2014/10/19

قرعة دوري الأبطال الأوروبي .. حقيقة أم ثمثيل ؟؟ (مقالات سابقة بقلمي ..3) لم تنشر !!

ملاحظة: كتبت هذه المقالة قبل سنتين .. بتاريخ 17/3/2014 .. ولم أرسلها للنشر ..


قرعة دوري الأبطال الأوروبي
حقيقة أم ثمثيل ؟؟


قبل أن تُقام قرعة دوري الأبطال الأوروبي لتحديد الفرق المتنافسة في دور الـ8 من المسابقة، خرجت بعض الأقلام من هنا وهناك وبعض القنوات الفضائية قائلة أن قرعة دوري الأبطال الأوروبي التي تتم إقامتها بعد كل دور ما هي إلا تمثيل بحت، وأن القرعة الأصلية تجري في الخفاء بعيدا عن أعين المشاهدين وبعيدا عن عدسات الإعلام. وأما عن الأسباب فمن قال إن بلاتيني يريد أن يجعل برشلونة – فريقه المفضل – هو الذي يصل إلى اللقب، ومنهم من ذكر أن فلورينتنو بيريز قد اتفق مع بلاتيني على أن يكون طريق ريال مدريد هذا الموسم سالكا نحو اللقب العاشر. والبعض الآخر من المتابعين ذكر أن بلاتيني يريد أن يرى النادي الفرنسي باريس سان جيرمان حاملا للقب هذه البطولة. وكتبت الأقلام كثيرا حول هذا الموضوع.

هذا الموسم كانت الفرق المتأهلة إلى دور الـ 8 فرقا مختلفة عن الأعوام الماضية إذا ما استثنينا ريال مدريد، برشلونة وبايرن ميونخ وبنسبة قليلة يوفنتوس الإيطالي. ففريق جالاتسراي التركي، ملقا الإسباني، باريس سان جيرمان الفرنسي، دورتموند الألماني ربما تكون هذه مشاركتهم الأولى في دور الـ8 منذ أعوام وربما أحد هذه الأندية لم يصل حتى إلى دور المجموعات أبدا.

الأقلام التي كتبت حول هذا الموضوع رددت إسم بلاتيني رئيس الإتحاد الأوروبي اليويفا في كل شيء، حتى اعتقد الكثيرون أن بلاتيني هو من يجري القرعة، والكل قد تحدث عن بلاتيني وكأنه هو الرجل الأوحد عند إجراء القرعة. والجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي يتحدث الجمهور وعشاق الساحرة المستديرة عن موضوع قرعة دوري الأبطال الأوروبي، فكثيرا ما تحدثوا عن هذه القرعة في السنوات الماضية، ولكنها كانت خالصة لبرشلونة، أي أن بلاتيني يريد لبرشلونة أن يتسلق إلى اللقب، لا بل أن يصل إلى اللقب بأسهل طريق ممكن وأقلها من ناحية العقبات والموانع.

أما بالنسبة لهذا الموسم، فإن إسم بلاتيني لا يزال يتردد، ولكن الفرق الذي يشجعه بلاتيني يتغير وفقا لكاتب الخبر أو صاحب البرنامج التلفزيوني، فمرة ريال مدريد ومرة اليوفي السيدة العجوز وأخرى برشلونة وربما باريس سان جيرمان. لست أدري هل من الممكن أن يفعل اليويفا هذا الشيء ويضيع سمعة الإتحاد الطيبة من أجل رغبات بلاتيني، وإن كان كذلك، لماذا لا تتقدم الأندية المتضررة بطلب بإعادة القرعة وأن يقيمها شخص آخر غير الذي تم تعيينه مسبقا.

كل شيء يجري أمام عدسات وكاميرات الإعلام بل وأعين الصحفيين، وأستبعد أن يجري شيء في الخفاء بمعزل عن كل الحضور من لاعبين ومدربين وصحفيين ورؤوساء أندية ومساعديهم. ولكن يبقى كل شيء واردا، والسؤال المطروح للمتابع الكريم: هل قرعة دوري الأبطال الأوروبي .. حقيقة أم تمثيل؟؟

رضا بن عيسى اللواتي 
مسقط – سلطنة عمان

2014/10/16

الدروس الخصوصية .. ضررها أكبر من نفعها (1/2)

الدروس الخصوصية .. ضررها أكبر من نفعها (1/2)


مع بداية كل عام دراسي جديد تعلن معظم الأسر حالة الطوارئ في منازلها، خصوصا تلكم الأسر التي ينتقل أبناؤها إلى الصف الثاني عشر أي امتحانات الدبلوم العام. وحيث إن حصاد هذه السنة الدراسية يحدد مصير الجهود التي يبذلها الطالب خلال الأحد عشر عاما التي تسبق هذا العام، يحبس أولياء الأمور أنفاسهم ويضعون أياديهم على صدورهم وهم يقضون هذا العام ما بين خوف وترقب وأمل وتفاؤل. ونظرا لمحدودية توفر الفرص الجيدة، وإن كان عددها في تزايد مستمر، وشدة المنافسة في ظل النسب العالية المطلوبة، يبتهل الجميع إلى الله سبحانه وتعالى لأن يكون ابنه أو ابنته من بين أولئك الذين سوف يوفقون في الحصول على فرصة الالتحاق بمؤسسة تعليمية مرموقة سواء في السلطنة أو خارجها. إلا أنه في الآونة الأخيرة برز تصرف غريب في الوسط الطلابي وأخذ يتنامى حتى أصبح يشكل ظاهرة يكاد أغلب الطلاب يتهافتون عليها، ألا وهي ظاهرة الدروس الخصوصية. هذه الظاهرة التي إلى جانب أنها تستنزف جيوب أولياء الأمور، فإن لها سلبيات أخرى كثيرة تكاد أن تلحق ضررا كبيرا بطبيعة النظام التعليمي في السلطنة.

