2016/03/23

لصوص الكلمات

لصوص الكلمات
نشرت في النشرة الأسبوعية لمشروع أصدقاء القراءة 22/3/2016

ربما كانت اللصوصية في عنوانها الأبرز ترمز إلى سارقي المال والمتاع والعقار، ومختلسي الأموال، وبعضا ممن لم يكلفوا أنفسهم عناء التعب والعمل والجد والاجتهاد، فعمدوا إلى التسلط عنوة على ممتلكات الغير، وهذا بالتأكيد جرم يعاقب عليه القانون، قانون أي دولة. ولكن ما يظهر في الساحة الآن، لصوصية من نوع آخر، لصوصية ثقافية، إختلاس فكري وأدبي، والحرامي هو من يُطلق عليه أديب أو مثقف أو كاتب أو قاص أو روائي أو شاعر، والحبل على الجرار يمضي.


هذا النوع من اللصوصية والاختلاس ليس بجديد، وربما بدا معاصرا للصوصية بعنوانها الأبرز للمال والمتاع والعقار، ولكنه كان من الصعب جدا فيما مضى اكتشاف هذا النوع من سرقة الحقوق الأدبية، والملكية الفكرية. الآن، وبعد سيطرة التكنولوجيا على عالمنا المعاصر، أصبح اكتشاف لصوص الكلمات أمرا أسهل من السابق، فهؤلاء ممن ينسخون الكلمات والأسطر مختتمين بكلمة "بقلمي" أو "بنات أفكاري" أو "حبر قلمي"، أصبح من اليسير جدا اكتشافهم، فهنالك العديد من البرامج على الحاسب الآلي التي تتيح لك بنسخ ولصق أن تكتشف الكاتب الأصلي لتلكم الأسطر، حتى ولو اختتمها سارقها بـ "حقوق ملكية فكرية".

إذاً هذه الموضة أصبحت منتشرة في الساحة الثقافية العربية، وربما العالمية أيضا، أن يأتي الأديب المصطنع، والكاتب اللص، ليضع أسطرا تعب مؤلفها في نسجها من دون أي خوف من العقاب، لأنه وكما يقال: "من أمن العقوبة أساء الأدب"، فيسطرها في مؤلفه الجديد "المسروق"، فترى بعضهم ينسخ عبارات وفقرات كاملة من كتاب آخر، ليضعها في كتابه وكأنه كاتبها الحقيقي، أو يأتي ذلك الشاعر المصطنع، ليوهم المتلقي بأنه مختلق هذه الأبيات، ويضع لنا نصا مزخرفا يبهر النفوس، ولكن لا يكون سوى أبيات مسروقة من شاعر هنا، وشاعر هنا، أصاب في رصها رصا متينا مستوفيا لشروط الشعر، وخاب في سرقتها "ألا خاب من افترى".

بالتأكيد، هذه السرقات الأدبية، والاختلاسات الثقافية لا تجدي نفعا، فهي لا تصنع كاتبا مرموقا، ولا أديبا حاذقا، ولا شاعرا فذا، بل تصنع سارقا محترفا، وما هي إلا برهة محدودة من الزمن حتى ينكشف أمر هذا السارق الأدبي، فلا تكون له قيمة أو وزن أنذاك، حتى وإن أتى بنص من "قلمه" أو "بنات أفكاره"، فسرقته الأولى ستكون وصمة عار تلاحقه دائما وأبدا، وما أسوأها من وصمة عار.

2016/03/14

هطلت الأمطار وتجمع الماء .. فأين التصريف ؟
نشرت في جريدة الرؤية


أنعم الله – سبحانه وتعالى – علينا في الأيام الماضية، فهطل المطر غزيرا على معظم أرجاء السلطنة، كانت أمطار خير ونعمة عمت أنحاء البلاد، فارتفعت الأيدي شاكرة متضرعة إلى الله – سبحانه وتعالى – متنمية الخير والسلامة والأمن لهذا الوطن الغالي ولقائد هذه المسيرة المباركة وللشعب العماني. لقد شكلت تلكم الأيام بما فيها من أمطار تحديات واسعة لبعض القطاعات في السلطنة، وقد أدوا ما عليهم من واجب بكل اقتدار، فمثلا نجد أن شرطة عمان السلطانية وفرق الإنقاذ والطوارئ التابعة لها، عملت بجد واجتهاد من أجل حماية المواطنين والمقيمين من جراء نزول الأودية، وما تسببه من قطع الطرقات، وسقوط الصخور من أعالي الجبال، وقامت بعمليات إنقاذ كلما تلقت بلاغا حتى في مواقع الخطر. كما لا ننسى الأرصاد الجوية الذين عملوا أيضا بكل احترافية ومهنية عالية من أجل وضع النقاط على الحروف وإيصال الصورة كما هي بدون أي تشويش. وبالإضافة إلى هؤلاء لا ننسى جهود الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والإذاعات الخاصة الذين واكبوا الحدث لحظة بلحظة ووضعوا المواطن والمقيم في الصورة على مدار الساعة، وغيرهم من الجهات التي ساهمت بشكل وأخر في التعامل مع هذه الظروف.

ولكن يحق لنا كمواطنين وكمقيمين على هذه الأرض الطيبة، وبعد أن انتهت الحالة الجوية التي مررنا بها، أن نتسائل عن ما حدث في الطرقات والشوارع، والحواري والسكك، ألا وهي مسألة تجمع الماء فيها، لتتعطل حركة السير في بعض الطرقات، وتدخل المياه إلى البيوت في مناطق أخرى، وتنساب الأودية إلى بعض الأسواق التقليدية في بعض محافظات وولايات السلطنة، فتتعطل الحركة الشرائية فيها.

لقد رأينا جليا ما حدث في الأيام الماضية على شاشات التلفاز، ولم تخفِ الصور المتداولة في مواقع التواصل الإجتماعي هذا الأمر، بالإضافة إلى ما رأيناه وعايناه بأم العين. حيث تجمعت المياه في بعض الطرقات مما تسبب بإغلاقها تماما نتيجة جريان وادٍ هنا، أو تكون بِركة كبيرة من الماء هناك، أعاقت حركة السير، وبالتالي تسببت بازدحام شديد على في الطرقات، الأمر الذي أدى إلى تأخر الموظف عن الوصول إلى عمله، ولك أن تحسب العدد الهائل من الساعات الضائعة، وما تليها من نتائج على الاقتصاد وعلى مدخوليات وأرباح الشركات سواء كانت حكومية أو خاصة، خصوصا في ظل إنهيار أسعار النفط والأزمة الاقتصادية الراهنة التي تمر بها البلاد.

هذا ليس نهاية المطاف، فمن يحاول من السائقين عبور الوادي أو عبور بِركة الماء المتجمعة، فإما أن تتعطل سيارته، فيقف على جانب الطريق لا يلوي على شيء، منتظرا وصول المساعدة، أو يستطيع عبورهما – إن كانت سيارته من نوع الدفع الرباعي – ولكنه بالتأكيد سوف يتأخر عن عمله فترة طويلة من الزمن.

بالإضافة إلى ذلك، فإننا نرى بناء البيوت والبنايات السكنية على مجاري الأودية، ونتيجة لذلك تتجمع المياه في تلك المنطقة وتدخل البيوت المجاورة فتُشكل بركا داخل المباني وخارجها أيضا، فيتعطل سُكانها، ولا يستطيعون حتى الخروج من منازلهم للقيام بأعمالهم الضرورية، وقد تتعطل سياراتهم أيضا وتَعطب. وقد شاهدنا ذلك في الحارات في العاصمة مسقط، وما لم نشاهده في المحافظات الأخرى أشد وأقسى من ذلك.

هذه الملاحظات دائما ما نشاهدها ونعاينها عند هطول الأمطار على السلطنة، في مختلف محافظاتها وولاياتها، ولكن لماذا يحدث ذلك؟، لماذا لا نشاهد سوء التصريف هذا وتجمعات المياه أمام المنازل وفي الطرقات في دول أخرى؟. لقد عشت في جمهورية ألمانيا الإتحادية مدة من الزمن، هطلت خلالها الأمطار واستمرت لأيام طويلة، حتى تخيلت ومن معي بأننا سنظل حبيسي الدار إلى حين نهاية فترة الأمطار هذه بسبب تجمع المياه كما يحدث في السلطنة هنا، لكن ذلك لم يحدث أبداً، فالماء لا يتجمع، ولا تتشكل البرك والمستنقعات إلا في النادر، وفي الحقيقة لم أكن في عاصمة الجمهورية الألمانية، بل كنت في منطقة ريفية. لقد رأينا تصريفا رائعا لمياه الأمطار، ورأينا تصميما جميلا للشوارع فيها، فالتصميم والتصريف لا يتيحان للمياه فرصة للتجمع وتكوين البرك، فأولا تذهب المياه إلى جانبي الشارع، وهناك تنزل المياه في قنوات تصريف معدة لذلك.

حسنا، قد يقول قائل بأن المانيا دولة أوروبية متطورة، ومن الطبيعي أن نشاهد فيها هذ التطور، فلا يمكننا المقارنة بين ألمانيا والسلطنة. فماذا عن ماليزيا؟ ماليزيا دولة أسيوية، تهطل فيها الأمطار بشكل شبه دائم، وأكثر غزارة من الأمطار التي تهطل في السلطنة، ولكن لا تُشل حركة المرور بسبب مياه الأمطار، ولا   تتجمع المياه أمام البنايات والمباني السكنية أو التجارية، ولا تتعطل الأعمال أبدا. وقد كنت شاهدا على ذلك أيضا، فلا يوجد مجال لتجمع المياه في الشارع، وهذه من حسنات تصميم الشوارع في هذا البلد، بالإضافة إلى نظام التصريف.

لننتقل إلى دولة ثالثة، وهي جمهورية الهند، والتي يقطنها أكثر من مليار نسمة، وتُعد شوارعها الأقدم تصميما، وربما منذ زمن الاستعمار البريطاني. هل لكم أن تتخيلوا كمية الأمطار التي تهطل عليها على مدار السنة حيث أنها منطقة استوائية وذات مساحة شاسعة !. وهل لكم أن تتخيلوا أن أنظمة تصريف المياه تعمل فيها بشكل ممتاز بحيث لا تتجمع المياه في الطرقات لتشكل عائقا أمام حركة السير في البلاد أبدا !. حتى أخبرني أحد أساتذتي في الجامعة متعجبا: "دولة مثل السلطنة لا تمتلك نظام لتصريف مياه الأمطار، وتتجمع في طرقاتها وأمام المنازل مياه كثيرة تعيق الحركة، بينما لا يحدث هذا في الهند !!". وأترك للقارئ الكريم حرية المقارنة.

