختلف محافظات السلطنة بالإطلاع على جديد العلم والمعرفة.

ومن هنا، فإن من الواجب توجيه الشكر الجزيل إلى اللجنة المنظمة لمعرض مسقط الدولي للكتاب في نسخته التاسعة عشر على جهودها التي بذلتها في سبيل إنجاح هذا الحدث المهم، وعلى تنوع حسن اختيارها للبرامج الثقافية المصاحبة للمعرض. كذلك، فأنه من الواجب توجيه الشكر إلى القائمين على تغطية المعرض إعلاميا وحسن اختيارهم للبرامج المعروضة.



رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشر في araa.com

2014/03/09

لو أن فاطمة بنت محمد

لو أن فاطمة بنت محمد


إن لفاطمة الزهراء الحوراء الأنسية سلام الله عليها مقاما عاليا جدا، فقد ظهرت مناقبها وفضائلها وكراماتها منذ ولادتها عليها السلام، إضافة إلى أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يألوا جهدا في الحديث عن بضعته وحبيبته فاطمة الزهراء سلام الله عليها. وقد نعجز الآن عن إدراك مناقبها الجمة وفضائلها الكثيرة وكراماتها الباهرة، ولكن أن لا يستطيع من عاصرها وعاش في زمانها إدراك كنه حقيقتها فإن ذلك شيء عجيب، على الرغم من تواتر الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن كرامات هذه المرأة الجليلة القدر الرفيعة المنزلة.
وهذا واحد من أهم كتبهم يروي حديثا عن النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم يوضح الحقيقة العالية لابنته الزهراء عليها السلام وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم: “فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني” [صحيح البخاري 3/1144]. وليس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يعطي الامتيازات لمن شاء، بل هو يعطيها لمن يستحقها. وقد رووا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأن: “أول من يدخل الجنة فاطمة” [كنز العمال ١٢:١١٠ / ٣٤٢٣٤] ولا أجد حديثا أفضل من هذا لبيان منزلتها وخصوصيتها، وما ذكرته هنا هو غيض من فيض، ولا سبيل إلا للاختصار.
لعمري، كيف لم يستطع القوم معرفة الحقيقة الجلية الواضحة لفاطمة الزهراء عليها السلام، وكيف غابت عنهم أنوار هذه الشمس الساطعة في وضح النهار، وكيف قام هؤلاء بظلم الزهراء عليها السلام. حيث أن مظلوميتها سلام الله عليها لم تكن وليدة الحقبة الزمنية التي تلت استشهاد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى حين استشهادها هي سلام الله عليها فحسب، بل ولم تكن مظلوميتها في غصبها فدكا أو إسقاط جنينها المحسن سلام الله عليه فقط، ولكن مظلومية بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كانت ابتداءً من عدم معرفة القوم بحقها وقدسيتها عليها السلام.
عودا على بدء، فإن هؤلاء القوم لم يكتفوا بما فعلوه بها فقط، بل قاموا بقتل وتشريد وذبح كل من ينتمي إلى فاطمة الزهراء سلام الله عليها نسباً أو ولاءً لها ولأهل بيت النبي صلى الله عليهم وسلم، ثم قاموا بسبي بناتها وقتل أطفالهم. ثم تنحية العترة الطاهرة من نسل فاطمة الزهراء عليها السلام عن كل أمور الدين والدنيا، وتغييب الحقائق عن أعين الناس بعد ذلك، ومن ثم إنكار مناقبها عليها السلام.
أما ما يُجري الدمعة ويُؤلم النفس، فإن المسلمين قد أصبحوا – ونحن في العصر الرابع عشر للهجرة النبوية الشريفة – لا يعرفون غير حديث واحد يتحدث عن فاطمة الزهراء عليها السلام، ولو سألتهم عن فاطمة الزهراء عليها السلام لأجابوك بحديث واحد: “وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” [صحيح البخاري: رقم الحديث 6788]. ولست هنا في صدد البحث في هذا الحديث الذي لم تروه كتب الشيعة قط، فقد كتب فيه بعض علماءنا وتحدث عنه آخرون.
لم يعرف المسلمون عن فاطمة الزهراء عليها السلام غير هذا الحديث، ولم تهتم الجهات المعنية بتعليم أطفالهم وشبابهم عن الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام أبدا، ولم يتحدثوا في خطبهم ومن على منابرهم عن حياتها وعلمها. ولنا في خطبتها الفدكية دليلا بالغا على غزارة علمها وفقهها، وهنا أقول ليس من المهم أن يخبروا الناس بكامل خطبتها، فإن فيها ما يكشف الكثير من الخفايا والأسرار التي ما فتئوا يخفونها عن أعين العامة من الناس، ولكن يحدثونهم عن كلامها في التوحيد، وهم كما يسمون أنفسهم دعاة للتوحيد، ففي خطبتها الفدكية أسرار التوحيد وعلومه، ولو أخذوا بها لاستغنوا عن غيرها.
كما أنهم لم يتحدثوا عن عبادتها سلام الله عليها، ولم يتحدثوا عن حب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لها، وأخفوا من الأمور الكثيرة جدا، ما لو عرفها الناس لوضعوا فاطمة الزهراء عليها السلام في منزلتها التي اختارها الله لها، ولم يهملوا جانبا مهما جوانب العقيدة الحقة.
فأي مظلومية أعظم من إخفاء حقيقة فاطمة الزهراء عليها السلام عن الناس، وعدم اخبارهم بالحقائق وإخراجها للعلن، ولماذا لا يتحدث مشايخ القوم عن فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام ولا يخبرون عامتهم بحقيقتها؟ رغم امتلاء صحاحهم ومسانيدهم بفضائلها عليها السلام. ولكن “وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” [التوبة:32].