الجدير بالذكر أن هذه الظاهرة لم تعد حكرا على الطلاب أصحاب المستوى المتوسط والمتدني، بل يلجأ إليها الطالب المُجيد أيضا، كما أنها عند البعض تغطي جميع المواد وبالأخص المواد العلمية. والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، ولكن خطورتها تكمن في أنها آخذة في الانتشار المخيف ليس بين طلاب مرحلة الدبلوم العام فحسب بل أخذت تغري طلاب المراحل الأخرى دون هذه المرحلة. وللحقيقة فإنني لا أُبرئ نفسي من ممارسة هذا السلوك، فقد كنت أحد الذين لجأوا للدروس الخصوصية استعدادا لاختبارات الدبلوم العام، إلا أنني حينها لم أنظر إلى الأمر من جميع جوانبه، وإنما لم يتجاوز أفق تفكيري نتائج الاختبارات التي كنت أصبو إليها. ولكن بعد أن أصبحت في وضع يسمح لي بالنظر إلى الموضوع من مختلف جوانبه تبادرت إلى ذهني تساؤلات عدة: ترى ما هي أسباب ومبررات هذه الظاهرة؟ وما هي أسباب تزايد أعداد الطلبة الذين يلجأون لها؟ وما هي آثارها على العلاقة بين الطالب والمدرسة وكذلك المعلم؟ وما هي آثارها الاجتماعية والمادية على الأسرة؟ وما السبيل إلى محاربة هذه الظاهرة؟.

لوحظ أن هناك عدة أسباب تدفع بالطالب إلى الاستعانة بالدروس الخصوصية، فقد يكون السبب الرئيسي لذلك تدني مستوى الطالب في الفهم والاستيعاب والتحصيل لعوامل في ذاته أو ظروف أسرته أو بيئته، وقد يكون تدني مستوى المعلم وقدرته على توصيل المعلومة إلى الطالب سببا آخر لتفشي هذه الظاهرة. وتبدو هذه الأسباب مبررة إلى حد ما لكي يلجأ الطالب إلى الدروس الخصوصية، ولكن عندما تتحول هذه الحالة إلى ظاهرة ويلجأ إليها حتى الطلاب المجيدين، فإن الأمر يحتاح إلى مزيد من البحث والتمحيص، فقد تكون هناك عوامل أخرى تساهم في استفحال هذه الظاهرة.ولو رجعنا قليلا إلى الوراء، لوجدنا أن الجهات المعنية بنشاط التعليم في السلطنة كانت حتى وقت قريب تعتبر هذه الحالة غير قانونية وتحظر على المعلمين التورط فيها وتتوعدهم بأقصى العقوبات، لذا كانت العملية تتم بين المعلم والطالب بسرية تامة وكانت الحالات محدودة. ولكن يبدو الآن أن الجهات المعنية تغض الطرف عن هذا السلوك لحاجة في نفس يعقوب حتى تحولت إلى ظاهرة كما أسلفنا، لذا لا بد من إلقاء مزيد من الضوء على هذه الظاهرة، حيث كان الموضوع محل أخذ ورد بين المعلمين والطلاب والمسؤولين.

ففي حين يدافع الطلاب عن موقفهم قائلين إن المعلمين يحاولون إنهاء أجزاء كبيرة من المنهج في حصة واحدة، وبالتالي يمرون على محتوياته مرور الكرام ولا يسمح الوقت للطالب لمزيد من الاستيضاح والمشاركة، وبالتالي تنتهي الحصة فيما تبقى الاستفسارات التي لديه دون إجابة، فإذا لم يستعن الطالب بالمعلم الخصوصي فإن هذه التساؤلات سوف تتراكم مع مرور الأيام وتتحول إلى قنبلة موقوتة مع اقتراب موعد الامتحانات. أما المعلمون فلديهم أسبابهم لتبرير هذه الحالة، وإن كان بعضهم (وهم قلة) لا يشملهم هذا التبرير، حيث إن العلة فيهم من حيث السلوك والكفاءة والإخلاص.

ولو أمعنا النظر في المبررات التي يسوقونها لوجدنا أنها منطقية وتحتاج إلى حلول، فكثرة الإجازات في العام الدراسي تفرض على المدارس تقصير مدة الحصة الواحدة، ومع ارتفاع عدد الطلاب في الصف الواحد والذين تختلف قدرة الاستيعاب لديهم من طالب إلى آخر، لا تترك مجالا لمزيد من المناقشة والأخذ والعطاء بين الطالب والمعلم، لذلك فإن طول المنهج المقرر والذي على المعلم إنهاؤه كاملا تحت الظروف التي ذكرناها آنفا يزيد الطين بلة، فلا يبقى أمام المعلم سوى الإسراع والسباق مع الزمن لإنهاء المنهج، وفي كثير من الأحيان لا يبقى لديه وقت للمراجعة أو التدريب على حل أسئلة اختبارات السنوات السابقة.

أما المسؤولون عن التعليم فكان الله في عونهم، حيث يبدو أنهم في موقف لا ناقة لهم فيه ولا جمل، فليست عملية تعديل المناهج سهلة ولا السيطرة على تضخم الإجازات من صلاحياتهم. وبين هذا وذاك يجد الطالب نفسه لهذا السبب أو ذاك منقادا كالحمل الوديع إلى مقصلة الدروس الخصوصية، فيما ولي أمره يتبعه وهو يتحسس جيبه ليتأكد إذا ما  كان قد تبقى فيه قرش أبيض لليوم الأسود.


نشرت في ملحق مرايا التابع لجريدة عمان في عددها الصادر بتاريخ 16/10/2014
وسوف يصدر الجزء الثاني من المقالة في الاسبوع المقبل

2014/09/22

أمراض الدم الوراثية .. الفحص الطبي قبل الزواج هو الحل

أمراض الدم الوراثية ..
الفحص الطبي قبل الزواج هو الحل 


نظمت اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا بالتعاون مع مجموعة التبادل البحثي بجامعة السلطان قابوس مؤخرا ملتقىً فكرياً بعنوان "الفحص الطبي قبل الزواج". وكان من أبرز ما توصل إليه هذا الملتقى من نتائج هو أن "60% من سكان سلطنة عمان يحملون جينات لأمراض الدم الوراثية". ولا شك أن هذه النسبة العالية من سكان السلطنة ممن يحملون جينات لأمراض الدم الوراثية كالثلاسيميا وأنيميا الخلايا المنجلية (السكلسل) وأنيميا الفول (G6PD deficiency) تجعل مجتمعنا العماني عرضة لخطر الإصابة بهذه الأمراض، وقد تكون هناك أمراض وراثية أخرى لم يتم التطرق إليها خلال هذا الملتقى، الأمر يستدعي وقفة من قبل الجميع بدءاً من الفرد نفسه ومرورا بالمجتمع وانتهاءً بالدولة.