لم أقل هذا الكلام، ولم أجري هذه المقارنات إلا من باب حرصي على مصلحة هذا الوطن ومصلحة المواطن والمقيم على أراضيه. فالمظهر العام للطرقات والمنازل والأسواق مهم جدا، وكذلك لكي لا يتحول المطر نقمة علينا بدل أن يكون نعمة. وقد رأينا جهود القطاعات المسؤولة لإزالة المياه المتجمعة في الطرقات والشوارع بعد هطول المطر، وتنظيف المياه من الأتربة والحصي والأحجار وما خلفه الوادي عند مروره. ولكن ألم نتعلم بعد من المثل القائل: "الوقاية خير من العلاج" ؟. ألم نتعلم ونستفيد من التجارب الماضية ؟. وهل علينا في كل مرة يهطل فيها المطر على بلادنا الغالية أن نتأسف ونتحسر ونشاهد مياه الوادي تستبيح منازلنا، وأن نشاهد الشلل التام في حركة السير جراء نزول وادٍ هنا، أو تجمع كبير لمياه المطر هناك؟!!!

أتمنى من المسؤولين الكرام، وممن يريد الرقي بهذا الوطن العزيز الغالي، الذي لم يتوانى قط عن إعطاءنا خيراته الكثيرة، أن يهتموا قليلا بأمر تصريف المياه، وأن يستفيدوا من تجارب الدول الأخرى في أنظمة تصريف المياه بعد هطول الأمطار، فلا ندري متى يكون الموعد القادم لهطول أمطار الرحمة والخير على بلادنا العزيزة عُمان، خاصة وأن التغييرات المناخية التي يشهدها العالم تُبشر بهطول الأمطار على بلادنا العزيزة لفترات أكبر وبشكل متكرر أيضا.

2016/03/12

عمان وإيران .. خطوة نحو الازدهار - لم تُنشر

عمان وإيران .. خطوة نحو الازدهار

كتبت هذه المقالة قبل عامين لكن لم أرسلها للنشر .. أنشرها في المدونة بعد مرور فترة زمينة على كتابتها


ربما كانت علاقات سلطنة عمان بالجمهورية الإسلامية في إيران هي أبرز محاور النقاش في المجالس والمحاورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خصوصا بعد الزيارة الأخيرة لفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الشيخ حسن روحاني ولقاءه بصاحب الجلالة السلطان قابوس حفظه الله ورعاه وبعض المسؤولين في السلطنة. هذه الزيارة ربما تعد الحدث الأبرز في منطقة الخليج العربي وربما الشرق الأوسط في الربع الأول من العام الجاري.

هذه الزيارة على الرغم من قصر مدتها التي لم تتجاوز اليومين، تم التباحث فيها حول شتى المجالات والقضايا التي تحضى باهتمام مشترك يين البلدين كما وقعت بعض الاتفاقيات التي من شأنها أن تنهض بالبلدين الشقيقين من النواحي الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والثقافية بل حتى النواحي السياحية. زيارة رفيعة المستوى كهذه تدل على أن الحكومتين يريدان إقامة علاقات ثنائية تفيد البلدين معا، خصوصا بعد زيارة صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه لإيران في اواخر العام الماضي.

لست أدري لماذا يتوجس البعض خيفة من زيادة العلاقات بين مسقط وطهران، على الرغم من أن هذه العلاقات ليست وليدة اللحظة، بل هي علاقات وطيدة منذ بداية النهضة المباركة للسلطنة، بل ربما هي من قبل هذا التاريخ بكثير. ولقد أكدت سياسة صاحب الجلالة في التعامل مع المحيط الاقليمي كفاءتها من حيث فائدتها على الشعب العماني، كما أنها ساهمت كثيرا في حل بعض التوترات في المنطقة.                                     

ما يهمنا الآن هو كيف نستغل هذا التطور في العلاقات بين البلدين بأحسن استغلال، فإيران دولة لها ثقلها ووزنها في المنطقة، كما أنها تطورت كثيرا من الناحية التكنولوجية والعلمية والثقافية في الآونة الأخيرة تطورا شهد به العدو قبل الصديق. فعلى سبيل المثال، ما ينشر الآن من أن إيران تريد إرسال مفاعل نووي إلى جامعة السلطان قابوس لغرض التجربة والتعليم هو أمر جيد جدا، فلا بأس من أن نستفيد من تجارب الآخرين ونتعلم منها لغرض البحث العلمي ليس إلا، فتكون لنا خبرة في هذا المجال.

إقامة برنامج سنوي لتبادل الطلاب بين جامعات إيران وجامعة السلطان قابوس، سوف يساهم في تطوير المستوى العلمي للطلاب في البلدين. بالإضافة إلى برامج بعثات تعليمية لطلاب الدبلوم العام إلى الجمهورية الإسلامية في إيران في مختلف التخصصات. وزيارات تستهدف الكادر التعليمي إلى إيران.

انتقالا إلى الجانب السياحي، فإن التقارب يين ضفتي الخليج الفارسي - كما يسميه الإيرانيون - سوف يؤدي إلى تنشيط السياحة في البلدين معا، فإنه سوف يؤدي إلى جذب السياح، كما سيساهم في عملية الاستثمار السياحي خصوصا وان السلطنة وإيران لهما مقومات سياحية متنوعة من قبيل السياحة العلاجية والسياحة الدينية والتراثية وغيرها.

وأخيرا، فإن صح ما نشر عن مشروع لإنشاء جسر يربط بين البلدين عن طريق مضيق هرمز (رغم نفي الجانب العماني هذا الأمر)، فإنه سوف يساهم كثيرا في الجذب السياحي، وسوف يشجع رجال الاعمال من كلا البلدين للاستثمار في البلد الآخر مما سيساهم في عملية التنمية الاقتصادية للبلدين.


د. رضا بن عيسى اللواتي

مسقط – سلطنة عمان

2016/03/08

معرض الكتاب على أطراف معرض "البوبكورن"...!

معرض الكتاب على أطراف معرض "البوبكورن"...!




يُراودني هذا التعجب الذي طرحته في العنوان كلما زُرت معرض مسقط الدولي للكتاب، ولعلني أجد نفسي مضطرا لعدم البحث عن إجابة له في أغلب الأوقات؛ لأنه أمر لا يعنيني أبدا. فأنا أذهب إلى معرض الكتاب في كل مرة لشراء الكتب والتعرف على جديد الساحة الثقافية والأدبية، ولا أهتم للبوبكورن الذي يشتت انتباه الكثيرين من زوار المعرض. بالمناسبة، أثبتت بعض الدراسات أن للبوبكورن -أو الفشار باللغة العربية- فوائد عديدة.
أعودُ إلى الموضوع الأصلي للمقالة، وربما أبتعد قليلا عنه في فترات لاحقة، ولكن لا تؤاخذوني إن فعلت ذلك. إن الكثير من زوار معرض مسقط الدولي للكتاب لا يهتمون بالكتاب بل بأشياء أخرى تتواجد في المعرض، ولعلنا نجد ذلك في دول عربية أخرى، حيث قرأت مقالًا عن معرض القاهرة الدولي للكتاب، طالب صاحب المقال بإغلاق المعرض لسنوات عديدة بسبب عدم وجود الاهتمام الكافي بالثقافة والأدب. وطبعا هنا في السلطنة، نجد الجمهور مهتمًّا بالبوبكورن، فالبعض يطلبه مالحا والآخر يطلبه بالكاراميل، ولا أدري عن الأنواع الأخرى الموجودة في المعرض. يأتي هؤلاء بعزيمة لشراء البوبكورن من معرض الكتاب وكأنه معرض البوبكورن، ولا وجود للبوبكورن إلا في هذا المعرض والذي يُعقد مرة واحدة في كل عام.
الكتاب في الوطن العربي الكبير أصبح كالتمثال في المكتبات، لا يقتنيه إلا القلة القليلة منهم، وكأن فرعونًا يُذبح أبناء ويستحي نساء كل من يقتني كتابا!. هذا الكتاب كان رمزا لكل قوة في زمان ولَّى وذهب وراح. أما في يومنا هذا، فقد أصبح الكتاب رمزا لطبقة دون أخرى، ليس لعدم توافره -بل هو موجود- وليس لغلاء سعره -فهو رخيص- وإنما لأن الناس تتجه إلى البوبكورن أكثر من اتجاهها إلى الكتاب.
نعودُ إلى البوبكورن.. هذا الشيء الجميل المنظر، اللذيذ الطعم، الزكي الراحة، والذي يتقافز بخفة عند تحضيره -كان يستهويني هذا المنظر عندما كنت صغيرا- ذكرت الدراسات أنه مُلين للبطن، وفيه كمية كبيرة من الحديد، وأشياء أخرى. ولكن سؤالي هو، كيف عرف الناس الذين يتهافتون على أكله هذه الفوائد الجمة إن كانوا لا يقرؤون؟! وكيف علم بائعو البوبكورن هذه الفوائد إن كانوا مشغولين بترويجه وبيعه فقط؟! وبالتأكيد لا وقت لدى الجميع لقراءة كتاب أو تصفح جريدة حتى!
لا أحب الحديث عن إحصائيات القراءة في العالم العربي، فمن لا يهتم بالقراءة، لن يقرأ حتى كلمة واحدة من هذا المقال، وأصلا لن يهتم كثيرا للإحصائيات إن أوردتها، فهو لديه اهتمامات أخرى غير القراءة والتثقف وزيادة المعلومات، طبعا البعض منهم يقول إن لديهم مصادر تثقيف أخرى.. ما هي؟ أعتقد أنها وسائل التواصل الاجتماعي، ولأكون دقيقا "الواتس آب".
يبدو أنني ابتعدت عن الموضوع مرة أخرى، ولأعود إليه، معرض الكتاب الذي يُقام مرة كل سنة، فرصة مهمة للتثقف والقراءة وتطوير الذات أيضا، وهي فرصة أيضا للقاء الكُتاب والمفكرين في الملتقيات والندوات التي تُقام على هامش هذه المعرض، وليست مناسبة لشراء البوبكورن والحديث حوله وعن أنواعه وأشكاله وطريقة تحضيره.
أنا لا أقول، إنَّ المقاهي والمطاعم في فترة معرض الكتاب منطقة محظورة وخط أحمر ممنوع الاقتراب منه أبدا؛ لأن الكثير يحصلون على رزقهم من هذه المقاهي والأكشاك الصغيرة حول معرض الكتاب، ولكن هناك مُهمَّ وهناك أهم، وبطبيعة الحال الأهم يُقدم على المهم كما درسنا ذلك جميعا في المدارس الابتدائية. اقتناء الكُتب بأنواعها المختلفة تجارة لن تبور، فإن قرأت الكتاب طوَّرت قدراتك ومهارتك، وازدت علما على علمك فلا تفوت هذه الفرصة الذهبية، واجعل لنفسك وقفة صغيرة أمام أكشاك البوبكورن!