نشرت في مدونون

2014/03/04

معركة الجليل القادمة

معركة الجليل القادمة


لست محللا سياسيا، ولست من هواة السياسة، ولكن اسلوب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطاباته وحديثه مع الجماهير دعاني لكتابة هذا المقال. سماحة السيد حسن نصر الله نشأ في كنف المقاومة الإسلامية ونشأ مناهضا للإحتلال الصهيوني. عاش مرارات الهزائم العربية في حروبها مع الكيان الصهيوني الغاصب، وعاش آلامها وعاش اجتياحها للبنان في عام 1982م وخروجها من لبنان ذليلة في عام 2000م، وفي الأخير قاد النصر على الكيان الصهيوني في عدوان تموز 2006م.

كل هذا عاشه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وبين هذا وذاك حروب اخرى ومعارك أخرى على الأراضي الفلسطينية أو اللبنانية أو العربية. السيد حسن نصر الله له كاريزما مختلفة عن بقية القيادات العسكرية أو الدينية، له أسلوب خاص في الحديث وقوة اقناع عجيبة، هذا الرجل إن قال صدق، وإن وعد نفذ. وقد رأينا في العام 2006 كيف كان سماحة السيد يقول شيئا، فيقوم المقاومون الأفذاذ بالفعل، كان يعد الصهاينة فيحدث ما وعد. وقبل ما يقارب الثلاثة أعوام أو أقل من ذلك، رأى حزب الله بأن عليه الدخول إلى سوريا بعد أن دخلت إليها القوى الإرهابية والتكفيرية باسم الربيع العربي أو الثورة ضد نظام الأسد.

في ذلك الوقت إرتأى الحزب، وفي مقدمتهم سماحة السيد حسن نصر الله بأن معركة سوريا هي معركة الوجود، فسوريا تمثل دعامة كبيرة للحزب، بل ظهرا يستند إليه هذا الحزب، وهي الدولة العربية الوحيدة التي تدعم حزب الله جهارا، حكومة وشعبا. فرأى الحزب بأن دخوله إلى سوريا هو حماية لمحور المقاومة من النهج التكفيري الواضح ومن الطريقة الإرهابية المقيتة. لقد رأى حزب الله بدخوله إلى سوريا ثبات المقاومة وزيادة شعبيتها وقوتها خصوصا في معركة القصير، حيث رأينا بأن حزب الله شارك فيها بكل قوة وبسالة وكل عنفوان من أجل الحفاظ على الوجود كما صرح بذلك سماحة السيد حسن نصر الله، ومن أجل أن لا يعطي فرصة للإرهابيين التكفيريين بالدخول إلى لبنان كما دخلوا إلى سوريا.