إن هذه النسبة الكبيرة من سكان السلطنة الذين يحملون جينات لأمراض الدم الوراثية، تبين لنا خطورة هذه الحالة على مستقبل الأفراد، والعائلات، والمجتمع العماني وبالخصوص إذا علمنا أن المجتمع العماني مجتمع فتي، أي أن نسبة الشباب فيه أكثر من غيره. كذلك فإن تبعات هذه الحالة تطرح على كاهل الدولة أيضا أعباءً مالية كبيرة تتمثل في مصاريف علاج المصابين وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لهم.

ما هي أعراض أمراض الدم الوراثية؟

 من المهم جدا معرفة أعراض أمراض الدم الوراثية، حتى نعرف السبب من وراء هذا الحرص على الوقاية من هذه الامراض. فبالنسبة لأنيميا الخلايا المنجلية أو فقر الدم المنجلي والذي يكثر في هذه البقعة من العالم، فإن من أهم أعراض هذا المرض الآلام الشديدة التي تحصل عند المصابين به خصوصا في الأطراف ومنطقة الظَهر. كما أنه يمكن أن تتجلط خلايا الدم في الرئتين ويؤدي ذلك إلى آلام شديدة في الصدر ومشاكل في التنفس، وقد تتجلط خلايا الدم في المخ ويؤدي ذلك إلى الإصابة بالجلطة الدماغية، ولتفادي حدوث المضاعفات يتكرر دخول المريض إلى المستشفى لتلقي العلاج، من قبيل المضادات الحيوية، وأدوية التقليل من الالام، وأيضا من أجل نقل الدم في بعض الحالات.

بالانتقال إلى مرض الثلاسيميا أو ما يسمى بفقر دم حوض البحر الأبيض المتوسط، فهنا تكون خلايا الدم الحمراء غير قادرة على أداء وظيفتها على أكمل وجه، وبالتالي فإن المريض يعاني من فقر دم حاد، وشحوب، وتعب، بالإضافة إلى تضخم الكبد والطحال. وهذا الأمر يتطلب نقل الدم للمصاب بشكل شهري للتخفيف من هذه الأعراض، بالإضافة إلى إعطاء المريض  دواءً آخر لتجنب زيادة نسبة الحديد في الجسم بسبب النقل المتكرر للدم. كما يصاب المريض أيضا بتشوهات في عظام الرأس والوجه ومشاكل في الأسنان على المدى البعيد، بالإضافة إلى تأخر في النمو الجسدي والعقلي وتأخر في البلوغ. ولا يُخفى على أحد ما لهذه الأعراض من تأثيرات سلبية على المريض نفسه وعلى عائلته.

أما مرض نقص الخميرة، والذي ينتج بسبب نقص خميرة G6PD، والتي تحافظ على جدار كريات الدم الحمراء من الانحلال والتكسر عند تعرضها لمواد كيميائية، فإنها تُعد الأقل خطورة من بين هذه الأمراض إلى حد ما، وذلك لأن أعراض هذا المرض لا تظهر إلا حينما يتناول المصاب بعض أنواع الأطعمة كالفول مثلا أو بعض المضادات الحيوية، حيث أن تناول هذه الأطعمة والمضادات الحيوية يتسبب في كسر جدار كريات الدم الحمراء وانحلالها، الأمر الذي يؤدي إلى فقر دم حاد وهبوط مستوى الهيموجلوبين في الدم وتحول لون البول إلى اللون الداكن.

كيف تنتقل أمراض الدم الوراثية؟

لقد ذكرنا سابقا ثلاثة أمراض دم وراثية منتشرة في المجتمع العماني بكثرة، ولكن من المهم جدا معرفة كيفية انتقال هذه الأمراض الثلاثة من جيل إلى آخر، لأن كل مرض منهم يختلف في طريقة انتقاله عن طريقة إنتقال المرض الآخر.

فمثلا أنيميا الخلايا المنجلية والثلاسيميا عبارة عن أمراض ذو جين متنحي، أي إذا كان الزوجان حاملان للمرض، فإن إمكانية إصابة 
الطفل بالمرض تصل إلى 25% في كل حمل، في حين تصل إمكانية أن يكون الطفل حاملا للمرض إلى 50% بينما تصل إمكانية أن يكون المولود خاليا تماما من المرض ولا يحمل جيناته نسبة 25%. أما إذا كان أحد الطرفين مصابا والآخر سليما من المرض، فإن فرص الإصابة بالمرض تكون 50% في كل حمل، وإمكانية أن يكون الجنين حاملا للمرض تكون أيضا 50% في كل حمل.
الأب \ الأم
A
a
A
AA
Aa
a
Aa
aa
الجدول (1)

ولمزيد من التوضيح لهذه العملية، إذا كان الأب حاملا للمرض أي (Aa) والأم حاملة للمرض أيضا أي (Aa)، A يكون جينا سليما، وa جينا مصابا بالمرض، بالتالي تكون النتيجة حسب الموضح في الجدول (1). وكما مر علينا آنفا بأن 60% من سكان السلطنة حاملين لهذه الجينات، فلنتخيل نسبة المصابين بهذه الأمراض الوراثية على المدى البعيد.
الأب \ الأم
X
x
X
XX
Xx
Y
XY
xY
الجدول (2)

أما بخصوص مرض أنيميا الفول أو G6PD deficiency، فهو مرض جيني مرتبط بالجنس، أي أن الأم (Xx) تنقله إلى الذكر فيكون مصابا، ولكن إذا نقلته إلى ابنتها فتكون حاملة للمرض فقط، أما الرجل (Xy) فينقله لابنته ولكن لا ينقله لابنه، لأنه ينقل له جين الذكورة (Y) فقط. وفي الجدول (2) توضيح للعملية.

عوامل إنتشار أمراض الدم الوراثية والآثار المترتبة على ذلك!