2016/03/02

أعط دما وأنقذ حياة

أعط دما وأنقذ حياة

نشر في مجلة شرق غرب في العدد التاسع - فبراير 2016



تتجدد بين الحين والآخر نداءات بنوك الدم في السلطنة باحثة عن قطرات من دم قد تساعد في إنقاذ حياة مصاب في حادث مروري أو مريض بالثلاسيميا، أو آخر أجريت له عملية جراحية استنزف أثناءها الكثير من دمه. ولتحقيق هذا الهدف النبيل، تقوم بنوك الدم في السلطنة بالعديد من الحملات في مختلف أنحاء البلاد تهدف إلى توعية المجتمع بأهمية وضرورة التبرع بالدم. وعلى الرغم من أن معظم هذه الحملات تلقى إقبالا ملحوظا وتجاوبا لا بأس به من المواطنين والمقيمين، ولكن يبدو أنها لا تحقق الهدف المنشود، إذ لا تزال هذه البنوك تعاني من نقص في مخزونها من كميات الدم، وبحاجة ماسة إلى المزيد من الدم لتلبية الإحتياجات المتزايدة لاسيما في الحالات الناتجة عن حوادث المركبات التي تتسبب في إصابة عدد كبير من الأشخاص.

ولاشك أن وزارة الصحة بالتعاون مع مستشفى جامعة السلطان قابوس وغيرها من المؤسسات الصحية التابعة لمختلف القطاعات في الدولة تبذل جهودا مشكورة من أجل ضمان توفير الكميات المطلوبة من الدم ووضع آليات سلسة للتبرع والفحص والتخزين والتوزيع من خلال إنشاء بنوك دم متعددة في جميع أنحاء السلطنة، حتى تسهل عملية إيصال الدم إلى المستشفيات في مختلف ولايات ومحافظات السلطنة. وقد خلصت دراسة نُشرت في العام 2010م في المجلة الأسيوية لعلوم نقل الدم، أن السلطنة كونت نظاما ممتازا يعد الأفضل في المنطقة من حيث نقل الدم الآمن بعد إجراء الفحوصات عليه والتأكد من خلوه من الأمراض المعدية، ومن ثم نقله إلى المريض، وكل ذلك عن طريق التبرع بالدم التطوعي من قبل المواطن أو المقيم. ولا يخفي أن بدايات عملية التبرع بالدم كانت تتم بمقابل مادي أو هدايا عينية لتشجيع المجتمع على التبرع بالدم.

قد يتساءل البعض، لماذا هذا التركيز المستمر على التبرع بالدم، ولماذا هذه الحملات الكثيرة والتطوعية من أجل حث الناس على التبرع بالدم، وما هي فوائد التبرع بالدم؟. وكذلك تساؤل عن أسباب محدودية الدم الموجود في بنوك الدم والنقص المستمر في الدم على الرغم من هذه الحملات؟. وفي هذه المقالة سوف أحاول الرد على بعض هذه الأسئلة، والحديث عن هذا الموضوع بإسهاب.

قبل الشروع في الحديث عن التبرع بالدم، لا بأس من أن نعرف ما هي مكونات الدم وسيكون ذلك مدخلا مهما لموضوع هذه المقالة. الدم عبارة عن سائل أصفر اللون يسمى البلازما (Plasma)، ويحتوي هذا السائل على بروتينات، هرمونات، أجسام مضادة، بالإضافة إلى كريات الدم الحمراء التي تحتوي على الأكسجين وكريات الدم البيضاء والصفائح الدموية. ومصدر كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية هو نخاع العظم.

بعد أن تعرفنا على مكونات الدم، نأتي للسؤال الأهم، وهو لماذا نتبرع بالدم؟. وللإجابة على هذا السؤال، استعنت بموقع منظمة الصحة العالمية (WHO)، فوجدت فيه جوابا أرى أنه هو الأنسب والأكثر دقة. تقسم منظمة الصحة العالمية المحتاجين إلى الدم إلى عدة أقسام، أولا: ضحايا الحوادث سواء أكانت حوادث السيارات أو ضحايا الحروب والدمار والكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى اللذين تجرى لهم عمليات جراحية يكون فيها نزيف الدم كثيرا، وكذلك النساء الحوامل اللواتي يواجهن مضاعفات خطيرة في حملهن، وتشترك هذه الشريحة من الحالات بوجود نزيف شديد للدم يستدعي تبرعا بالدم. ثانيا: مرضى الثلاسيميا وأنيميا الخلايا المنجلية وهم من أكثر المرضى المحتاجين إلى عمليات نقل الدم، بسبب حاجتهم المستمرة لها، بسبب الخلل الحاصل في جيناتهم الوراثية المسؤولة عن انتاج الهيموجلوبين. وكما هو معلوم فإنه لا يمكن تخزين الدم لفترات طويلة، فيلزم التبرع المستمر حتى تتم تغطية النقص الحاصل فيه.

ولا نغالي إذا قلنا أن كل قطرة دم قد تنقذ حياة إنسان، إلا أن المتبرع بالدم أيضا ينال ثواب كرمه في الدنيا قبل الآخرة. إن أول فائدة وأهم فائدة يجنيها المتبرع بالدم هو حصوله على فحص اكلينيكي مجاني، أي فحص الضغط ودقات القلب وغيرها، ثم يطمئن على أن نسبة الهيموجلوبين في دمه طبيعية من خلال فحص عينة من الدم المتبرع به، بالإضافة إلى فحص العينة للتأكد من خلوها من الأمراض المعدية. كما أن عملية التبرع بالدم تفيد في تنشيط الدورة الدموية حيث يقوم نخاع العظم بالعمل على إعادة ما فقده الإنسان بعد عملية التبرع بالدم. كما يتم إعادة التوازن إلى كمية الحديد الموجودة في الجسم بعد عملية التبرع، وهذا الأمر مفيد جدا لصحة الإنسان.
قد يتسائل البعض، متى يُعوض الدم المفقود؟، كما أسلفنا سابقا بأن الدم ينقسم إلى عدة أقسام، فالسائل البلازمي يتم تعويضه مباشرة خلال 12-72 ساعة، بينما يتم تعويض البروتينات الموجودة في الدم خلال 3-4 أيام، أما كريات الدم الحمراء فإنها تأخذ 120 يوما أي 4 شهور تقريبا لأجل تعويضها، ولذلك لا يُنصح بالتبرع بالدم إلا كل 4 شهور.

وفي السلطنة، تنظم الجهات المعنية سلسلة من الحملات التطوعية التي تقام بين فترة وأخرى من أجل نشر ثقافة التبرع بالدم. وما عنوان المقالة إلا شعارا لإحدى هذه الحملات التي قامت في هذا المجال والتي ساهمت بشكل أو بأخر بزيادة عدد المتبرعين بالدم ولو جزئيا. ووفق إحصائية نشرتها وزارة الصحة العمانية في كُتيب إحصائياتها السنوي لعام 2014م تفيد بأنه قد زاد عدد المتبرعين بالدم بين عامي 2012 و2014م، ولكن على الرغم من ذلك فإن العدد لا يزال قليلا إذا ما قورن بالوحدات التي يتم رفضها بسبب الأمراض المعدية أو بسبب نقص في الهيموجلوبين لدى المتبرع المفترض.

فالرقم ]57.750[ وهو عدد المتبرعين خلال الفترة المذكورة هو رقم متدني بالمقارنة بعدد سكان السلطنة والذي كان يقارب الـ 4 ملايين نسمة وفق إحصائية عام 2014م، والمأمول هو بذل المزيد من الجهد لزيادة عدد المتبرعين في كل عام، لنصل إلى النتيجة المرجوة والعدد الكافي من وحدات الدم القادرة على سد النقص الحاصل في مختلف محافظات السلطنة.

ومن أجل تحليل هذا الوضع، ومعرفة أسباب عزوف البعض عن تلبية هذا النداء الإنساني في السلطنة سواء المواطن أو المقيم، قمت بالبحث عن ما إذا ما كانت قد أجريت دراسات لتقييم الوضع، ولماذا لا يقوم الناس بالتبرع بالدم بشكل منتظم، إلا أنني وللأسف الشديد لم أجد إجابة شافية لتساؤلاتي. لكني وجدت دراسة أجريت في المملكة العربية السعودية، والتي من الممكن أن تقدم بعض الإجابات على هذا السؤال.

ذكرت هذه الدراسة السعودية والتي أجريت تحت عنوان "وعي مجتمع المناطق الوسطى من السعودية بالتبرع بالدم" والتي نُشرت في المجلة الدولية للطب الباطني في عام 2014م، حيث أجريت فيها مقابلات مع قرابة 470 شخصا من كلا الجنسين. وحسب الدراسة فإن حوالي 50% من هؤلاء قد سبق لهم التبرع بالدم، بينما أجاب الباقي بأنهم لم يتبرعوا، وذلك أما بسبب ضيق الوقت أو بسبب الخوف من مضاعفات التبرع بالدم. وأرجعت الدراسة التعذر بسبب ضيق الوقت والذي كان رد غالبية الذكور الذين شملتهم الدراسة، أرجعته إلى طبيعة المجتمع السعودي واستحواذ الوظيفة والعائلة على معظم وقت الرجل، مما لا يترك المجال للذهاب إلى مراكز التبرع. أما بالنسبة للإناث فقد ذكرت الدراسة سببين أساسيين لعزوفهن عن التبرع بالدم، الأول هو عدم قدرتهن على قيادة السيارات لمسافة طويلة وذلك بسبب القوانين المعمول بها في المملكة، والسبب الثاني هو خوفهن من إصابتهم بنقص في الدم.