فانتصر حزب الله والجيش السوري في معركة القصير، وكانت هذه المعركة كما ذكرت وكالات الإعلام والقنوات التلفزيونية الصهيونية ومواقعهم الالكترونية، تدريبا واقعيا لحزب الله لأي معركة قادمة ضد الكيان الصهيوني، حيث تراكمت لدى حزب الله قوة عظمى، وتفاقمت قدرته وقوته القتالية. وقد أعلن سماحة السيد في إحدى خطاباته السابقة بأن العدو الصهيوني بات خائفا من دخول حزب الله إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى شمال الكيان الصهيوني أي إلى الجليل، بعد معركة القصير.

ومن هنا، برزت تحليلات عسكرية واستراتيجية تتحدث عن الكيفية التي سوف يدخل فيها حزب الله إلى الجليل، وما هي قدرة حزب الله البشرية والصاروخية حينما يقرر الدخول إلى الجليل، وهل يستلزم أن يدخل حزب الله بكامل قوته إلى الجليل، وكم يستطيع حزب الله الصمود في معركة كبيرة كهذه. وقد تحدث هؤلاء المحللون عن قدرة صاروخية هائلة تمكن حزب الله من إطالة أي معركة قادمة لأمد طويل جدا، والدخول في حرب استنزاف مع الكيان الصهيوني. وقد تسائلوا أيضا عن عديد قوات حزب الله وجنوده، حيث تحدث أحد المحللين الأمريكيين بأن لدى حزب الله ما يقارب 5000 مقاتل يمكنه من الدخول إلى الجليل واستعادتها من السيطرة الصهيونية، ولكن السؤال المطروح، هل يمتلك حزب الله هذا العدد الكبير من المقاتلين، وهل يحتاج حزب الله إلى هذا العدد للدخول إلى الجليل، وقد رأينا بسالة مئات من المقاتلين في حرب تموز 2006م في مواجهة قوافل الجيش الصهيوني.

إن لدى حزب الله قدرة على زيادة عدد جنوده وإنقاصهم متى ما أراد ذلك، حيث أن لديه قاعدة جماهيرية واسعة تمكنه من هذا الأمر، ولديه احتياط واسع يمكنه المشاركة في أي حرب مقبلة. ويذكر أحد المحللين اللبنانيين أن المتواجدين في سوريا الآن هم قوات احتياط فقط، وهم من انتصروا في القصير، وهم من يقاتلون في يبرود. وأن القوة الأساسية والتي من أهم أعمالها هو التصديق لأي عدوان إسرائيلي على لبنان، وربما في الحروب القادمة استعادة الجليل، لا تزال موجودة في لبنان، وتعمل بكل جد واتقان من أجل هذه اللحظة.

إن تحليلات المحللين العسكريين والسياسيين شيء، وما في جعبة حزب الله من مفاجآت شيء آخر، فما رأيناه في الأيام الماضية فاق التحليلات والخطط التي وُضعت من القوات الصهيونية والأمريكية، وقدرة حزب الله لا تزال تتزايد يوما بعد يوم. فهل ستكون الجليل محطة حزب الله القادمة، وهل ستطال صواريخ المقاومة كل فلسطين المحتلة من كريات إلى إيلات، وما هي مفاجآت حزب الله القادمة؟ اسئلة تحتاج إلى إجابات، وهذا ما قد نشاهده في أي حرب قادمة.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشرت في جريدة القدس العربي
ونشرت في araa.com