تُعد الأمراض السالفة الذكرمن أهم الأمراض الوراثية المنتشرة في عُمان، إن كان ذلك من حيث إصابة الأفراد بها أو من ناحية حملهم للجين الوراثي المسبب للمرض. ومن خلال دراستها للنتائج التي تترتب على زواج أولئك الذين يحملون أمراض الدم الوراثية، لاحظت الجمعية العمانية لأمراض الدم الوراثية "أن بعض الأزواج الذين يعانون من أمراض الدم الوراثية والذين يُرزقون بأطفال مصابين بالمرض، يؤول بهم الحال إلى الطلاق لما لهذه الأمراض من تأثير على حياة الأفراد من الناحية الجسدية والنفسية". كما أن معاناة الأطفال أنفسهم نتيجة تكرر زياراتهم للمستشفى وبالتالي بقائهم بعيدا عن المدرسة تسبب لهم ضغوطات نفسية وعصبية تؤدي إلى انخفاض مستوى التحصيل الدراسي لديهم.

كما أن بعض الدراسات توصلت أيضا إلى أن أهم سبب لانتشار هذه الأمراض في المجتمع هو زواج الأقارب وهي ظاهرة منتشرة في المجتمع العماني. وأنا هنا لا أدعو إلى إصدار تشريعات لمنع زواج الأقارب، ولكن نظرا لما يترتب على تفشي مثل هذه الظاهرة من إنتشار لمثل هذه الأمراض بين أفراد المجتمع وما تخلفه هذه الأمراض من آثار سلبية وعملا بالحكمة القائلة: "الوقاية خير من العلاج"، فإنه يصبح من الضروري بل من الواجب الدعوة إلى إجراء فحص طبي قبل الزواج في مثل هذه الحالات وذلك للحد من إنتشار هذه الأمراض والتقليل من آثارها السلبية، خصوصا إذا علمنا بأن نسبة الطلاق في المجتمع العماني مرتفعة نوعا ما، بسبب هذه الظاهرة أو غيرها.

ماذا نعني بالفحص الطبي قبل الزواج؟

الجواب على هذا السؤال قدمته لنا الجمعية العمانية لأمراض الدم الوراثية حيث عرفته بأنه "إجراء الفحص للشريكين المقبلين على الزواج لمعرفة ما إذا كانا مصابين أو حاملين لبعض الامراض الوراثية وطرح الخيارات والبدائل أمام الشريكين من أجل التخطيط لبناء أسرة سليمة وصحية". الأمر الذي يتطلب بالتأكيد حضور الشريكين إلى المركز الصحي لتحديد حالتهما فيما يتعلق بهذه الأمراض وهي كما ذكرنا سابقا ثلاسيميا الدم، أنيميا الخلايا المنجلية وتسمى أيضا بالسكلسل، وأنيميا الفول أو نقص الخميرة.

والجدير بالذكر أن تسهيلات إجراء هذه الفحوصات متوفرة في المراكز الصحية في مختلف ولايات السلطنة. كما قامت وزارة الصحة في السلطنة بإعداد عيادات خاصة متنقلة لهذا الغرض في جميع محافظات وولايات السلطنة. كذلك فإن إجراءات عمل هذه  الفحوصات سهلة وبسيطة، حيث يأخذ الأطباء عينة الدم من الشريكين، ويتم إرسالها للمختبر حيث تظهر النتيجة بعد اسبوعين. وفي ضوء نتيجة الفحوصات يجلس المختصون في المركز الصحي مع الشريكين لإخبارهما بكافة الإحتمالات وكذلك البدائل المتاحة أيضا.

والآن وبعد معرفة أعراض هذه الأمراض الثلاثة المنتشرة في مجتمعنا العماني وكذلك بعد معرفة آثارها السلبية على الفرد و الأسرة والمجتمع بأسره ناهيك عن العبء المادي الذي يرهق كاهل الدولة التي لا تجد مفرا من تقديم الرعاية الصحية المناسبة للمصابين بهذه الأمراض، الأمر الذي يستقطع جزءاً لا بأس به من موازنة وزارة الصحة. ألا يستحق الأمر بعد كل هذا الوقوف عنده والعمل بموجب الحكمة القائلة "درهم وقاية خير من قنطار علاج" وذلك عن طريق إجراء الفحوصات الطبية قبل الزواج وهي في الوقت الذي تحصن المواطن ضد الأمراض المذكورة وتجنبهم المآسي المترتبة على تلك الأمراض، فهي لا تكلف الدولة كثيرا مقارنة بتكاليف علاج الأمراض التي قد تصيب المواطن في حالة عدم إجراء هذه الفحوصات.

إذاً هي دعوة لكل مقبل ومقبلة على الزواج، لاسيما ممن يتواجد في عوائلهم مصاب أو حامل للمرض، بإجراء هذا الفحص الطبي، حتى لا يتفاجؤوا فيما بعد بهذه الأمراض وبالتالي يجنبوا أنفسهم وأبناءهم والمجتمع الآثار السلبية لهذه الأمراض، هي دعوة أيضا لكي نطبق حديث النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم: "تخيروا لنطفكم"، حتى يكون مجتمعنا العماني سليما خاليا من الأمراض، لنُكمل مسيرة التنمية والعطاء.

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" ]سورة التين – الأية 4[. كما قال جل جلاله: "وصوركم فأحس صوركم" ]سورة غافر - الآية 64[، ]سورة التغابن – الآية 3[. والمعنى: أنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل صورة الإنسان صورة حسنة، وخَلَقه في أحسن تقويم، والتقويم معناه جعل الإنسان ذا قوام، وقوام الشيء هو ما يقوم به الشيء ويثبت، فالآيات تريد أن تبيّن أن صورة الإنسان بشكل عامّ صورة حسنة، وأنّ هذا النوع من الكائنات الحيّة يمتلك أحسن قوام بحسب الخلقة. من هنا لم يكن غريبا هذا الإهتمام الكبير من قبل الإسلام بالإنسان وتكوينه وخلقته من خلال التشريعات التي توجه هذا الإنسان وترشده إلى كل ما يمكنه من المحافظة على قوامه في أحسن صورة وأحسن تقويم.