وإذا إستحضرنا الأسباب المذكورة، وحاولنا إسقاطها على الحالة في السلطنة، نجد بأن معظمها ينطبق عليها أيضا، عدا عدم القدرة على قيادة السيارة بالنسبة إلى النساء. فالخوف من عملية التبرع بالدم نفسه أو الخوف من الآثار الجانبية للتبرع يبدو لي من خلال طبيعة عملي واحتكاكي بالمرضى وأهاليهم ومعارفهم أنه أحد الأسباب الرئيسية لعزوف الناس عن التبرع بالدم في عمان. كذلك فإن التعذر بضيق الوقت بالنسبة للرجال بالفعل يشكل عائقا أمام سلاسة حركة التبرع بالدم في السلطنة. ويمكن أن نضيف إلى تلكم الأسباب سببا آخر ألا وهو إنتشار أمراض الدم الوراثية ومرض ضغط الدم والسكري عند الكثير من المواطنين والمقيمين والتي لا تسمح لهم بالتبرع بالدم.

وأستخلصت الدراسة المذكورة أعلاه إلى وجوب العمل على إقامة ندوات تعريفية وحملات دعائية حول التبرع بالدم، لجذب أكبر عدد من المتبرعين بالدم وسد النقص الحاصل. وهذا الأمر الذي نشاهده في سلطنة عمان كثيرا، من خلال الحملات التوعوية التي تنظمها الجهات المعنية في مختلف محافظات وولايات السلطنة بهدف إجتذاب أكبر عدد من المتبرعين  ومن ثم الحصول على أكبر كمية ممكنة من الدم. كذلك فإن وحدات التبرع بالدم المتنقلة التي تزور المتبرع في مكان عمله لم تدع لعامل ضيق الوقت مبررا مقبولا لتلبية هذا النداء النبيل.

من هذا المنبر، أوجه دعوة عامة لجميع أبناء الوطن والمقيمين على أراضيه بضرورة التبرع بالدم بين فترة وأخرى، حتى نكون عونا للمرضى والمحتاجين لنقل الدم في كل وقت وآن. كما أتمنى من المختصين إجراء بعض الدراسات لاستكشاف المزيد من أسباب ضعف الإقبال على التبرع بالدم في السلطنة، حتى تقدم على أساس نتائجها الحلول والمقترحات المناسبة لضمان إستمرارية الحياة للمحتاجين لهذا السائل الثمين.

2016/02/02

حتى لا يودع الفائض في جيب فئة من المجتمع ويغطى العجز من جيب فئة أخرى! هل للإعلام دور؟