2013/11/24

وللحكاية الأولى تتمة

وللحكاية الأولى تتمة


تمضي الأيام وأنا اتدرب في المستشفيات لتحقيق حلم طال انتظاره، وكعادتي أذهب إلى المستشفى لقضاء الوقت مع المرضى في أيام الإجازة الاسبوعية، حتى اتمكن من معرفة تاريخهم المرضي ومعاناتهم بشكل يومي. وبينما أنا اتابع حالة أحد المرضى، فاجأني أحد أقاربه قائلا: "دكتور، عندي سؤال عن حالة أخي المرضية، فهل لك أن تخبرني بخفاياها". أجبته كعادتي في مثل هذه المواقف "إنني ما زلت طالبا ولا أستطيع الإجابة على تساؤلاتك ولكنني سوف استشير أحد الأطباء المناوبين هذا اليوم". ذهبت إلى غرفة الأطباء وشاهدت طبيبا – أجنبيا - يقوم بعمله في تلك الأثناء، قدمت له التحية وعرفته بنفسي ثم أخبرته: "دكتور أخ المريض الفلاني .....". قاطعني الطبيب وقال لي بعصبية:" أنا هنا لأن لدي بعض الأعمال لأنجزها، اليوم ليس يوم مناوبتي، فلا تسألني عن أي مريض، لا أعلم عنهم شيئا"، وأكمل عمله كأن شيئا لم يكن. أما أنا فبقيت صامتا لا ألوي على شيء. ذهبت إلى الرجل وأخبرته بأن الطبيب مشغول وأنني سوف أبحث عن طبيب آخر ليشرح لك حالة أخيك.

لقد تعلمنا منذ الأيام الأولى لنا في كلية الطب بأن للمريض وأهله حق في معرفة تفاصيل المرض، وأن احترام المرضى وكذلك احترام زملاء المهنة واجب أيضا، وكذلك أخبرونا وكانوا يزرعون في أنفسنا أن نضحي بما نملك من أجل أن نلبي حاجة مريض أو نجيب على سؤال قد تبادر إلى أذهان هؤلاء الأقارب. لكن هذا الطبيب باسلوبه القاسي قد نسف كل هذا وتركه هباء منثورا. لحسن الحظ أن هذا لم يكن أمام المريض، ولحسن الحظ أنني لا زلت اعتقد أن هذا الأسلوب ما هو إلا أسلوب شاذ غريب عن أساليب وطرق بقية الأطباء، وأنهم – وبحمد الله – لهم أساليب أفضل في التعامل مع المرضى.

وعلى النقيض من هذا الموقف، كنت ذاهبا إلى المستشفى صباح أحد الأيام وللأسف كنت متأخرا بعض الشيء، وصلت إلى القاعة التي يُعقد فيها الاجتماع الصباحي لجميع الأطباء، ولكني لم أجد أحدا هناك، سألت الممرضات في القسم، فأجابتني أحدهم:" إن حادثا مروعا وقع صباح اليوم وتم نقل جميع المصابين إلى هذا المستشفى، وقد ذهب أغلب الأطباء لقسم الطوارئ للمساعدة هناك". التضحية عند هؤلاء الأطباء وصلت بهم إلى أن يذهب الجميع لانقاذ مصابين بسبب حادث سير، ذهبوا إلى هناك لمساعدة أطباء الطوارئ والعمل معهم بروح أخوية وكفريق واحد لانقاذ ما يمكن انقاذه. ولم يقل أحدٌ منهم إن اليوم ليس يوم مناوبتي أو لا استطيع، الكل ذهب ليقدم المساعدة، وهذا ما تعلمته منذ أيامي الأولى في كلية الطب. للإشارة فقط، فإن حوادث السير تتضاعف يوما بعد يوم، وكم اتمنى أن يكون لنزيف الدم الذي يتكرر كل يوم وكأننا في حرب شعواء مع أنفسنا، أن يكون له نهاية.

أستمر في التدريب كل يوم وأتعلم في كل يوم معلومة جديدة، سوف تساعدني هذه المعلومة بالتأكيد في خدمة المرضى مستقبلا. ولكن ما أتعلمه بشكل أكبر هو كيفية التعامل مع المرضى، الحديث معهم، شرح الحالة المرضية للمريض نفسه، كل ذلك برفقة الطبيب المسؤول. يصحح لي أخطائي، ويرشدني إلى الطريق السليم لإيصال المعلومة الكاملة بالطريقة المناسبة من دون أن اتسبب في الأذى للمريض؛ لكي ينطبق عليَّ المثل القائل "الرجل المناسب في المكان المناسب".




رضا بن عيسى اللواتي
مسقط - سلطنة عمان
نُشرت في مجلة "نبض" - كلية الطب والعلوم الصحية
جامعة السلطان قابوس
لقراءة الحكاية الأولى إضغط هنا