ولا شك أن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفته المعلم الأول في الإسلام كان يَعلم بأن عملية تشكيل قوام الإنسان تبدأ وهو جنين في بطن أمه متأثرا بعوامل وراثية مكتسبة من أبيه وأمه، لذا بادر إلى توجيه المسلمين نحو الإهتمام بهذه المرحلة من الحياة فجاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" وأتبعها بسلسلة من الأحاديث حول هذا السياق. ومن هذا المنطلق أرجو أن يكون هذا المقال مساهمة متواضعة مني في هذه الجهود من خلال إلقاء الضوء على طبيعة هذه الأمراض والآثار المترتبة على المصابين بها وأُسرهم وكيفية تجنب الإصابة بها.



نشرت في مجلة شرق غرب العمانية في عددها الأول

2014/07/01

معا للاستغلال الأمثل للإجازة الصيفية !!

معا للاستغلال الأمثل للإجازة الصيفية !!


أشهر ثلاث تقريبا ينتظرها كل عام مئات الطلاب ليقضوها بعيدا عن مقاعد الدراسة وعن الأوراق والأقلام والألوان. متحررين من الإلتزام بمواعيد الحضور والإنصراف، وذلك بعد تسعة أشهر تقريبا من العمل الجاد والدؤوب والمنافسة لتحقيق النجاح والتفوق وما يصاحب ذلك من جهد ذهني وضغوط نفسية وسباق مع الزمن. إذا هي إستراحة محارب أو أقرب من ذلك، إستراحة لأشهر ثلاث يرتاح فيها الطالب ويجدد نشاطه، لكي يبدأ عاما دراسيا آخر، يكون حافلا بالعلم والعطاء والجد والاجتهاد.

لا شك أن إجازة الصيف تختلف بدايتها من مرحلة دراسية إلى أخرى وكذلك مدتها، وقد يضحي البعض بهذه الإجازة أو جزء منها ملتحقا بفصل دراسي صيفي في هذه الكلية أو الجامعة أو تلك. وقد تكون للبعض آخر إجازة صيفية له كطالب يقضيها وهو يستعد لبدء مرحلة جديدة من حياته من خلال إلتحاقه بالعمل. هي إذاً إجازة أو بمعنى آخر وقت ثمين يُفترض أن يحسن المرء استغلاله.

وبفضل الله وبركاته يحل علينا شهر رمضان المبارك ضيفا غاليا وعزيرا يشمل بعبقه وروحانياته جزءا كبيرا من الإجازة الصيفية، ومن ثم يمنح للطلاب فرصة مجانية لأداء رياضة روحية إلى جانب بقية الأنواع من الرياضات التي عادة ما يستثمر الطلاب أوقاتهم فيها. والمهم هنا هو كيفية التوفيق بين تلكم الرياضات والمناشط حتى يكون هناك أفضل استغلال للإجازة الصيفية معطرة بعبق وروحانيات شهر رمضان المبارك.

إن واقع الحال يشير إلى أن شريحة كبيرة من الطلاب وخاصة الصغار منهم يقضون أغلب وقت الإجازة الصيفية في اللعب واللهو والنوم، ولا يقومون بأداء أي عمل مفيد لأنفسهم أو لأهلهم أو مجتمعهم. من هنا ومن أجل إستغلال هذه الطاقات الواعدة لا بد من وجود جهة ما رسمية كانت أو غير رسمية تأخذ على عاتقها مهمة تنسيق الجهود لتوجيه الطلاب الوجهة الصحيحة حتى ينخرطوا خلال الإجازة الصيفية في أعمال مفيدة لهم ولأسرهم وللمجتمع بأسره كل حسب ميوله وإمكانياته.

وفي كل الأحوال فالمتوفر من الفرص والإمكانيات للشباب غير قليل ولو تم إستغلاله من قبل الطلاب لكان مردوده جيدا. فمن يرى من الشباب متنفساً له في ممارسة الرياضة يمكنهم الذهاب إلى الأندية الرياضية المنتشرة في مختلف مدن وقرى السلطنة لقضاء وقت الفراغ مع الزملاء والأصدقاء في ممارسة نشاطه الرياضي. كذلك فمن لديه ميول ثقافية بإمكانه أن يشبع حاجته منها من خلال البرامج المتنوعة لهذه الأندية، حيث أنها تضاعف جرعتها من البرامجَ  الثقافية والرياضية بكافة أنواعها خلال موسم الإجازة الصيفية لاسيما إذا صادف حلول شهر رمضان في تلك الإجازة.

البعض الآخر يرى أن القراءة والكتابة هي هوايته المفضلة وهو غير قادر على القيام بها في فترة الدراسة، بالتالي تكون الإجازة الصيفية فرصة جيدة ومجانية لمن يهوى القراءة والكتابة لينغمس في ممارسة هوايته تلك فيبدل بالكتب الصحابا ولو لفترة محددة لبناء ثقافته فهي فرصة لقراءة الكتب خصوصا تلك التي قد يكون اشتراها من معارض الكتب ولم يسنح له الوقت خلال أيام الدراسة لقراءتها. كذلك هي فرصة له لإطلاق العنان لقريحته لكتابة ما لم تتح له ظروف الدراسة كتابته. كما أن المحاضرات والندوات الثقافية التي تنظمها الجمعيات الثقافية والإعلامية والأندية فرصة أخرى يمكن أن يستغلها الفرد لتنمية ثقافته.

كذلك يمكن للبعض إستغلال فترة الإجازة في تقوية مستواه في اللغة الانجليزية خاصة أولئك الذين هم على أبواب الجامعة حيث أصبح الإلمام باللغات بل واتقانها خاصة اللغة الإنجليزية أمرا مهما للغاية خصوصا إذا ما علمنا بأن الدراسة الجامعية سواء كانت في السلطنة أو خارجها تعتمد بشكل كلي على اللغة الإنجليزية في كثير من التخصصات. كما أن الأولية في اختيار الموظف للعمل في وظيفة ما تُعطى لمن له معرفة ودراية باللغة الانجليزية تحدثا وكتابة. ولايختلف إثنان على أن الحاسب الآلي أضحى الطاغي على حياتنا العلمية والعملية والاجتماعية، وحيث أن الكثير من المعاهد تقدم دورات تدريبية في هذا المجال خاصة في فترة الإجازة وتقدم شهادات دولية معتمدة في كثير من حقول هذا البحر الواسع من العلم والتكنولوجيا، فحري بنا أن نطور أنفسنا في هذا المجال الجميل والمهم بالإلتحاق بهذه الدورات.