حتى لا يودع الفائض في جيب فئة من المجتمع ويغطى العجز من جيب فئة أخرى! هل للإعلام دور؟
أسعار النفط تتهاوى، تتدحرج للبعض ككرة النار تأكل في طريقها الأخضر واليابس وللبعض الآخرككرة الثلج تحول أراضيهم القاحلة إلى بساتين. هكذا تبدو الصورة من حولنا، ففي حين تسجل بعض الدول عجوزات ضخمة في موازناتها جراء إنخفاض أسعار النفط، تحتفل أخرى بتسجيل فيوضات مالية أهدتها لهم نتائج حرب البسوس، وللأسف بين مكونات يفترض أنها تنتمي الى دين واحد، فتشتري هذه الدول النفط بأقل من سعر التكلفة. هكذا أردناها حربا شعواء بين العرب والفرس وبين النواصب والروافض بين مسلمي المسلمين وكفار المسلمين، فاكتوينا بنار هذه الحرب قبل أن يكتوي بها من قصدناهم.
أسواق المال الخليجية يكاد لا يُرى على شاشاتها سوى اللون الأحمر، والمواطنون فيها يضعون أيديهم على جيوبهم الخاوية أصلا خوفا من تسلل قرارات حكوماتهم إليها كعادتها في مثل هذه الحالات. وبالفعل لم يطل انتظارهم فهاهي حالة الطورئ تُعلن، والدعوة إلى ربط الحجارة على البطون تشتد، وتتحسس الجهات المعنية أزرار حواسيبها الآلية لتستنسخ قرارات اتخذتها في حالات مماثلة سابقة وتلصقها على صفحات جديدة (قص ولصق) وتعممها على المواطن الذي ليس عليه سوى التنفيذ. وللأسف فإن الدول التي تعلمنا منذ نعومة أظفارنا أن نحفظ قرشنا الأبيض ليومنا الأسود لا تعمل بهذه الحكمة السديدة. وما القرارات التقشفية الأخيرة التي صدرت من الجهات المنوط بها تحقيق التنمية المستدامة والرفاهية للمواطن في هذه الدول سوى حلقة في هذه السلسلة من المسرحيات الموسمية وعلى حساب هذا المواطن.
فوزارة المالية كعادتها قصت تلك القرارات من الملف المحفوظ في ذاكرة حواسيبها الآلية والعائدة إلى أول حالة ركود شهدتها السلطنة خلال هذا العهد الميمون وألصقتها في منشور مالي جديد وعممتها على الجهات الحكومية وطالبتها بتطبيقها بغرض تخفيض الإنفاق العام وبالتالي المساهمة في تخفيض العجز الكبير المتوقع تحقيقه هذا العام أو ربما الأعوام القادمة جراء الإنخفاض في العوائد النفطية.
وإذا إستعرضنا بعض الإجراءات التي شملها المنشور، فإننا لا نفشي سرا إذا قلنا أن السيارات الحكومية التي دعا المنشور إلى ضبط إستخدامها مستباحة وبلا حدود جهارا نهارا، والمباني المؤجرة للجهات الحكومية التي طالب المنشور التفاوض بشأن تخفيض إيجاراتها معروف من المستفيد منها فإيجاراتها خيالية وعقودها صالحة لمدى الحياة، بل أن كثيرا منها لا حاجة إليها وإنما أريد لها أن تكون خدمة إنسانية لبعض المحتاجين. أما المهمات الرسمية والتدريبات الخارجية التي دعا المنشور إلى ترشيدها فقد أضحت مصدرا لثلاثة أرباع أرباح شركات الطيران والفنادق العالمية نظرا لكثرتها وكثرة الأعضاء المشاركين فيها وطول فتراتها، والأمر من ذلك عدم وجود ضرورة للكثير منها، فهي في أغلب الأحيان إجازات مدفوعة الأجر.
أما ظاهرة عقد واستضافة المؤتمرات والندوات والإجتماعات التي دعت المالية إلى الحد منها فحدث عنها ولا حرج. ويبدو أننا في سباق منقطع النظيرلتسجيل إسم السلطنة في موسوعة “جينيس” في هذا النشاط. إذ لا يخلو يوم إلا ويشهد إفتتاح معرض أو ندوة أو مؤتمر أو ورشة عمل أو مهرجان أو سباق أو غيره، والحساب يوم القيامة.
الله سبحانه وتعالى وحده العالم بحجم المبالغ التي تصرف على شراء شهادات الإطراء وتقدير الإنجازات وجوائز الإبداع سواء على صعيد القطاع العام أو الخاص، فحكومتنا الألكترونية أحسن الحكومات، وخدمات بنوكنا أحسن الخدمات وإستثماراتنا أفضل الإستثمارات، وتخطيط مدننا أجمل تخطيط وخططنا التنموية تضع اللبنات الأخيرة لدولتنا الفاضلة. فإذا كانت مثل هذه الإشادات وشهادات الأحسن والأكثر والأفضل والأعلى والأجود وغيرها نستحقها بجدارة ما كنا لننهار أمام أبسط إختبار.
وللأسف فإن نظرة سريعة على الإجراءات التي عممتها وزارة المالية على الوحدات الحكومية تدين إدانة صريحة جميع المسؤولين والمؤتمنين على مقدرات البلاد وتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء المسؤولون، عن قصد أو دون قصد، لا يريدون أن يتعلموا من التجارب الناجحة أو الفاشلة، وأن خططنا التنموية لم تصل إلى ذلك المستوى الذي تستحق عليه كل تلك الإشادات وذلك المديح.
فالواضح أن النفقات التي أوصت وزارة المالية بخفضها أو وقفها تبدو أولا أنها تصرف في أمور لا أهمية لها أو لمستفيدين لا يستحقونها. وثانيا تبعاتها المالية عالية ولها أثر ملموس على موازنة الدولة وإلا لما لجأت الوزارة للدعوة إلى خفضها أو وقفها. فالملاحظ مما سبق أن المالية على علم بهذه التجاوزات ولا شك أن رؤساء وحدات الجهاز الإداري الذين يعتمدون صرفها أيضا على علم بها، ولا بد أن تكون أجهزة الرقابة المختلفة على علم بذلك وإلا لن تكون أجهزة رقابة بل مشاهدة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، أنه إذا كانت تلك النفقات تصرف دون وجه حق ويمكن الحد منها أو حتى وقفها، ليس هذا فحسب بل أن لاستمراية التمادي فيها أثر سلبي ملموس على الموازنة العامة للدولة حسب ما يتضح من صيغة منشور الوزارة، فلماذا تسمح وزارة المالية باستمرار هذا النزيف المالي في جسد الهيكل المالي للدولة ولا تشعر به إلا عندما تصاب مالية الدولة بفقر الدم وتحتاج إلى نقل دم إليها. وللأسف فإن هذه الإجراءات الإدارية والمالية لا تستطيع تعويض كمية الدم المفقود جراء هذا النزيف المالي المستمر لسنوات.
من هنا يبدأ البحث عن كبش فداء لحل هذه المعضلة، ومن غير المواطن المسكين يصلح لهذا الدور. هذا المواطن المغلوب على أمره الذي هو بنفسه بحاجة إلى نقل دم إلى جيبه النازف جراء نقص في الموارد وضغط الأعباء المادية للحياة وارتفاع الأسعارالناتج عن تلاطم أمواج الإحتكار لأغلب السلع. ليس هذا فحسب بل أن جيبه معرض لمزيد من النزيف في ضوء مزيد من الإجراءات التأديبية التي نفذت والتي يخطط لتنفيذها ضده.
فها هي أسعار الوقود ترتفع بنسبة 30% دفعة واحدة وضريبة الدخل ترتفع بنسبة 25%. والحديث في المجالس الخاصة ووسائل التواصل الإجتماعي حول إجراءات أخرى قادمة لا يتوقف. فالقائمة التي يتم تداولها تشمل تراخيص جلب العمالة الوافدة والإيجارات والكهرباء والماء والصرف الصحي. والخوف كل الخوف أن تشمل هذه الإجراءات العلاج والتعليم. ويبدو أن الطبخة هذه المرة مبهرة تماما، والمصيبة أن مصدر جميع هذه العوائد كما نرى في نهاية المطاف هو جيب المواطن البسيط. فأدبيات الرأسمالية تحرم على من ينضوي تحت لوائها إرهاق جيبه وخزينته بالضرائب والرسوم وبالتالي عادة ما يتم تعويضها من خلال التلاعب في السعر أو الكمية أو الجودة. ومفرط في التفاؤل كل من يدعي أن حماية المستهلك، على الرغم مما تقوم به من جهد محمود تشكر عليه، باستطاعتها لجم جميع ألاعيب وحيل التجارة. فكل ما يوفره المواطن خلال عام نتيجة سيطرة حماية المستهلك مشكورة على الأسعار وضمان جودة السلع والخدمات، يصرفه رغما عنه عند دفع فاتورة إصلاح سيارته التي لا يعلم إلا الله سبحانه وتعالى حقيقة ما يتم إصلاحه فيها إن لم يكن إفساده، أو عندما يجبر على سداد فاتورة الكهرباء والماء بموجب قراءات الإستهلاك من وحي خيال مزودي هاتين الخدمتين.
وهكذا في كل مرة، نجد عوام الناس هم وللأسف الشديد أول من يكتوون بنار الأزمات وفي أغلب الأحيان يصبحون مكبا لاستيعاب كافة الآثار السلبية لتلك الأزمات على الرغم من أنه لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فالمواطن في أغلب دول منطقتنا لا يشارك في رسم السياسات ولا صوت له في إتخاذ القرارات. ولا نصيب له في كعكة حفل الزواج وإنما يطلب منه لبس السواد في ما إذا إنتهى الحمل بمولود نافق يستوجب الحداد.
فكم من سياسات عقيمة تم تبنيها وكم من قرارات عوجاء تم اتخاذها سواء عن قصد أو غير قصد ولم يعلم بها المواطن إلا بعد ما فاحت رائحة العفن من مخلفات هذه المشاريع والقرارات الفاسدة في ظل سياسة التعتيم والإعلام المجامل الذي لم يلعب طوال العقود الماضية إلا دور التطبيل ولم يكن يتحدث سوى عن الجزء المنير من المسيرة الوطنية والذي لا شك أنه الأكبر. أما الجزء القاتم فقد أراده البعض لغاية في نفس يعقوب، أن يكون خطا أحمر لم يكن مسموحا لأحد التعرض له، وبالتالي أحيط بصمت تام من قبل وسائل الإعلام المختلفة وحملة أقلامها ومحرري أعمدتها الذين آثروا أن يغنوا ويطبلوا للجزء المنير من القمر، أما الجزء المظلم فلم تكن له من بواكي. فكانت مواضيع الأخبار في وسائل إعلامنا لعدة عقود لا تبدأ إلا بإحدى هذه الكلمات: غادر وعاد واستقبل وودع وافتتح ورعى.
وفي الحقيقة يتحمل الإعلام العماني بكافة أنواعه جزءا لا يستهان به من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع. لقد عودنا هذا الإعلام طوال السنين الماضية وللأسف أن نقول للصحيح صح وللخطا أيضا صح حتى كدنا نحذف كلمة الخطأ من مفرداتنا لندرة إستخدامنا لها فكانت نتيجتها أن وقعنا في زلات وانزلاقات وإخفاقات لولاها لكنا متقدمين عقودا عما نحن عليه الآن، ولكنا نملك آليات تحمينا في أوقات الشدة من الوقوع في شباك قرارات أحلاها مر.
عقود ونحن نتحدث عن تنويع مصادر الدخل فإذا بنا نكاد نفقد مصدره الرئيسي. سنون طوال ونحن نبحث عبثا في نفق مظلم عن آلية ندعم بها مؤسساتنا الصغيرة والمتوسطة، عشرات الندوات والمؤتمرات نظمت وفي النهاية تركنا أمرها في أيدي حيتان تتولى رعايتها ولن تلبث أن تبتلعها بمجرد أن ترى هذه المؤسسات النور.
ملايين تصرف على المعارض التي تنظم في كافة أرجاء العالم لتسويق السياحة في البلاد، إلا أننا لا نرى حتى الآن سوى بضعة آلاف من السواح المتقاعدين يتوقفون في مسقط أو صلالة في طريقهم إلى الشرق. سكناهم على البواخر التي تأتي بهم وطعامهم سندويتشات الشاورما على مطاعم الشارع البحري في مطرح الذي لم يتم توفير أدنى الخدمات التي يحتاجها السائح كدورات المياه على أقل تقدير. أما مشترياتهم فتقتصر على كمة خياطة بنغالية وعصا ولبان خمسون غرام لا تتجاوز قيمتها جميعا عشرة ريالات عمانية. هذه هي السياحة التي ننظر إليها لتكون ندا لدخل البلاد من النفط ويطبل لها إعلامنا ليل نهار. وبالطبع فإن ترتيب هذه الرحلات تتولاها شركات سياحية معروفة.
بعد كل هذا، هل نحن بحاجة لأن نذكر بما سببته سياسة التطبيل والمجاملات والتعتيم وغياب الشفافية والنفاق الإعلامي من مآسي إقتصادية وسياسية واجتماعية. هل نحن بحاجة لأن نذكركيف أن غازنا تدار به مصانع شعوب أخرى فيما نحن لا نملك سوى أن نشم رائحة هذا الغاز فحسب لأنه بفضل عبقرية إقتصاديينا بيع هذا الغاز ولعقود قادمة في سوق الحراج العالمي بثمن بخس سنتات معدودات لا بل في بعض الأحيان بسنتات أو حتى دولارات سالبة لأننا وبموجب بنود العقود التي أبرمناها مع مستوردي غازنا ملزمون بضمان استمرارية توفير الغاز لهم حتى في حالات الصيانة أو العطل، ملزمون بشرائه من السوق وإن كان بسعرأعلى من سعر البيع المتفق عليه.
أوليس تحت جنح ظلام التعتيم الإعلامي أو الإعلام المحابي قدمت آلاف الأمتار من أراضينا زكاة للمحتاجين من أصحاب رؤوس الأموال المساكين تحت بند “تشجيع الإستثمار”، فسمعنا من تلك الإستثمارات جعجعة ولم نرى طحينا حتى الآن. ليس هذا فحسب فالأراضي التي كان المأمول من منحها مجانا أن تساهم في تنمية النشاط الإستثماري، ساهمت في إنتاج طبقة من إقطاعي الأرض تحكمت في حركة تداول الأراضي وفي أسعارها وفي الإيجارت التي إرتفعت إرتفاعا صاروخيا دون مبرر. علما أن الأراضي التي تم تمليكها مجانا لغرض الإستثمار، لو بيعت من قبل الدولة بنصف سعر السوق للمستحقين الفعليين والجادين في مختلف المراحل التي مررنا بها لكانت كفيلة بتغطية جزء من العجز في الموازنة العامة لسنوات عدة قادمة.
ألم تكن من مسؤولية الإعلام كشف الغطاء عن ظاهرة إزدهرت حتى باتت تبث سمومها وللأسف في أغلب مؤسسات القطاع العام. فنجد مسؤولين كبار يتقاضون مخصصات عالية، ويتم ندبهم للإشراف على وظائف عدة أخرى في نفس المؤسسات ويتقاضون نسبا معينة إضافية من رواتبهم تتجاوز أحيانا نصف الراتب عن كل تكليف، تصرف لهم كبدل إدارة تلك الوظائف. وفي معظم هذه الحالات تنجز جميع هذه المهام المكلف بها في نفس أوقات العمل الرسمية بل وتكون على حساب جودة الأداء في الوظيفة الأساسية. مسرحية مكشوفة لمساعدة البعض على تحسين دخلهم على حساب الآخرين. وإلا أليس من الأولى دمج بعض المديريات والأقسام وبالتالي دمج بعض الوظائف إذا كانت طبيعة عملها متقاربة، أو توفير فرصة لكفاءات أخرى في نفس المؤسسة لتولي هذه المهام إذا كانت طبيعة العمل تستدعي التفرغ وفي هذه الحالة نساهم في توفير فرص عمل جديدة بدلا من تربية قطط سمان في المؤسسة وعلى حساب جودة الإنتاج.
ظل إعلامنا طوال العقود الماضية يضع عصابة سوداء على عينيه حتى لا يشاهد مصالح الوطن والمواطن تنحر على مقصلة تضارب المصالح التي لم ينظر إليها يوما ما كخط أحمر بين المصلحة الشخصية ومصلحة الوطن والمواطن، فكانت القسمة لخيرات الوطن على أساس مبدأ تلاقي المصالح. فتوزعت المناقصات الحكومية بالتناوب والتفاهم على عدد محدود ومعروف من المؤسسات الخاصة في ظل إنعدام المنافسة سعرا وجودة دون مراعاة لمصلحة الوطن. وكان من فضل الشيطان على بعض الأنام في ظل هذه السياسة أن أغناهم بالحرام عن الحلال.
إنشغل إعلامنا بتغطية أخبار مغادرة المسؤولين وعودتهم واستقبالاتهم ورعايتهم لمناسبات لا علاقة لأغلبها بالمصلحة العامة، انشغل بتلك الأخبار وغض طرفه عن أصحاب رؤوس (المناصب) الذين وجدوا في بعض الثغرات في القوانين هنا وهناك بقرة حلوبا درت عليهم عمولات ورشاوى ومكافآت وبدل مهمات – بمناسبة أو غير مناسبة وبوفود تضم سلسلة أسماء لها أول وليس لها آخر ولفترات تتجاوز مدة المؤتمرات والفعاليات المشارك فيها مرات عديدة في أغلب الأحيان بحجة الإعداد والتجهيز- على الرغم من أن الجهات المضيفة توفر للمشاركين خدمات سبعة نجوم تستحق أن تفرد لها صفحات في قصص ليالي ألف ليلة وليلة.
لم يكن يوما من أولويات إعلامنا وهو يطبل ليل نهار لخطط التنتمية الخمسية والعشرية والخمسينية مؤخرا، تسليط الضوء على موقع مستقبل الأجيال القادمة في هذه الخطط والتي للأسف لم تعترف بالأجيال حتى تهتم بمستقبلهم. والدليل على ذلك أنه بمجرد حدوث خضة سياسية بسيطة أو أزمة إقتصادية طارئة ومؤقتة حولنا، نجد العشرات إن لم يكونوا المئات من شبابنا من ذوي الكفاءات والخبرات يرمى بهم في أزقة البطالة وتدرج أسماؤهم مجددا في قوائم الباحثين عن عمل بعد أن قضوا عز شبابهم بعيدا عن أهاليهم وفلذات أكبادهم في الصحارى القاحلة وساهموا في اكتشاف وتطوير مناجم الذهب الأسود التي أتخمت عائداتها في زمن العز حسابات شركات النفط العالمية ووكلائها المحليين، الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التفكير في مستقبل تلك الأيدي الكادحة والعمل على إنشاء صندوق يودع فيه جزء بسيط من فائض ما كانوا يلتهمونه من خيرات هذا البلد في زمن العز ليستفاد منه وقت الأزمات كالتي نمر بها حاليا ولما كنا اضطررنا إلى إنهاء خدمات أبنائنا.
لم يجد الإعلام في الحديث عن الأحوال المزرية للمحاربين القدامى وأعني بهم المتقاعدين الذين أفنى معظمهم حياتهم في خدمة هذا الوطن مادة تمنحم سبقا صحفيا. وبالتالي لم تعبأ بهم (وهؤلاء شريحة من المجتمع لا يستهان بها) وهم يركلون من المؤسسسات التي يعملون فيها ككرة أفرغت من الهواء داخلها ولم تعد صالحة للعب بها بحيث يبحث هذا المتقاعد في نهاية خدمته عن آلة حاسبة تساعده على جمع وطرح وقسمة ما سوف يصرف له من راتب التقاعد الذي قد لا يتجاوز الراتب الأساسي الذي أستلمه أول ما إلتحق بالعمل قبل ثلاثين أو أربعين عاما، عله يتمكن بهذا الراتب من الوفاء ببعض من إلتزاماته تجاه أسرته و حفظ ماء وجهه أمامهم. فبموجب الأرقام الرسمية التي أفصح عنها مؤخرا صندوق تقاعد موظفي الخدمة المدنية فإن متوسط ما يتقاضاه شهريا كل متقاعد مسجل لديه مبلغا وقدره 364 ريالا عمانيا، وهو مبلغ بالكاد يغطي إيجار شقة. أما المتقاعدون المسجلون في سجلات الهيئة العامة للتأمينات الإجتماعية (القطاع الخاص) فوضعهم أسوأ بكثير وكأن من وضع معادلة إحتساب حقوقهم أرادها لأن يكون تفسير هذه المعادلة مشروعا صالحا لرسالة دكتوراه.
والحقيقة أن المتقاعدون الذين يفترض أنهم مساهمون في رأسمال هذه الصناديق لا يعرفون لمصير مساهماتهم رأسا ولا حتى أقداما. حيث أنه في ظل غياب الشفافية وعدم إكتراث الإعلام بأخبار هذه الصناديق، لا يعلم هؤلاء المساهمون المفترضون أين تذهب أموالهم التي أقتطعت من رواتبهم شهرياً منذ أول راتبٍ تقاضوه، وإلى مدى زمني قد يصل إلى أربعين عاماً. أليس من حق هؤلاء أن يتساءلوا لماذا لا يتم الإفصاح عن حسابات واستثمارات صناديق التقاعد بمختلف أنواعها أسوة بالشركات التجارية. بل ألا يحق لهم المطالبة بنصيبهم من أرباح المشاريع التي تستثمر فيها هذه الأموال أسوة بصناديق التقاعد في العالم. علما بأن رواتب المتقاعدين نادرا ما تشهد أية زيادة منذ استحقاقها وحتى وفاة المتقاعد على الرغم مما يشهده الإقتصاد العالمي من نسب عالية من التضخم. وكان تصرف أعلامنا: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم.