ولا ننسى السفر والترحال، فهو مجال آخر رحب وفسيح للإستفادة منه في قضاء الإجازة. فكما قال الشافعي فإن في السفر سبع فوائد وهي: انفراج الهم، واكتساب المعيشة، وتحصيل العلم والآداب، وصحبة الأمجاد، واستجابة الدعوة وزيارة الأحباب من أقارب وأرحام واصدقاء. وهنا يلزمنا التخطيط المسبق إذا ما قررنا زيارة دولة ما من أجل التعرف على عاداتها وتقاليدها وثقافاتها، بالإضافة إلى الراحة والاستجمام والسياحة فيها.

وبما أن الإجازة الصيفية في هذا العام تصادف شهر رمضان المبارك، فحري بنا استغلال هذه الفرصة  والإستفادة منها من خلال حضور المساجد وحضور المحاضرات والدروس الدينية، والمشاركة في مدارس حفظ وتجويد القرآن، والاستلهام من دروس وعبر السيرة النبوية، والقصص المذكورة في القرآن الكريم لتكون لنا معينا في قادم الأيام خاصة وأن هذه الفرصة لا تتكرر في عمر الإنسان كثيرا.

إن ما دفعني لكتابة هذا المقال هو مقال آخر قرأته في إحدى الصحف الخليجية  يقول فيه الكاتب بأن نسبة تعاطي المخدرات بين الشباب في دول الخليج العربي تزيد في فترة الإجازة الصيفية. حقيقةً، لا توجد لدي احصائيات دقيقة حول هذا الموضوع، ولا أستبعد أن تكون لدى الجهات المعنية بهذا الأمر صورة متكاملة عن هذه الظاهرة الدخيلة على مجتمعاتنا العربية الأصيلة. ولكن يبدو الأمر منطقيا للوهلة الأولى، فهذه الأشهر الثلاث، أي فترة الإجازة الصيفية توفر وقتا طويلا قد يسيء البعض استغلاله مما يؤدي بهم إلى الوقوع في فخ هذه المحرمات بسهولة ويسر عن طريق مجالسة رفاق السوء في تجمعات ليلية طويلة حتى أذان الفجر عادة.


ختاما، على كل فرد منا، سواء كان طالبا في المدرسة أو في الجامعة، أو حتى موظفا، علينا أن نخطط لمستقبلنا، بخطة واضحة بعيدة المدى نخطط فيها لوقتنا وكيفية إدارته لاسيما خلال الإجازة الصيفية التي نستطيع خلالها إن أحسنا إستغلالها تنفيذ هذه الخطط والمشاريع وتحقيق طموحاتنا. وهذه دعوة لكم أحبتي إلى حسن استغلال هذا الوقت من الإجازة الصيفية والذي عادة ما يضيع هباءً منثوراً في كثير من الأحيان عند الكثير من الشباب حتى لا نندم حيث لا ينفع الندم لأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك فالأيام التي تذهب لا تعود أبدا.


نشرت في جريدة الرؤية العمانية بعددها الصادر بتاريخ 1/7/2014

2014/06/29

نافذ البصيرة .. صلب الإيمان



على امتداد التاريخ الإسلامي، ومنذ أن بدأت دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم، لم تكن هنالك امتيازات لبعض الفئات أو الأشخاص على البعض الآخر، لا سيما وأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد قال يوما: "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى". أي أن خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعلى آله الصلاة والسلام وضع التقوى حدا ومعيارا بين بني البشر المنتمين للدين الإسلامي الحنيف.

ومن هذا المنطلق، عمل بعض الأشخاص في عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم، وبعد ذلك في زمن الائمة عليهم السلام بجد واجتهاد من أجل الوصول إلى الغاية العظمى ونيل الدرجات العليا واللحاق بركب محمد وال محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام. وقد كان أول الواصلين لهذه الغاية هو أبو ذر الغفاري حينما قال له النبي صلى الله عليه واله وسلم: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر". وكم هو عظيم هذا الوصف من النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم لأبي ذر الغفاري، بل وأي عظمة وصلها أبو ذر الغفاري حتى ينال هذه المرتبة وهذا الوسام من صاحب الشفاعة صلى الله عليه واله وسلم.

ولحق بأبي ذر الغفاري، رفيقه في الجهاد وصاحبه في الإسلام سلمان الفارسي والذي قال في حقه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "سلمان منا أهل البيت"، فكان هو الشخص الثاني الذي مُنح امتيازا رفيع المستوى من النبي صلى الله عليه واله وسلم. وأي فضل أن ينتسب سلمان الفارسي أو كما سُمي لاحقا بسلمان المحمدي أن ينتسب لأهل بيت النبوة بعمله وتقواه وجهاده لا بنسبه.

هذه المنازل الرفيعة والأوسمة العالية لم تنلها إلا القلة القليلة من الشخصيات من لدن النبي صلى الله عليه واله، أو من أمير المؤمنين عليه السلام أو الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام. حتى جاء صادق آل محمد عليهم السلام وقال قولته المعروفة في حق عمه العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام: "كان عمّي العبّاس بن علي عليه السلام نافذ البصيرة، صُلب الاِيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً". فما أعظمها من كلمات خرجت من لسان إمام معصوم لا يخرج من فمه إلا الحق.