ألم يكن من حق المواطن على الإعلام إنتشال دوائه وعلاجه من براثن المحتكرين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وكأن الجهة المعنية بإعلانها مؤخرا عن تخفيض سعر أغلب الأدوية بنسب وصلت إلى أكثر من 50% قد أماطت اللثام عن سر خطير وكشفت بموجبه أن المواطن طوال العقود الماضية كان يدفع ثمن الدواء أضعاف ما كان يدفعه رعايا الدول المجاورة. والله وحده يعلم هامش الربح المتبقي بعد التخفيض، بالمناسبة فقد تأجل تنفيذ الجزء الثاني منه، إذا علمنا أن بعض الأدوية أسعارها أضعاف أمثالها في الدول المجاورة أو المصدرة.
كانت وسائل الإعلام بكافة أنواعها تغط في سبات عميق وفي بيات شتوي وصيفي. وكانت تصحو من حين إلى آخر تستقبل مسؤولا وتودع آخر، تحضر رعاية مسؤول لحفل ما هنا، أوافتتاح معرض هناك، وهكذا.
وللأسف الشديد فإن إنعدام المتابعة والرقابة والشفافية جعلت مسؤولينا لا يتعلمون من الأزمات الإقتصادية التي عاصرناها أو من تلك التي وجدنا تفاصيلها في كتب التاريخ. فنرى خطط التنمية الخمسية والعشرينية والخمسينية على الرغم من كل ما يصرف عليها من مال ووقت وجهد، تنهزم وتقف حائرة أمام أول إختبار يواجهها، ونرى المسؤولين يتخبطون في تصريحاتهم فتختلط عليهم الأرقام ويبحثون عن حلول سريعة يحرصون أن لا تكون على حسابهم. نعم فارتفاع سعر البنزين وقطع غيار السيارات لا يعنيهم لأن سياراتهم لا تمر على محطات البنزين أو ورشات الصيانة إلا وأمر الشراء الرسمي موجود فيها. ورفع رسوم المأذونية والإقامة لا يهمهم لأنه مسبوق الدفع من قبل جهات عملهم. إرتفاع الأسعار لن يقض مضاجعهم فهي تتكيف مع علاوة غلاء المعيشة التي تصرف لهم. أما إرتفاع سعر إستهلاك الكهرباء والماء فعداداتها موصولة مباشرة مع خزينة مواقع عملهم لأن طبيعة عملهم تتطلب ان تكون الإضاءة والتكييف شغالا على مدار الساعة. أما في الجهة الأخرى فالمواطن المغلوب على أمره مشكوك في وطنيته فيما لو رفع حاجبه قليلا معبرا عن إستيائه من تلك القرارات التي قد تأتي على ما تبقى في جيبه الفارغ اصلا.
أليس من حقنا أن نتساءل لماذا أثناء الطفرة الإقتصادية التي شهدتها المنطقة بما فيها السلطنة لم تتم إضافة بعض العسل على خبز المواطن مما أنعم به الله على البلاد كزيادة في الراتب أو العلاوات، في حين يطالب المواطن عند الشدائد بتحمل ما يترتب على هذه الأزمات من تبعات، لا بل تتجرأ بعض الأقلام وتحمله مسؤولية ما يحدث وكأن هذا المواطن المسكين كان جزءا من منظومة إتخاذ القرارات في البلاد وليس متلقيا لهذه القرارات الفردية في أغلب الأحيان وواجبة التنفيذ دون نقاش.
لقد آن الأوان لأن نقول للصواب صوابا وللخطأ خطأ مع مراعاة تامة لأدب الحوار والنقد البناء واحترام حق الآخر وحريته، إلا إذا كان للخطأ معنى آخر نجهله فنرجوا من فطاحل اللغة أن يتحفونا به علنا نستفيد منهم ويكسبون الأجر فينا. أما إذا كان القصد هوالمزايدة في الوطنية على الآخرين وتخوينهم، فعندها يجب رفع البطاقة الحمراء في وجه كل من يسمح لنفسه بذلك.
فالمنطق يقول إن الخطأ خطأ والصواب صواب ولا يمكن أن يكون الخطأ صوابا هذا ما تعلمناه منذ نعومة أظفارنا وبهذا المنطق تستقيم الأمور وتتقدم الدول. ولا يملك أحد الحق لأن يسلبنا حرية التعبير لأننا وباختصار لن نرضى لأنفسنا لأن نكون دوابا بكماء تقاد إلى المسلخ. ويجب أن لا تكون هناك خطوط حمراء لممارسة حق النقد البناء – وأؤكد النقد البناء – سوى مصلحة الوطن في المحطة الأولى ثم شخص قائد هذا الوطن حفظه الله وأمد في عمره أعواما وأخيرا حرية الآخرين.
إن الإنجازات التي تحققت خلال هذا العهد الزاهر لا شك أنها مصدر فخر لكل مواطن. وهي تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى شهادة أو إشادة أو إطراء من أحد. ولأن سلسلة هذه الإنجازات لا بد أن تستمر، فلا بد من إلقاء الضوء على الجانب المظلم من مسيرتنا ومراجعة ما تحقق بهدف معرفة ما قد يكون شابها من سلبيات لتفادي الوقوع فيها مجددا ونحن نخطط للمزيد من الإنجازات. وهنا يصبح من الضروري أن يسمح للمواطن الإدلاء بدلوه من خلال إستشارة أو نصيحة أو نقد هادف في جميع ما تحقق وكل ما يتم التخطيط والإعداد له للمستقبل من خلال القنوات الشرعية المتمثلة في ممثليه في مجلس الشورى أو وسائل الإعلام المحلية أو وسائل التواصل الإجتماعي.
ولكن للأسف الشديد تبرز بين حين وآخر أقلام وأصوات تصر على مصادرة أفكار الآخرين وآرائهم وأصواتهم وتعيش عصر الأخبار والتقارير المعلبة وتنظر إلى القرارات بعيون من يتخذها فتقع في هاوية المجاملات التي تصل أحيانا إلى درجة النفاق. ويا لها من آفة عانينا من آثارها المدمرة فترة طويلة من الزمن كلفتنا أثمانا باهضة أبطأت بعض مشاريعنا وفرملت أخرى بل وأجهضت عددا منها.
على كل حال، لقد إحتفلنا جميعا قبل أسابيع بعيدنا الوطني المجيد، وزراء ووكلاء ومدراء عموم ورؤساء مجالس الإدارة في الشركات ورؤساء تنفيذيون وموظفين. ولا شك أنها مناسبة جليلة تستحق منا هذا الإحتفاء لأن أقل ما يمكنني أن أقول عنها وأنا قد عشت فترة من عمري في عهد ما قبل النهضة المباركة، أنها أخرجتنا من ظلمات التخلف إلى نور التطور والرقي. جميعنا تباهينا بإخلاصنا للوطن واستعدادنا للتضحية من أجله. وبما أن بلادنا الحبيبة مقبلة في القادم من الأيام على أيام أو لا سمح الله سنوات عجاف على إثر انهيار أسعار النفط، فإنني أتمنى ترجمة الشعارات التي رفعناها إلى فعل.
وكما هو واضح وجلي مما سبق فإن أغلب القرارات التي تم تبنيها لمواجهة تبعات الأزمة المالية تتسلل خلسة إلى جيب المواطن متتعدد الثقوب. والمواطن العماني معروف بطبعه بحبه لوطنه وطاعته لولي الأمر والتعايش مع المواقف الصعبة ولو على حساب مصلحته الشخصية. وحتى يتساوى المواطن والمسؤول في السراء والضراء إسمحوا لي بتقديم إقتراح قد يدفع المسؤول إلى الإحساس بالمسؤولية وفي الوقت نفسه يساهم في تخفيف بعض العبء عن الدولة التي أعربنا عن إستعدادنا للتضحية من أجلها.
فكبار المسؤولين في القطاع العام من وزراء ووكلاء ومستشارين ومدراء عموم لقمتهم الدولة سمنا وعسلا طوال السنوات السمان. في حين أن رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة في الشركات ورؤساؤها التنفيذيون بالغوا في تحديد مخصصاتهم ومكافآتهم طوال السنين الماضية ولم يعترض عليها أحد.
إنني أدعو بموجب هذا الإقتراح هؤلاء المسؤولين ممن تصرف لهم مستحفاتهم راتبا شهريا، أن يتنازلوا عن راتب شهر واحد من هذا العام والأعوام القادمة إذا استمرت الأزمة لا سمح الله. وأن يتنازل رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيون في شركات القطاع الخاص عن مكافآتهم السنوية لهذا العام والأعوام القادمة إذا لزم الأمر خاصة وأن هذه المكافآت تعتبر دخلا إضافيا لهم فهم يتقاضون رواتبهم من الجهات التي يمثلونها وتصرف لهم مبالغ مقابل حضورهم إجتماعات مجالس الإدارة. على أن يتم إيداع هذه الأموال في صندوق يساهم في ضمان استمرارية ولو جزء من الإلتزامات المهمة كالبعثات الدراسية لأبنائنا التي يجب أن لا تتوقف ومخصصات الضمان الإجتماعي وغيرها. فالجميع مدعو للمساهمة في تخفيف أثر هذه الأزمة كل حسب إمكانياته وطريقته، وبهذا نكون قد أتبعنا قولنا بالفعل وتعم فرحة الأعياد القادمة الجميع، وتكون إحتفالاتنا بالفعل عفوية ونابعة من قلوبنا بعيدا عن النفاق.
فالوطن غالي وجدير بأن نحتضنه جميعا بالإيثار ونفديه بالتضحيات، ولكن يجب أن نتذكر أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. من هنا تصبح مشاركة المواطن الحقيقية حتمية في رسم السياسات واتخاذ القرارات التي تعني حاضره ومستقبله ومستقبل الأجيال القادمة خاصة وأننا قد أبدعنا في إنتاج نظام مؤسسساتي يحسدنا عليه الكثيرون ولكن ينقصه التفعيل الحقيقي والشامل. كما أن المؤسسات والهيئات الرقابية مطالبة بأن لا تكتفي باستخدام أجهزة ضبط المخالفات بل مدعوة للإستعانة بقرون الإستشعار لأننا بحق يجب أن لا نوفر أية فرصة أخرى للمفسدين في الأرض لإفساد وإضاعة عقود أخرى من عمر نهضتنا المباركة بسوء تخطيطهم.