فما الذي عمله أبو الفضل العباس عليه السلام حتى ينال هذا الوسام الرفيع المستوى، وما الذي صنعه قمر بني هاشم عليه السلام لكي يُثني عليه الإمام الصادق عليه السلام هذا الثناء الكبير؟ في الحقيقة، إن جهاد العباس عليه السلام لا يقتصر على يوم عاشوراء وواقعة كربلاء فحسب، فالعباس عليه السلام جاهد الجهاد الأكبر أي جاهد نفسه وروضها وأدبها قبل أن يجاهد في كربلاء. نعم، لقد وصل أبو الفضل العباس ابن أمير المؤمنين عليه السلام إلى مرحلة عالية من التقوى واليقين، حتى أنه كان لا يقترب من الأمر المكروه فضلا عن الحرام الذي هو أبعد عنه بكل تأكيد، فهو ربيب أمير المؤمنين عليه السلام، وربيب فاطمة بنت حزام الكلابية أم البنين عليها السلام والذي تزوجها أمير المؤمنين وهي من خيرة نساء زمانها، وقبيلتها من أفضل قبائل العرب وأشجعهم ولنا في حديث أمير المؤمنين لأخيه عقيلا "يا عقيل أبغي لي إمرأة ولدتها الفحول من العرب لتلد لي غلاما يكون ناصراً لولدي الحسين". فمن تربى في حجر علي ابن أبي طالب وأم البنين فسوف يكون رجلا صالحا مؤمنا شجاعا تقيا.

أما في كربلاء، فإن العباس قد تكفل بأخته زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام، تكفل بها في الطريق وفي كربلاء أيضا، ولعل البعض يعتقد أنها مهمة سهلة، ولكن أن تكفل امرأةً تمثل الخدر والعفة كلها لهو أمر صعب للغاية. ولعلنا نصل بعد ذلك إلى رفضه أمان ابن زياد والشمر بن ذي الجوشن عليهما لعنة الله، حين قالوا له بأنه إن رضخ لهم واتبعهم فإنه سيكون أميراً لجيشهم فقال قولته المشهورة والتي زلزلت كيان ذلك الجيش الجرار: "لَعَنَك الله، ولعن أمانك، أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمان له ؟!". وهنا نجد أن هذا البطل الهمام ربيب أمير المؤمنين عليه السلام، وصل إلى مقام عالٍ جدا، حيث لم يرفض العرض لأن الحسين عليه السلام يكون أخاً له، ولكن لأنه إمام معصوم مفترض الطاعة، وابن رسول الله وعلي وفاطمة عليهم السلام.

حتى جاء يوم العاشر من المحرم، وبرز أبو الفضل العباس لجلب الماء، فلما أن أحس ببرد الماء رماه من يده، لأن سيده الحسين عليه السلام لم يشرب الماء بعد، وارتجز قائلا:
"يا نفس من بعد الحسين هوني .. وبعده لا كنت أن تكوني 

هذا حسين وارد المنون .. وتشربين بارد المعين 

تالله ما هذا فعال ديني"

إن هذا هو الإيثار بعينه، والإيثار هو تقديم من آثرته على نفسك وإن أضر بك ذلك وسبب لك أذىً كبيرا، فيا لهذه العقيدة الراسخة من أبي الفضل العباس عليه السلام، ومعرفته ويقينه بإمام زمانه وسيده ومولاه الحسين عليه السلام. فقد كان يعلم علم اليقين أنه إن فعل ذلك، نال الدرجات العالية والمقامات الرفيعة، فهو آثر إمام زمانه الحسين عليه السلام على نفسه. وحتى قيل فيه شعرا كثيرا ولعل أجملها ما قاله السيد محسن العاملي:
"لا تنسى للعباس حسن بلائه .... بالطف عند الغارة الشعواء  
واسى أخاه بها وجاد بنفسه .... في سقي أطفال له ونساء
رد الألوف على الألوف معارضا .... حد السيوف بجبهة غراء"

فهل بعد إيثار العباس عليه السلام إيثار آخر، وهل بعد قول الإمام الصادق عليه السلام عن عمه العباس قول في توضيح منزلته الرفيعة.


رضا بن عيسى اللواتي

مسقط – سلطنة عمان

2014/05/30

القلق المصاحب للامتحانات .. الأسباب وطرق العلاج

القلق المصاحب للامتحانات .. الأسباب وطرق العلاج


مع اقتراب موعد الامتحانات النهائية لطلاب الدبلوم العام، ومع تدني درجات الكثيرين منهم في الفصل الأول، وما واجهه الطلاب من صعوبات ومعوقات في ذلك الفصل، ورغبتهم في تحقيق درجات أعلى من التي حققوها في الفصل الماضي، لضمان مقعد في مؤسسات التعليم العالي الحكومية أو البعثات الكاملة أو الجزئية، فقد بدأ هؤلاء الطلاب منذ فترة ليست بالقصيرة بالاستعداد الجاد لهذه الأيام، ولكن مع اقتراب ساعة الصفر فإن الطالب المجيد وربما غيره أيضا سوف يشعرون ببعض "القلق" والتوتر، والذي من الممكن أن يؤثر على مراجعتهم سلبا.

في هذا المقال، سوف أحاول أن أذكر بعضا من أسباب "القلق" لدى هؤلاء الطلاب مع قرب موعد الامتحانات، ثم أتبعها ببعض الأساليب التي من الممكن أن يتخذها الطالب لكي يسيطر على "القلق" المصاحب لمراجعته وأيضا لكي لا يتأثر الطالب سلبا نتيجة "القلق"، وكلي أمل أن يستفيد إخواني الطلبة من هذا المقال.

يُعرف المختصون "القلق" بأنه حالة نفسية وفسيولوجية تتجمع فيها بعض العناصر الحسية للشخص مع بعض السلوكيات لتشكل حالة من عدم الارتياح والخوف والتردد. ويذكر آخرون بأن "القلق" هو عبارة عن حالة تحدث لدى أي فرد لتحفيزه من أجل مواجهة أمر قد يحدث في المستقبل. وإذا ما زادت مستويات القلق عند البعض فإن الأمر يتحول إلى حالة من حالات الأمراض السلوكية التي يجب معالجتها. من خلال التعريفات السابقة، فإن "القلق" حالة طبيعية تحدث لكل فرد منا، والمطلوب هو السيطرة عليه وتشكيله وتوجيهه لكي يكون عاملا للتقدم، ومساعدا على التفوق والنجاح.

من الممكن أن يكون "القلق" أمرا نفسيا فقط، بحيث يشعر الإنسان بالخوف والتوتر فقط، ولكن ربما يزيد الأمر عن مستواه الطبيعي، فيشعر الشخص بحالة من الغثيان، والتعب الجسدي، وربما بعض الآلام في الصدر وتسارع في دقات القلب، بالإضافة إلى الرجفة الخفيفة، وزيادة في التعرق. إن هذه الأعراض مؤشر على زيادة "القلق" لدى الفرد، وهنا فإن هذا الشخص بحاجة إلى وقفة مراجعة مع الذات، للسيطرة على "القلق" من أجل عدم تمادي هذه الحالة. وقد رأينا بعض الطلاب وهم يصابون بحالة الإغماء قبيل الامتحان، والبعض يصاب بالصداع الشديد وغيرها من الأعراض.

ولو استعرضنا أسباب حالة "القلق" المصاحبة للامتحانات لوجدناها كثيرة جدا، فنتيجة الطالب في الفصل الأول لها تأثيرها عليه، فإن كان الطالب قد حصل على درجات عالية في الفصل الأول، فإنه سوف يحاول الحصول على درجات أعلى في الفصل الثاني. وإن كان قد حصل على درجة متدنية في الفصل السابق لظرف أو حالة طارئة فإنه سوف يحاول الحصول على درجات أعلى في الفصل اللاحق، وفي الحقيقة كلا الحالتين تساهمان في حالة "القلق" وزيادته عند الطالب، مع اختلاف مستوياتها.

الأمر الآخر، وهو عندما يقارن الأهل الطالبَ بأقرانه أو إخوانه ممن سبقوه في الدراسة وكانوا من المتميزين علميا، ويريدون من الطالب أن يكون مثل إخوانه، وهو ليس بمستواهم العلمي، فإن هذا يؤثر سلبا على الطالب ويبدأ حينها بالقلق. كما أن مقارنة الطالب نفسه بزملاءه وطريقة مذاكرتهم أو ما أنهوه من مادة تعليمية في حين أنه لا يزال متأخرا بعض الشيء يزيد من قلقه. ولذا ينصح المختصون بأن يكون لكل طالب طريقته الخاصة في المذاكرة وأن لا يعتمد على طريقة زملاءه، فلكل أسلوبه الخاص الذي اعتاد عليه.

شرب المنبهات الكثيرة من قبيل الشاي والقهوة، يزيد من "القلق" والتوتر عند الطالب، لأن هذه المنبهات تزيد من عمل الجهاز السمبثاوي عند الشخص الأمر الذي يؤدي إلى زيادة القلق، وظهور أعراضه عليه. ولذلك ينصح المختصون بعدم تناول المنبهات قبل الامتحان وأخذ قسط كافٍ من الراحة قبل ليلة الامتحان. مضافا إلى ذلك، فإن مراجعة المادة قبيل الامتحان بسويعات قليلة يزيد من "القلق" والتوتر والخوف، وعليه يُنصح بعدم مراجعة المادة بطريقة مكثفة ليلة الاختبار، والإعتماد على جدول زمني في المذاكرة يبدأ قبل شهرين على الأقل من يوم الامتحان.

بعض أولياء الأمور يمنعون أبناءهم من الراحة، فكلما توقفوا عن الدراسة عاتبوهم واتهموهم بالتقصير. وهذا الأمر له تأثير سلبي جدا على الطالب وعلى نفسيته وخصوصا قبل الامتحان بفترة قصيرة. ولذلك فإن الجو العائلي المحيط بالطالب مهم جدا لنفسية الطالب وتحصيله العلمي.

بعد أن استعرضنا بعضا من أسباب "القلق" قبل الامتحان، فلابد من ذكر بعض من الحلول المتبعة للتقليل من "القلق. أولا: مراجعة المواد أولا بأول منذ بداية الفصل الدراسي، وهذا كفيل بأن يساهم في السيطرة على "القلق" لأن الطالب يكون حينها قد غطى جميع المادة الدراسية. ثانيا: وهي خطة دراسية نصحنا بها أحد الأساتذة في فترة دراستي للثانوية العامة، وكانت بأن نجمع امتحانات السنوات الخمس السابقة مع نماذج اجاباتها، ثم نضع أنفسنا في هيئة لجنة الامتحان (كل طالب بنفسه) ونضع مؤقتا لمدة ثلاث ساعات، ومع انتهائها نصحح الامتحان بأنفسنا. لقد كانت فكرة مفيدة جدا ومع كل امتحان قديم كانت اجاباتنا أفضل وقلقنا أقل لحين وصولنا إلى الامتحان النهائي، فقد تعلمنا كيف نسيطر على "القلق" ونشكله لأن يكون في صالحنا.

ثالثا: النوم يساعد على تثبيت المعلومات المكتسبة، ولذا يُنصح بالنوم الكافي بعد الانتهاء من المذاكرة وعدم السهر. رابعا: مراجعة المادة قبل الامتحان من قبل المعلمين والتنبيه على النقاط المهمة بالاضافة إلى حل الامتحانات السابقة وحل الامتحانات التجريبية، فإنه مما يساعد على التقليل من قلق الامتحانات عند الطالب. 

خامسا: مناقشة المنهج الدراسي مع الطلاب المجيدين اثناء فترة المراجعة يهيئ الطالب للامتحان ويقلل من "القلق" عنده. سادسا: أن يتذكر الطالب بأن الامتحان للجميع وليس له وحده، وأن الكثيرين قد مروا بهذه التجارب، وما زال البعض يمر بها في مراحل دراسية متقدمة. في الأخير، إقامة بعض الندوات، وورش العمل في المدراس للطلاب وأولياء أمورهم والحديث عن تهيئة الطالب للامتحان ودور أولياء الأمور في دعم الطالب، فإن هذا مما سوف يساهم في السيطرة على "القلق" عند الطلاب وتهيئتهم جيدا للامتحانات.

ختاما أقول، بأن "القلق" المصاحب للامتحانات أمر صحي وجيد، ولكن بشرط أن لا يكون مفرطا، ولا يزيد عن حده، فكما يُقال في المثل "كل شيء زاد عن حده، انقلب ضده". وواضح جدا دور الأسرة ودور المدرسة أيضا في تهيئة الطلاب نفسيا ودراسيا من أجل الامتحانات.


رضا بن عيسى اللواتي
مسقط – سلطنة عمان
نشر في جريدة الرؤية العمانية في عددها الصادر بتاريخ 30/5/2014