2015/07/08

حتى لا نكتوي بناره !!!!

حتى لا نكتوي بناره !!!!


لم تكد تمضِ أسابيع قليلة على الإنفجارات التي هزت بعض المساجد في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وأراقت دماء زكية بريئة لنفوس لم يكن ذنبها سوى أنها لبت نداء “حي على الصلاة”، حتى تكرر المشهد نفسه في دولة شقيقة أخرى وهي دولة الكويت، زهقت فيها نفوس مؤمنة. لم يحترم من خطط ونفذ لإخراج هذا المشهد حبل التواصل الممدود بين الضحايا وبين خالقهم وهم سجود في صلاتهم ليوم الجمعة وفي شهر الله، فتناثرت دماؤهم وأشلاؤهم وارتفعت أرواحهم إلى بارئها متسائلة بأي ذنب قتلت. ونحن أيضا نتسائل بأي ذنب أزهقت هذه النفوس.
ما حدث قبل أيام كان متوقعا حدوثه ليس في الكويت فحسب بل في أي مكان في العالم. ففي ظل الجو الملوث بكافة أنواع الشحن المذهبي والطائفي البغيض العابر للقارات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والسكوت المريب إن لم يكن مساهمة بعض الحكومات والمؤسسات في خلق هذا الجو الملوث، كان لابد لبعض العقول المتحجرة وبعض الأفكار السوداء أن تجد حاضنة مناسبة لتفرخ فيها وتنمو وتترعرع وتتجرد من أدنى مظاهر الإنسانية، فتتحول إلى غول طائفي ومذهبي شرس يقتات على أشلاء البشر وينهل من دمائهم، بحيث لا يفرق بين مذهب ومذهب أو دين ودين أو قبيلة وقبيلة أو مسجد وكنيسة ورقص، والكارثة المفجعة أن الغول المتمثل بهيئة البشر، والبشر منه براء، يزداد ضخامة وتوحشا وفتكا رافعا راية الإسلام الذي لم يدخل قلوب الناس إلا بالحكمة والموعظة الحسنة.
لو تمعنا قليلا في الأحداث الأخيرة، لوجدنا أن معظمها وقعت في أيام الجمعة، أي في يوم عبادة المسلمين وفي وقت واحد تقريبا وهو وقت صلاة الجمعة، وهو اليوم الوحيد من أيام الأسبوع الذي خصه الله سبحانه وتعالى بسورة في القرآن الكريم واختصه بصلاة خاصة به، في حين أن مجزرة مسجد الكويت وقعت في شهر رمضان المبارك. لذا وفي سياق هذه الحيثيات، من الغبن الشديد بل ومن الطامة الكبرى أن يصدق المرء بأن من قام بهذه الجرائم مسلم أو موحد أو حتى إنسان، لأنه حتى الحيوان في الغابة لا يقتل إلا إذا لم يجد ما يسد به جوعه، فكيف لمسلم أن يتجرأ لقتل مسلم في مكان مقدس وفي يوم مقدس وفي شهر مقدس وفي ضيافة الواحد الأحد. ليس هذا فحسب بل يحدث هذا باسم الإسلام وتحت راية الإسلام وبتكبيرة الإسلام. أي منطق هذا الذي يدعون وأي إسلام يعتنقون.
من الصعوبة بمكان، أن تُقدم فئة ما على عمل كهذا من دون أن يكون لها فكر نظري يؤسس لمثل هذه الأعمال، ويُنظر لها. وعندما أتحدث عن الأساس النظري والتنظير لهذا الفكر، لا أعني فئة دون أخرى، ولو رجعنا إلى تُراثنا الإسلامي لوجدناه لا يخلو من مشاهدَ العنف والقتل والدمار التي حدثت بين فترة وأخرى، ووجد من يدعو إليها بل وينظر لها. بل إن البعض منهم إدعى ولا زال أن الإسلام انتشر بالذبح، وهذا ما نسمعه في خطاباتهم ونقرأه في بياناتهم كقولهم “والصلاة والسلام على رسول الله الذي بعث “بالسيف” رحمة للعالمين”. لعمري كيف يكون القتل والذبح رحمة للعالمين. إلا أن هذه الجماعات المحسوبة على الإسلام وللأسف، تأبى إلا أن تعتنق القتل والذبح والتنكيل لنشر دعواهم زورا وبهتانا باسم راية إسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي بُعث رحمة للعالمين. فنراهم يتفننون في ابتكار وسائل وأساليب مرعبة للقتل والذبح والتنكيل لنشر الرعب والخوف بين البشر لا بل وحتى الشجر والحجر. وللأسف فقد وجد هؤلاء في بعض كتب التراث وفي فتاوى بعض علماء الفتنة مصادر للتنظير لأفكارهم التكفيرية وزودتهم بمبررات ففقهية مضلله لنشرها بتلك الأساليب التي أقل ما يقال عنها أنها لا إنسانية. وبالتالي فإن منابع هذا الإجرام وأهدافه المختلفة لا تمت إلى الإسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد، وإنما يتم استغلال الإنفعال الطائفي والمذهبي المنتشر في المنطقة مثل النار في الهشيم.
لذا نرى أن معالجة هذا البلاء يتم عن طريق حلول تُعطي الوقاية وتُقدم العلاج. من أهم الحلول لمواجهة هذه الأفكار والمعتقدات الضالة هو تنقية التراث الإسلامي من الإسرائيليات الإرهابية الدخيلة على دين الرحمة والتسامح. فوجود هذا الكم الهائل من الروايات والنصوص والأقوال والأحداث في التراث الإسلامي التي تدعو إلى العنف وإلغاء الغير وتكفيره بأي وسيلة كانت، كفيل بأن يشكل رافدا قويا لفئة فنها القتل، وهوايتها الذبح، وهويتها حز الرقاب.
وما أحوجنا اليوم إلى اجتماع الأمة وتوحيد جهودها من مشرقها إلى مغربها، لتنقية هذا التراث الجم من الشوائب التي  دخلت عليه سواء عن قصد أو غير قصد، عن طريق غربلة وتنقيح هذا التراث من الموضوعات. لا سيما وأن العقود القليلة الماضية شهدت موجات عنيفة من التكفير والتفسيق ابتداء من فتاوى الدم التي احترف على إصدارها علماء لا ينتمون إلى أمة إقرأ بل لا شك ولا ريب ينتسبون إلى أمة إذبح، وانتهاءً بالتراشق والتلاسن والسب على قنوات الفتنة بين من يدعون العلم وهم ليسوا إلا أباليس لفظتهم جهنم لشدة مرارة لحومهم.
إن الفتاوى التكفيرية والطائفية والمذهبية التي يصدرها علماء أعمتهم العصبية الجاهلية وشكلت الإسرائيليات الإرهابية الدخيلة على الدين الحنيف منهلا لمعتقداتهم أو غررت بهم الدولارات المشبعة برائحة البترول، مزقت حتى الآن أوصال أكثر من تسع دول عربية وإسلامية والحبل على الجرار. ولا أدري أية صعقة كهربائية أشد من تلك التي نكتوي بها الآن لكي نصحو وننقذ ما يمكن إنقاذه من البشر والحجر والشجر، والحمد لله فإن جهود بعض العقلاء في الأمة من حكام وساسة وعلماءدين ومثقفين، تشكل حتى الآن عنصر وقاية من الانحدار التام نحو العنف المذهبي المتبادل وإن كانت بوادر هذا الانزلاق تلوح في الأفق. وبالفعل فقد تنبه بعض المثقفين إلى هذه الحقيقة المرة، وبدأوا يرسلون رسائل تحذير من خلال كتاباتهم ومؤلفاتهم ولا بأس أن أشير هنا إلى رواية “فئران أمي حصة” للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، والتي أنهيت قراءتها تزامنا مع تفجير مسجد الإمام الصادق في حي الصوابر بالكويت.
والسؤال المطروح والذي يفرض نفسه على من تبقى من عقلاء هذه الأمة حكاما ومحكومين، علماء دين ومثقفين وأثرياء ومعدومين، هل ننتظر جريان أنهار الدماء في شوارع عواصم ما تبقى من دولنا؟ هل ننتظر تجزئة ما تبقى من المجزء من دولنا؟ هل ننتظر تحويل ما تبقى من شعوبنا إلى سكان مخيمات اللاجئين في أوطانهم؟ ألا يكفي ما أنتجته أيدينا في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن من دمار وخراب؟ هل نريد أن نرى كل ما أنجزناه في العقود الماضية من تطور في العمران والبنية التحتية وشتى مجالات الحياة، هل نريد أن نرى كل ذلك ينهار أما أعيننا قاعا صفصفا؟ متى سنفهم أن الدمار إن حل في مكان فلن يفرق بين أبيض وأسود، بين قبيلة وأخرى، بين غني وفقير، إنه سوف يجرف الجميع بلا استثناء. إلى متى سنقف مكتوفي الأيدي ونحن نشاهد سونامي الإرهاب الجارف يقتلع بلدانا بأكملها على طريق طنجة جاكرتا.
حقا يحز علينا نحن في دول الخليج خاصة، أن نقف متفرجين ونحن نشاهد بأم أعيننا بلداننا، واحات الأمن والأمان، تتعرض لموجة إرهاب يقف أمامه الصهاينة والمغول والتتار خجلا لأنهم على فظاعة ما ارتكبوه لم يصلوا إلى مستوى إرهاب تتار ومغول عصرنا الذين صنعناهم وغذيناهم وللأسف بأيدينا ورميناهم في أحضان الصهيونية، فماذا نحن فاعلون إذاً لوقف هذا الزحف، وما دورنا لحماية دولنا من الخراب والدمار، والمحافظة على منجزاتنا من الضياع.
إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرت وتمر بها الأمة أوجدت في نفس كل واحد منا إرهابيا صغيرا ينتظر الأرضية الخصبة لينمو ويكبر. وليس شرطا أن تسلم لهذا الإرهابي سكينا أو بندقية ليفرغ بها شحنات الكبت والمعاناة  ضد الأبرياء، بل يكفي أن تلعب بعقله ليصبح صاحب فكر إقصائي تكفيري، صاحب فكر يُنظر للإرهاب ويقتات عليه. لذا فإن الدول والحكومات مطالبة بتصحيح الأوضاع، الأمر الذي سوف يساعد كل واحد منا لأن يتخلص من هذا الإرهابي الصغير الذي يقيم في نفسه أو على الأقل يوقف نموه الذي يعمل على إذكائه دون كلل بعض علماء الفتنة وعبيد المال ونافخوا الكير وبعض القنوات الفضائية.
وهنا يبرز دور العلماء الربانيين الأجلاء لتوجيه وتثقيف المجتمعات وتنقية أفكارهم وتقويمها بما يتفق مع تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ولا ننسى دور الأسرة في هذا السياق وما يمكن أن تشكله من سد منيع يحول دون إنحراف الأجيال نحو طريق الفتنة والمذهبية والطائفية وإقصاء الآخر.
لقد كان حضرة صاحب الجلالة حفظه الله كعادته سباقا إلى الدعوة لتجنيب البلاد والأمة ويلات ما تمر به حاليا، فقد حذر صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في إحدى كلماته السامية عندما قال: “إن التزمت في الفهم الديني لا يؤدي إلا إلى تخلف المسلمين، وشيوع العنف وعدم التسامح في مجتمعاتهم. وهو في حقيقة الأمر بعيد عن فكر الإسلام الذي يرفض الغلو، وينهى عن التشدد، لأنه دين يسر، ويحب اليسر في كل الأمور. وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام إذ يقول: ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) وليس بعد حديث الرسول من مقال”.
النقطة الأخرى التي يجب التركيز عليها هو حب الوطن والمواطنة. فها هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يربط حب الوطن بالإيمان فيقول: “حب الوطن من الإيمان”، فلنتخذ هذا الحديث الشريف عنوانا لحياتنا، وطريقا نتبعه في كل وقت وآن. وحق لي أن استشهد بمقولة لصاحب الجلالة السلطان قابوس – أيده الله – في هذا المضمار إذ يقول في إحدى خطبه السامية: “ومن ثم فإن على كل مواطن أن يكون حارسا أمينا على مكتسبات الوطن ومنجزاته التي لم تتحقق كما نعلم جميعا إلا بدماء الشهداء، وجهد العاملين الأوفياء، وألا يسمح للأفكار الدخيلة التي تتستر تحت شعارات براقة عديدة، أن تهدد أمن بلده واستقراره، وأن يحذر ويحذر من هذه الأفكار التي تهدف إلى زعزعة كيان الأمة، وأن يتمسك بلب مبادئ دينه الحنيف وشريعته السمحة التي تحثه على الالتزام بروح التسامح والألفة والمحبة”.
فإن أي مشكلة ستصيب الوطن، سأكون أنا أول المصابين بهذه المصيبة، أما الذين يعيشون معي في هذا الوطن، أتفقنا أم اختلفنا فهم إخواني وأقاربي وجيراني، عرضهم عرضي، وما يؤذيهم يجب أن يؤذيني. هذه هي المواطنة، أن نكون يداً واحدا في مواجهة كل تطرف وغلو، وأن لا نسمح للأفكار المنحرفة بأن تدخل بيوتنا ومجالسنا ومجتمعاتنا.
وفي الحقيقة فإن مواقف حضرة صاحب الجلالة حفظه الله وسياسات حكومته الرشيدة ومنذ فجر النهضة المباركة رسمت لعماننا الحبيبة لوحة فسيفساء رائعة لم توفر أية مساحة للتعصب والطائفية والمذهبية وإنما تزينت بأجمل ألوان المواطنة والحب والأخوة والتعايش واحترام الآخر. ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية النزيهة تتسابق في تقديم شهادات التقدير والاحترام لما تتمتع به السلطنة من بيئة يحسدنا عليها الكثيرون والتي ما كانت لتتوفر لولا حكمة عاهل البلاد المفدى والتلاحم المخلص بين الوطن والمواطن.
لا شك أن الإرهاب الذي هز دولة الكويت الشقيقة والضحايا الأبرياء الذين سقطوا، أدمعت عيوننا وأدمت قلوبنا، ولكن المواساة كانت في التلاحم الذي ظهر بين الحكومة ومختلف فئات الشعب الكويتي. وما موقف سمو أمير الكويت الذي وصل إلى موقع الحدث والدموع في عينيه وهو يردد “هذول عيالي”، إلا دليلا على عمق العلاقة والمحبة بين أمير البلاد وشعبه. لقد تعاضد أبناء الشعب الكويتي، وأنصهر الجميع بمختلف طوائفهم وقبائلهم ومناطقهم تحت راية الكويت وفي بوتقتها. ورأينا كيف كان التشييع والدفن مهيبا. كل ذلك سدد ضربة مميتة للإرهاب ووقف حائلا دون تحقيق أهداف الفكر التكفيري التي كانت متوقعة من هذا العمل الإرهابي ألا وهو خلق الفتنة بين مكونات الشعب الكويتي، الأمر الذي نزل بردا وسلاما واطمئنانا ليس على قلب الشعب الكويتي بل أبناء الخليج كلهم.
هذا هو المطلوب منا جميعا، الوحدة الوطنية، والتعاضد والتكافل بين أبناء الوطن الواحد. إنه كفيل بتحقيق الوحدة بين الأمة جميعها، ويجب أن يكون هذا التلاحم والتعاضد في جميع الظروف والأوقات والأزمنة، في الحرب والسلم، في السراء والضراء، في حالة الخوف أو في حالة الأمن، فكلنا معرضون لمثل هذه الأفعال الإجرامية، وكلنا في مرمى الخطر دون استثناء، فالإرهاب أيا كان مصدره ولونه، فإنه لا دين له ولا إنسانية ولا مذهب ولا أخلاق ولا ضمير.
وللأسف إنما يجري على أرضنا العربية والإسلامية، يقرح القلوب، ويدمع العيون، فالمآسي كثيرة، والشهداء والجرحى أكثر، والمعاناة شديدة. ترى ماذا يُراد لنا من كل ما حصل ويحصل، وإلى أين سنصل؟ ولكن كلي يقين بأن الوحدة الوطنية هي الحل، فإن كنا متحدين كالجسد الواحد فسنصمد كالبنيان المرصوص، وإن تفرقنا لا قدر الله فالسقوط مآلنا. نسأل الله أن يكشف هذه الغمة عن هذه الأمة إنه سميع مجيب.